مباشر | الاعلان عن نتائج الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية التونسية

أنا متأسف...سوف أستقبل العيد على قدم واحدة

أنا متأسف...سوف أستقبل العيد على قدم واحدة
أنا متأسف...سوف أستقبل العيد على قدم واحدة
بقلم: عيسى قراقع

انا الطفل الفلسطيني الاسير محمود حسين صلاح 14 عاماً سكان قرية الخضر قضاء بيت لحم، اعتقلت يوم 28/6/2019 بعد اطلاق الرصاص علي من قبل جنود الاحتلال الاسرائيلي قرب الشارع الالتفافي الاستيطاني الذي يسميه الاحتلال شارع 60 الواقع بجوار البلدة، مزقت رصاصات الجنود قدمي اليسرى، وقعت على الارض انزف لمدة 40 دقيقة والجنود ينظرون ويتفرجون، دماء كثيرة على الارض واوجاع مخيفة، لا نجدة ولا اسعاف، فقدت الوعي، ولم استيقظ الا في غرفة العناية المكثفة بمستشفى تشعار تصيدق الاسرائيلي مكبلاً على سرير المستشفى يحرسني جنود مسلحون.

يدي مربوطة بالسرير والقيد يلتف على قدمي اليمنى، عندها علمت انهم بتروا قدمي اليسرى التي مزقتها الرصاصات الغادرة، تقطعت الأوردة الدموية، آلام مبرحة في كل جسدي، امي تبكي وتتطلع الي بعيون حزينة خائفة، اين قدمي؟ سألت امي، كان صمت عميق يتدفق بين عينيها وكأنه ريح عاصفة.

انا متأسف، لازلت في السجن وسوف استقبل عيد الفطر بقدم واحدة، اليدان مكبلتان والسلاسل تلتف على القدم الثانية، المحقق الاسرائيلي لازال يفتش في جسدي عن شظايا قد تطير وتتسلق على قضبان النافذة.

انا متأسف، لن اكون معكم في هذا العيد، هناك نزيف، المحققون يبحثون عن حجر كان في يدي، المستوطنون الذين ينهبوا الارض لازالوا يبحثون عني، تهمتي ان ظلي لازال في الطريق، هناك شهداء وحجارة كثيرة واطفال على كل رصيف.

انا متأسف، سأذهب للمدرسة على قدم واحدة، انا في الصف التاسع، سوف استند على عكازة او على كتف احد اصدقائي، اعذروني، اعرج في الخطوات فيسبقني قرع الجرس والنشيد الصباحي والحصة الأولى، اعذروني ان طالت المسافات والوقت وتشوشت الذاكرة، كل الحصص والدروس في جسدي صارت ناقصة.

انا متأسف، لن اقدر بعد  اليوم ان اسبق الغزال في حقول جسدي، لن اصعد التلال واتسلق الاشجار والهو مع النجوم واوقظ الاعشاب النائمة، انا متأسف سأغيب عن الينابيع في بلدتي والفراشات والغيوم الماطرة.

انا متأسف جسدي سيدي، جسدي يتفتح في جسدي، اطلقوا على جسدي الصغير الرصاص، اصطادني القناصون، لازال الحجر في يدي، دمي على يدي، دمي على كتاب المدرسة، دمي على كل حائط وجدار وزنزانة، دماء الاطفال المقتولين والمعتقلين والمشبوحين بين الدنيا والاخرة، ما الساعة الآن؟ سألت الحارس في المستشفى، قال لي لقد فقدت كل الوقت، لم تعد تمتلك شيئاً يشبهك، كان يفترض ألا تنجو من الموت، فلا تنظر الى قدمك وتسترجع احلامك الشاردة.

انا متأسف، لاصدقائي وجيراني واولاد حارتي، لكعك العيد، للأغاني والبراري واعشاش الحمام، انا متأسف للامين العام للأمم المتحدة ولكل فقهاء القانون الدولي ونشطاء حقوق الانسان في العالم، لقد بتروا نصاً من جسدي، بتروا قدمي، كنت كاملاً صرت ناقصاً، لم يأت احد، الضحايا صاروا صورة، لا عدالة انسانية، لا احد يأخذني لفجر العيد او للنوم بلا فزع او رصاص، لا احد يأخذني للفرح والبحر ولامي كي تغفر لي رحيل قدمي في تلك الليلة الموحشة الحالكة.

 انا متأسف، لاني صرت بعيداً عنكم، يصيبني هذيان وحمى شديدة منذ ان بتروا قدمي، اسمع صراخ كل الاطفال في جسدي، اطفال محشورون بين جدار وجدار، اطفال يصدهم حاجز عسكري ومستوطنة، اطفال يعتقلون بعد منتصف الليل، صوت اسلحة في النوم وفي اليقظة.

انا متـأسف، سوف استقبل العيد على قدم واحدة، اردت ان امشي لأمشي، اريد ان امشي واسقط في الطريق، اريد ان امشي واقذف حجراً والعب واحمل الارض الصغيرة، واحفظ عن ظهر قلب تلك القصيدة، اريد ان امشي واحيا واجدد عمري، اريد ان امشي لأمشي واحيا بقوة هذا التحدي، اريد لروحي ان تظل واقفة.

انا متأسف، لست معكم الآن، ولكن ارى من يغسل قمر العيد بدلا مني، وارى من يطير الحمام بدلاً مني الى اعلى سقف الغمامة، ارى شعبي برغم الموت والجوع والسلب والنهب يزرع القمح حول الابتسامة.

انا متأسف، سوف استقبل العيد على قدم واحدة، ربما كما قالت امي: ستنبت لي قدم ثالثة.

التعليقات