الإجراءات الاسرائيلية ضد الأسرى المرضى من منظور القانون الدولي الإنساني

رام الله - دنيا الوطن
يتعرض الأسرى للانتهاكات الصحية منذ اللحظات الأولى لاعتقالهم وأثناء التحقيق معهم، وحتى طيلة فترة احتجازهم وحتى قضاء محكومياتهم، يتعرضون خلالها إلى أساليب تعذيب  جسدية ونفسية ووحشية ممنهجة، تؤذي وتضعف أجساد الكثيرين منهم، والتي كانت آخرها سلسلة الإجراءات التضييقية التي تلت نشر توصيات لجنة وزير الاحتلال جلعاد أردان، للتضييق على الأسرى الفلسطينيين، في أيلول من العام الماضي. 

شملت تلك التضييقات تصعيدًا لسياسة الإهمال الطبي بحق الأسرى المرضى والجرحى، مما أدى إلى مضاعفة معاناتهم من آثار المرض، حتى بعد الإفراج عنهم.

وهنا لا بد من استعراض جملة من الانتهاكات الصحية التي تمارسها إدارات السجون الإسرائيلية تجاه الأسرى والأسيرات الفلسطينيين والعرب المحتجزين في سجونها ومعتقلاتها، والتي بمعظمها تصب في ترسيخ سياسة الإهمال الطبي المتعمد، والمماطلة في تقديم العلاج، والجرائم الطبية، كتأجيل إجراء العمليات الجراحية لكثير من الحالات المرضية والإصابات .

الانتهاكات الصحية التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون ، وتتمثل بالتالي :

أولاً / سياسة الإهمال الطبي المتعمد :  من خلال مراقبة الوضع الصحي للأسرى، اتضح أن مستوى العناية الصحية بالأسرى شديد السوء؛ فهو شكلي وشبه معدوم بدليل الشهادات التي يدلي بها الأسرى، ويندرج  الإهمال الطبي ضمن أربع مستويات،  الأول تكمن بأن إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية لا تقدم العلاج الملائم للأسرى لغياب التشخيص السليم، المستوى الثاني لا يوجد فحص طبي مخبري على الإطلاق للأسرى داخل السجون طول فترة اعتقالهم,  أما المستوى الثالث يكمن في أن الاحتلال لا يسمح لوزارة الصحة الفلسطينية إدخال أدوات للفحص الطبي للأسرى في السجون الإسرائيلية , اما المستوى الرابع، يتمثل في تأجيل العمليات الجراحية للأسرى والتي تمتد لسنوات، مما يفاقم وضعهم الصحي، ويعرض حياتهم للخطر وقد تؤدي إلى الوفاة.

كما أكدت رئيسة قسم متابعة الأسرى المرضى في جمعية أطباء لحقوق الإنسان الاسرائيلية , ـأن الأسرى الفلسطينيين المرضى يواجهون عقبات كبيرة قبل وصولهم إلى الطبيب المعالج في العيادات وذلك نابع من عدم وجود جهاز رقابي على أداة مصلحة السجون التي لا تولي أهمية لمتابعة الأوضاع الصحية للأسرى.

ثانياً / البيئة السجنية : السجون هي سجون قديمة ولا تتفق مع المعايير الدولية من حيث مساحتها وبنائها العمراني، وهي ذات مناخ قاسٍ، فسجون الجنوب جوها صحراوي، وسجون الشمال رطوبتها عالية،  أيضاً قلة التهوية، والرطوبة الشديدة، والاكتظاظ الهائل؛ إلى جانب ذلك عدم وجود غرف أو عنابر عزل للمرضى المصابين بأمراض معدية، كالتهابات الأمعاء الفيروسية الحادة والمعدية، والجرب.

كذلك يوجد نقص فادح، وأحياناً متعمد في الخدمات والتجهيزات الأساسية في الغرف كالمراحيض وأماكن الاستحمام، أو في السجون كالفورة (ساحة لرؤية الشمس والرياضة)، وفي إمكانية استخدامها لدرجة أن إدارة السجن مثلاً تلزم الأسرى باستخدام المراحيض في أوقات محددة فقط.

ثالثاً / تنصل إدارات السجون من التزاماتها إزاء احتياجات النظافة الشخصية والعامة، واتخاذ التدابير للحفاظ على صحة الأسرى والمعتقلين , هذا ويتضح من النقص الشديد في مواد التنظيف العامة والمبيدات الحشرية، وشح مياه الشرب مما أدى إلى انتشار الحشرات والقوارض بشكل كبير في غرف السجون.

إلى جانب عدم اتخاذ اسرائيل التدابير اللازمة وعدم توفير الأجهزة الطبية المساعدة لذوي الاحتياجات الخاصة، كالأطراف الصناعية لفاقدي الأطراف، والنظارات الطبية، وكذلك أجهزة التنفس والبخاخات لمرضى الربو، والتهابات القصبة الهوائية المزمنة , عدم تقديم وجبات غذائية صحية مناسبة للأسرى، تتماشى مع الأمراض المزمنة التي يعانون منها كمرض السكري، والضغط، والقلب، والكلى، وغيرها، أيضاً حرمان الأسرى ذوي الأمراض المزمنة من أدويتهم، كنوع من أنواع العقاب داخل السجن, وتقديم أدوية منتهية الصلاحية للأسرى.

رابعاً / أجهزة التشويش: عمدت قوات الاحتلال خلال السنوات الماضية وضع أجهزة تشويش في السجون وهذه الأجهزة تبث إشعاعات و موجات كهرومغناطيسية تبلغ 2690 ميغاهيرتز في مناطق مغلقة وهو ما يتجاوز المعايير التي حددتها منظمة الصحة العالمية ، كما ان لها أثار كارثية على جسم الإنسان على المدى القريب والبعيد على حد سواء ومن الآثار القريبة فإن هذه الأجهزة تؤدي لحالات الصداع المزمن والغثيان وعدم الشعور بالراحة وتعمل الذبذبات على إثارة الشعور النفسي لمن يتعرض لتلك الإشعاعات مما يسبب للأسرى الأرق وعدم الاستقرار النفسي والشعور بالاستنفار والاستفزاز , وعلى المدى البعيد فقد أثبتت الدراسات ارتفاع نسبة الإصابة بأمراض السرطان المختلفة لمن يتعرضون لمثل هذه الإشعاعات بنسبة ملفتة.

خامساً / سوء المستشفيات والعيادات الصحية: على الرغم من وجودة عيادة طبية في كل سجن من السجون , إلا إن مستوى العناية الصحية سيئ جداً، وتفتقر المستشفيات والعيادات الصحية في السجون إلى : الحد الأدنى من متطلبات الصحة والمعايير الدولية ويتم فيها الابتزاز بالتخابر، وعدم وجود أطباء مختصين كأطباء العيون والأسنان والأذن، وعدم وجود أطباء مناوبين ليلاً لعلاج الحالات الطارئة .

كما تعتبر الطواقم الطبية العاملة في السجون ، أو في المستشفيات العامة ، جزءاً من المؤسسة الاسرائيلية الأمنية ، وقد أكدت كافة الشهادات على مشاركة الأطباء والممرضين – بشكل مباشر – في تعذيب الأسرى والأسيرات بشكل متعمد ، اذ كثيراً ما رأينا المحقق ينتحل صفة الطبيب ، وبالمقابل رأينا الكثير من الأطباء يتحولون إلى أدوات في يد الأجهزة الأمنية ، ينفذون ما يطلب منهم ، أو يصمتون أمام تعذيب المخابرات الإسرائيلية للمعتقلين  أمامهم ، متخلين بذلك عن أخلاقيات المهنة.

, فالطبيب في السجون الإسرائيلية هو الطبيب الوحيد في العالم الذي يعالج جميع الأمراض بقرص حبوب يسمى الأكامول وهو يحتوي على مادة الباراسيتامول الخاصة بمعالجة الصداع ، ولا يتورع أحياناً عن العلاج بالماء كأن يقدم للأسير المريض فقط كأس من الماء.

وفي حالة تفاقم الوضع الصحي للمريض، يتم نقل الأسير المريض إلى عيادة سجن الرملة، التي لا تختلف عن عيادات السجون من حيث العناية الصحية المطلوبة , غير أن عيادة سجن الرملة تتركز فيها الحالات المستعصية من الأسرى الذين يعانون تدهورًا حادًا في وضعهم الصحي.

 ويفتقر مستشفى سجن الرملة، الذي ينقل إليه الأسرى المرضى إلى المستلزمات الطبية والصحية؛ حيث لا يختلف عن السجن في الإجراءات والمعاملة القاسية للأسرى المرضى، حيث بلغ عدد الأسرى المرضى القابعين في ما يسمى "عيادة سجن الرملة" 15 أسيرًا مريضًا وهم يعانون أوضاعًا صحية وحياتية قاسيةوقد مر على وجود بعضهم داخل هذه العيادة أكثر من 10 سنوات، دون أن يطرأ تغير على سياسات إدارة سجون الاحتلال بحقهم، وعن أصعب الحالات المرضية القابعة بما يُسمى عيادة معتقل "الرملة"، إحداهما حالة الأسير المقعد ناهض الأقرع (51 عاماً) سكان قطاع غزة، والذي يرقد بشكل دائم داخل عيادة "الرملة" منذ اعتقاله خلال عام 2007، حيث بترت قدماه داخل السجن بسبب إصابته بالرصاص قبل الاعتقال، وخضع لعدّة عمليات بتر في ساقيه، بسبب الانتشار الشديد للالتهابات فيها، ولم تُقدم له أي رعاية طبية لحالته الصحية المتردية ولا زال الأسير يعاني من آلام جسيمة مكان البتر لكن العيادة تكتفي بإعطاءه المسكنات.

سادساً / سوء وسائل النقل "البوسطة" إن الأسرى المرضى والمصابين يتم نقلهم بسيارة مغلقة غير صحية (البوسطة) لا تصلها أشعة الشمس أو الهواء إلا من خلال فتحات دائرية صغيرة ، بدلا من نقلهم في سيارات الإسعاف، وغالبًا ما يتم تكبيل أيديهم وأرجلهم في ظل تكدس البوسطة وعدم وجود مقاعد للجلوس , حيث تستمر رحلة النقل هذه نحو 8 ساعات يكون الأسير طول هذه المدة مقيداً على كرسي حديد ولا يسمح له بقضاء حاجته أو تناول الطعام,  في مخالفة للمادة (127) من اتفاقية جنيف الرابعة والتي تحذر نقل المعتقلون المرضى والجرحى ما دامت الرحلة تعرض صحتهم للخطر , إلا اذا كانت سلامتهم تحتم النقل .

سابعاً / اجراء تجارب طبية : ان سلطات الاحتلال ضاعفت من إجراء التجارب الطبية بحق الاسرى، في زيادة تتجاوز 1000 حالة سنويا، وهي تجارب محرمة لأدوية خطيرة يجريها الاحتلال بشكل متواصل على الأسرى الفلسطينيين داخل السجون والذين تعتبرهم حقول تجارب لها، لا سيما في مجال العقاقير الطبية , وعلى الرغم من عدم وجود تقارير رسمية تثبت ذلك، إلا أن الأسرى ومن خلال شهادتهم الرسمية يؤكدون أن إسرائيل تستغلهم فيما يتعلق في موضوع العقاقير الطبية التي تعطيها لهم.

وقد أكدت ذلك عضو الكنيست داليا إيتسك، عن إجراء السلطات الإسرائيلية المختصة ألف تجربة لأدوية خطيرة، تحت الاختبار الطبي، على أجساد الأسرى الفلسطينيين والعرب , وكانت صحيفة (يديعوت أحرونوت) الإسرائيليّة، قد نشرت في شهر (يوليو) من العام 1997، تصريحات حرفية لرئيس لجنة العلوم البرلمانية، ومفادها أن وزارة الصحة الإسرائيليّة أقرت بمنحها شركات الأدوية الخاصة تصاريح لعمل تجارب على الأسرى، وأجرت حتى تاريخه 5 آلاف تجربة.

إن عدم توفر أدلة ملموسة لا يعني أن اسرائيل تحترم حقوق الاسرى المرضى وتوفر لهم العناية الطبية اللازمة ولا تنتهك حقوقهم، ولكن تزايد تفشي الأمراض الخطيرة بين صفوف الاسرى و المحررين، يدفع للاعتقاد بصحة تلك المعلومات.

من خلال ما سبق من اجراءات وسياسات تعسفية بحق الأسرى , نجد أن هذه الإجراءات وما تتخذه سلطات الاحتلال بحق المرضى يتنافى وبشكل صريح مع ما نصت عليه اتفاقيات حقوق الإنسان واتفاقيات القانون الدولي وخاصة اتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة لعام 1949 .

وعليه فإن الإجراءات التي تقوم بها ضد الأسرى تخالف اتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة على الوجه التالي :

1. ان اجراءات وسياسات الإهمال الطبي ضد الأسرى من إهمال طبي وعدم تقديم العالج، تخالف نص المادة (76) من اتفاقية جنيف الرابعة والمادة (31) من اتفاقية جنيف الثالثة .

2. البيئة السجنية للأسرى والمعتقلين، وعدم وجود غرف للمرضى المصابين بأمراض معدي، والازدحام الشديد داخل السجون تخالف نصوص المواد ( 81) و(85) من اتفاقية جنيف الرابعة .

3.سوء وعدم وجود عيادات طبية حقيقية والنقص الحاد في الأدوية، وافتقارها للحد الأدنى من متطلبات الصحة والمعايير الدولية مخالف للمواد.

التعليقات