ضمن مهرجان "شاشات الـ11: فيلم "يا ريتني مش فلسطينية".. عن الهوية كأزمة

ضمن مهرجان "شاشات الـ11: فيلم "يا ريتني مش فلسطينية".. عن الهوية كأزمة
خاص دنيا الوطن

التركيز على الجانب الذاتي في أي فيلم إما أن يكون سبباً لنجاح كبير أو فشل كبير، ومن هنا غامرت المخرجة فداء نصر في حكاية فيلمها"يا ريتني مش فلسطينية"الذي يتناول تفاصيل حياتها من أمل وخيبة وحزن ونجاح وتقدم وتراجع ووحدة وخوف.

كما يشير اسمه وكأنه على تناقض مع ثيمة المشروع الذي تنفذه مؤسسة"شاشات"، وأنتجت الفيلم من خلاله "أنا فلسطينية"، ليكون هذا التناقض الكامن في أمنية المخرجة ألا تكون فلسطينية تأكيدا بشكل كبير على هويتها الفلسطينية، إذ تقول "بفكر لو إني مش فلسطينية، شو ممكن أكون؟" ثم تؤكد "لا أستطيع إلا أن أكون فلسطينية"، وكما تصرخ بالإنكليزية في وجه المستوطن في الخليل في نهاية الفيلم، "أنا فلسطينية وفخورة بذلك!"، فمغامرة فداء جاءت بمحلها، فقد تميز فيلمها بصدقية وشفافية ذاتية عالية، إذ خاضت في المشاعر الشخصية بدون تصنع أو غرور.

ومن الواضح أن المخرجة الشابة والصحافية فداء نصر مرت بظروف قاسية جعلتها حبيسة منزلها؛ فقد حاصرها الاحتلال في مهنتها،"هلأ انا بلا هدف وبلا رسالة" التي سمحت لها بالانطلاق بحرية زمانياً ومكانياً في بيئة الخليل المحافظة متحدية الجنود في تقارير صحفية على حافة الاشتباكات في مدينتها، فبعد أن أغلق الاحتلال مكان عملها الصحافي وصودر أرشيفه شعرت وكأنه تمت مصادرة ذاكرتها، "ذكرياتي سرقوها وبخاف بسرقوني مني".

وإذ لم يكن هذا الفقدان الفعلي لحياة فداء كافياً لكسرها "كنت بهالمكان أدفن قلقي، وأعيّش التحدي" بل أُضيف له الفقدان المعنوي وكابوس احتمال اعتقالها من سريرها في الليل" بتخيلش يجو سريري يصحوني من النوم وياخذوني زي زملائي...، وصرت كل ما اسمع صوت بخاف. معقول أنا صرت جبانة هلقد، ليش وصلت إلى هذه المرحلة"، وتستنج أن ما حصل لها هو "عشاني فلسطينية طب يا ريتني مش فلسطينية"، ما جلب هذا اليأس المبكر لهويتها.

بعد أن سلبت عملها وحريتها وجدت فداء نفسها حبيسة المنزل تعاني من أحكام وشماتة الآخرين وقيود المجتمع؛ "آخرتي رجعت للمطبخ! وكمان مش متزوجة لهلأ!" . فتقول فداء في الفيلم الذي كانت فيه الممثلة والمخرجة والكاتبة "كل يوم بفتح عيوني وأجد نفسي بنفس القفص، والضوء جواي بيغمّض..... كلهم شمتوا لما فقدت أكثر شغلة بحبها بحياتي، اعتقدت إني طلعت من القفص، وتخلصت من كثير قيود، لكن جناحيَّ اصطدما بجدار انكسار جديد"، فمرحلة الحزن الكبيرة هذه جعلتها تختبر معنى الوحدة والعزلة فتقول " كل من آذني وجرحني في يوم من الأيام عاد ليستولى على تفكيري بعد ما كان شغلي ما يسمح لهم يمروا بذهني".

وفي هذا تنجح فداء في الربط بعمق بين قيود الاحتلال والمجتمع عبر بوح جريء إذ وضعت في فيلمها كل ما قد يكون سبب لها الخيبات؛ الاحتلال والمطبخ وتأخر الزواج، ما يجعل المُشاهد يشعر أنه لم يكن سياقاً واحداً، إلا أن فداء تختلف مع هذا بقولها "على العكس كل هذه الأمور بالنسبة لي غير متفرقة، بل كانت عبارة عن خط واحد، فهي مرتبطة ببعضها البعض، أي بالخيبة، كنت أجلس وحدي وتأتيني كل هذه الأفكار مجتمعة؛ إغلاق الاحتلال لمكان عملي، وجلوسي في المنزل ثم اكتشاف الشخصيات من حولي، وكلام الناس عن عدم ارتباطي وزواجي، جميعها في سياق واحد وهو حياتي".

وعن ذاتية فيلمها تقول المخرجة الشابة "هذه المرة تجربتي أعتبرها مختلفة في صناعة الأفلام، لأنني اخترت أن أتحدث عن مشاعري وعن حالة مررت بها، وربما يمر بها الكثيرون خاصة النساء، لكن القليل منهن يتحدثن عنها بصراحة"، موضحة أن رسالتها الأساسية في الفيلم حث النساء على التحدث بصراحة عما بداخلهن، وأن لا يفقدن الأمل مهما كان الخذلان المحيط بهن.

وحول مقدرتها على صناعة الفيلم وسط عزلتها توضح أنها ترددت كثيرا خاصة أنها قلقت من ردود فعل ذات المجتمع الذي عانت منه وانتقدته في الفيلم، مستدركة "لكنني آمنت أن قراري حرية شخصية ويجب أن أدافع عنه وليس لأحد الحق في التدخل".

وتضيف عن التجربة الذاتية التي عبرت عنها في الفيلم "كنت في حالة سيئة بسبب فقداني لعملي واكتشافي لحقيقة كثير ممن يحيطون بي، فكانت صدمتي مضاعفة، لذلك اخترت التعبير عن ذلك سينمائياً، وكنت في البداية مشتتة ولا أعرف كيف أوصل ما بداخلي".

وتضيف عن مراحل صناعة فيلمها "عندما كتبت النص من الطبيعي أن يكون هناك تفكير بالإخراج والمعالجة السينمائية، ومن ثم بعدها مرحلة التصوير، لكن طبعا قبل التصوير يجب أن تكون الفكرة جاهزة على الورق، وبفضل توجيه د.علياء ارصغلي، التي تفهمت فكرة الفيلم كثيرا، وساعدتني على التعبير عنه مهنيا وسينمائيا، أشعر بالرضا الآن عن النتيجة النهائية".

وهذا الفيلم واحد من عشرة أفلام من إخراج مخرجات فلسطينيات شابات من الضفة الغربية، القدس وقطاع غزة، قامت مؤسسة "شاشات سينما المرأة" بإنتاجها والإشراف عليها، وتوفير الإمكانيات اللازمة لنجاحها، وسيتم إطلاقها في "مهرجان شاشات الحادي عشر لسينما المرأة" الذي يحمل عنوان "أنا فلسطينية". وتبحث هذه الأفلام في البعد الذاتي للانتماء والهوية، كما تركز على تعبيرات متشعبة عن حيوات المرأة الفلسطينية المتعددة التي تعطي عمقاً إبداعياً وذاتياً لتصورات سينمائية حول العلاقة مع الأشخاص، الأشياء، المشاعر، الأماكن، الحكايات والعلاقات.

وتسلط الأفلام الضوء على إعطاء عمق شخصي لكيفية تعزيز المواطنة بأبعادها المكانية والزمانية وفضاءات احتمالاتها، إذ تشكل أفلام "أنا فلسطينية" جزء من مشروع "يلاّ نشوف فيلم!" الذي تنفذه مؤسسة "شاشات سينما المرأة"، وهو مشروع ثقافي-مجتمعي ممتد على ثلاث سنوات بتمويل رئيسي من الاتحاد الأوروبي وتمويل مساعد من مؤسسة CFD السويسرية وممثلية جمهورية بولندا في فلسطين، ويستهدف جمهور واسع وفئات مجتمعية مختلفة في سعيه إلى تطوير قدرة الفئات المجتمعية المختلفة على النقاش والتفاعل المتبادل، وذلك بهدف تعزيز المواطنة وحرية التعبير والتسامح والسلم والمسؤولية المجتمعية وتماسك النسيج الاجتماعي.

وفي آخر عبارات التخاطب الذاتي الذي يخلط الشخصي بالوطني في خط درامي سينمائي ذكي، توضح سبب أمنيتها بأن لا تكون فلسطينية بقولها "دايما مع كل صراع مع حالي بوصل لأني بحب فلسطين وأكره القفص".

وتؤرخ معاني فلسطينيتها وهي تقطف عناقيد العنب من حديقة منزلها "أنافلسطينية ومابقدر أكون غير هيك، أنا فلسطينية وهذه مسؤولية...لازم أحمل صبر إمي ومعاناتها وقصص ستي المليانة دموع وشتات ولجوء، ولازم أخبر أولادي عن نكساتنا ونكباتنا، وأعلمهم عشق تراب الأرض والتمسك بتفاصيل البلد،".

ومن خلال إعادة السردهذا لتاريخ فلسطينيتها وآلامها الشخصية، تشفي نفسها وتستمد شجاعتها وتستعيد روحها، قائلة "لهيك لازم ارجع ألاقي مفتاحي وأداوي جناحاتي وأطير."


التعليقات