عاجل

  • الأردن: إصابتان جديدتان بفيروس (كورونا) إحداها على الحدود

الواقع الفلسطيني والمحددات النضالية

الواقع الفلسطيني والمحددات النضالية
الواقع الفلسطيني والمحددات النضالية

د. رياض عبدالكريم عواد

الواقع الفلسطيني عبر تاريخه النضالي الحديث سيبقى محكوما بثلاث محددات رئيسية. هذا ما تؤكده تجربة عصبة التحرر الوطني في فلسطين التي لم تستطع هي وباقي الحركات السياسية من أن تجهر بموقفها الصائب تجاه القبول بقرار التقسيم سنة 1947 وتجعل منه رأيا مقبولا من المجتمع، حدث هذا تحت ضغط وهيمنة الثقافة والقوى السياسية السائدة انذاك، التي كفرت وخونت كل من عارضها بالرأي.

كذلك يؤكد هذا تجربة الواقع الذي لم تستطع فيه حركة فتح ومن معها من الوطنيين من خلق تيار وطني واسع في المجتمع وبين قواه السياسية يقتنع بأهمية ما تم تحقيقه من خلال اتفاق أوسلو وضرورة التمسك بالسلطة الوطنية التي تم إنجازها والنظر إلى ذلك كفرصة سانحة ومهمة وطنية وحلقة مركزية في النضال، تهم الجميع ومن مصلحة الجميع أن يدافع عنها ويعمل على تطويرها وانتصارها.

لقد فشلنا كفلسطينيين في المرحلتين تحت واقع هذه المحددات الثلاث التي يمكن وضعها تحت ثلاث عناوين رئيسية، كل واحد منها بحاجة إلى افاضة في الشرح:

1. عدوانية المشروع الص هيوني، كمشروع استيطاني احلالي اجلائي لا يعترف بوجود الشعب الفلسطيني ولا بحقوقه. هذا المشروع الص هيوني مازال يتجه نحو مزيد من التطرف والعنصرية تحت واقع الاحتلال والاستيطان وعسكرة المجتمع، وتغلغل الفكري القومي الصهيوني العلماني والتوراتي الذي ينادي بيهودية الدولة، وتراجع الفكر اليساري العمالي العلماني بين قواه السياسية الفاعلة. إضافة إلى فائض القوة التي يملكها والدعم العالمي الكبير الذي مازال يحظى به، وهزيمة المعسكر الاشتراكي وضعف وتراجع المعسكر العربي والاسلامي وصولا إلى خنوعه واستسلامه. كل هذا وغيره يغلق الطريق أمام الحلول السياسية ويجعل أصحاب الفكر الواقعي في موقع الاتهام والحرث في البحر؟!

2. سيادة الحركات السياسية، خاصة حركات الإسلام السياسي في هذه المرحلة، التي تؤمن بالفكر القومي والديني في المجتمع والسياسة، وترفع الشعارات القومية والدينية التي تستخدم وتقدس البندقية والعمل المسلح والقيم الدينية المطلقة، بعيدا عن مقدرتها على تحقيق أهدافها من خلال هذا النهج وما يسببه من دمار ونكبات للمشروع الوطني وللواقع الحياتي للناس. لقد وقعت الحركة الوطنية الفلسطينية وقياداتها السياسية، والمجتمع بصفة عامة، تحت ضغط وارهاب افكار الحركات الدينية وشعاراتها السياسية والدينية، ولم تستطع هذه الحركة من مواجهة حجم التحريض الرهيب والاتهامات بالتخوين والتكفير الذي تقوم به القيادات والحركات الدينية مما أدى إلى تزييف وعي المجتمع وتضليله وعدم واقعيته وشعوره بالقوة الكاذبة، بعيدا عن تحقيق أهدافه الوطنية على الأرض. هذا اضافة الى تراجع كثير من القوى الوطنية والمثقفين، تحت الشعور بالعجز والخوف من الاتهامات، عن المواجهة المباشرة واستبدالها بالمواقف الوسطية المائعة. كل هذا، اضافة الى واقع المجتمع الاقتصادي والاجتماعي ونوعية الوعي والثقافة السائدة بين أفراده وجماعاته، عرض الشعب وما زال يعرضه وسيعرضه إلى مزيد من النكبات المتتالية.

3. فشلت الحركة الوطنية الفلسطينية في بناء جبهة وطنية واسعة ومتماسكة رغم نجاحها في قيادة م ت ف، التي ضعفت وترهلت لأسباب كثيرة منها الفساد وضعف النضالية التي تغلغلت في مؤسساتها وبين كوادرها وقياداتها. هذا ما حدث أيضا في مرحلة بناء السلطة الوطنية، التي رغم أهميتها السياسية والاجتماعية، وما شيدته من مؤسسات وما تقدمه من خدمات للمجتمع لتضمن مواصلة بقائه وصموده على الارض، رغم كل ذلك فإن مظاهر الفساد والترهل قد اضعفت هذه السلطة وقدمت لاعدائها وخصومها المبررات التي اضعفتها وجعلتها سهلة للانتقاد والاتهام، ليس من خصومها فقط ولكن ايضا من بين ابنائها.

نحن في نهاية مرحلة، ليس من السهل تجاوزها بنجاح، في ظل قوة العدو الصهيوني وتغوله، والأوهام التي تسيطر على حركات الإسلام السياسي والتي ترى في فصل غزة وإقامة دولة فيها هو انتصار لنهجها ومشروعها. هذا يحدث في ظل مقدرة قوى الاسلام السياسي على إقناع قطاعات واسعة من المجتمع بصحة نهجها وصوابيته، وفي ظل بوادر إرهاق وتراجع بين مختلف الشرائح المجتمعية الوطنية. بالاضافة الى الضعف والتراجع العربي والدولي في مواجهة العولمة والاندفاعة القوية للرأسمالية ونظامها الجديد.

أن التمسك بالسلطة الوطنية و م ت ف وتعزيزها بالكوادر الوطنية المناضلة والواقعية ومواصلة النهج الوطني الواقعي طويل النفس وتخليصه من الترهل والفساد ومن اصحاب المصالح الصغيرة هي بارقة الأمل الوحيدة التي قد تمكننا من تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر.

طبعا لابد أن نؤكد أن هذه المرحلة لن تطول لأنها ستصطدم بمعيقات موضوعية وذاتية كبيرة، يعرفها الجميع، يمكن اختصارها في جملة من العوامل التالية: اطماع اليمين الصهيوني واليهودي في دولة يهودية من البحر إلى البحر. وعدم مقدرة هذا المشروع على تلبية الحد الادنى لطموحات الشعب الفلسطيني الوطنية ولا أن يحل مشاكل قطاع غزة الإنسانية والاجتماعية. كما سيواجه هذا المشروع معارضة من السلطة الوطنية وحركة فتح وكثير من الوطنيين. ان التغول الصه يوني والاستيطاني في الضفة الغربية والقدس والخليل سيؤجج المقاومة الشعبية والوطنية المتواصلة، القدس والأقصى سيبقى عامل تفجير هام. هذا اضافة الى التناقضات التي ستظهر حتما داخل حركة ح ماس، وموقف الفصائل الفلسطينية والجماعات السلفية المعارضة لهذا المشروع، خاصة الج هاد والشعبية، هذا الموقف المستند على الموقف الإقليمي وما يسمى محور المقاومة الذي من الصعب عليه أن يفقد غزة بعد طول استثمار.

هذه المعيقات الموضوعية والذاتية ستجعل من مشروع دولة غزة مشروعا تافها ومكشوفا لا يحقق الحد الأدنى من تطلعات ومتطلبات الشعب الفلسطيني السياسية والاجتماعية.

إن تاريخ الشعب الفلسطيني ومخزونه الوطني ومسيرته النضالية الشاقة والطويلة تؤكد بما لا يدعو إلى الشك أن كل المشاريع التي تتناقض مع حق هذا الشعب في الحرية والاستقلال هي مشاريع فاشلة ستطحطم على صخرة ثباته وصموده الوطني.

التعليقات