تفاصيل رحلة محمد البحيصي من غزة إلى الموت..وعائلته للرئيس: خُذل حياً فلا تخذلوا جثمانه

تفاصيل رحلة محمد البحيصي من غزة إلى الموت..وعائلته للرئيس: خُذل حياً فلا تخذلوا جثمانه
محمد البحيصي وطفلته مي
خاص دنيا الوطن - رفيف عزيز
 
تلاطمته الحياة في غزة، فهرب منها لتُلاطمه شواطئ تركيا وتعبث بجسده المُنهك، وتختصر حياته البائسة بين أمواجها، وتضربه ميتاً بقوة، محاولةً إقناعه أنها أرحم مما كان يعيشه.

لم يكن جسد محمد البحيصي (29 عاماً)، أول جثة تعبث بها تلك الأمواج التي تعتقد أنها رحيمة، لكنها لو علمت ما عاناه ليصلها، لما غدرت به.

يتحدث خاله إبراهيم البحيصي لـ"دنيا الوطن": "أنهى محمد دراسة الهندسة في جامعة فلسطين، ولم يحصل على أي فرصة عمل، سوى عقد بطالة لمدة 6 أشهر".

محمد هو الأكبر بين أشقائه الذكور، وهم 5 فتيات و4 شباب، وتزوج عام 2015، ورُزق بطفلته "مي" 3 سنوات.

أراد محمد أن يُدلل طفلته التي تحمل اسم والدته، فمنذ علمه بقدومها، وهو يرسم مستقبلاً وردياً لها، لكنه اصطدم بواقع الحياة في غزة، فاتخذ القرار الصعب، خاصة أنه ليس أول شخص يفعلها، ولديه تجارب لأشقائه الثلاثة قبله.

فلم يتخيل والدهم- وهو مُدرس مُتقاعد-  أن تعبه وحرصه على تعليم جميع أولاده في أفضل المجالات لن يكون خدمةً للوطن، بل لعنةٌ تلاحق تعبهم في الدراسة، وسهر الليالي، والاستنزاف المادي لنقود والدهم من رسوم ومواصلات، وفي النهاية، كان المقابل لا شيء، وأن المنزل الذي لا تتعدى مساحته 170 متراً، قد خرّج مُحاسباً وطبيبتين صيدليتين، ومهندساً، وطبيبة أسنان، سيتشح بالحزن والسواد، وسيهرب أبناؤه منه.

يكشف خال محمد: " هاجر شقيق محمد، ويدعى مصطفى إلى ألمانيا قبله للدراسة، ثم انتقل إلى بلجيكا بسبب الظروف المادية، وهاجر كذلك شقيقه أحمد قبلهم إلى بلجيكا، وكذلك شقيقتهم المتزوجة- وهي طبيبة أسنان، إلى بلجيكا أيضاً".

حاول محمد السفر ثلاث مرات، وفي كل مرة يُرفض أمنياً إلى أن تم قبوله في شباط / فبراير من العام الجاري، وخرج من مصر ترحيلاً إلى المطار، ومنها إلى تركيا.

مكث محمد أسبوعاً واحداً فقط بتركيا، قبل أن يستقل قوارب الموت مع أربعة فلسطينيين من غزة، وسبعة فلسطينيين من سوريا ولبنان، بحسب ما ذكر خاله.

يستطرد خاله المكلوم: "في يوم 27 شباط/ فبراير كان موعد انطلاق المركب إلى اليونان، وكان هذا آخر اتصال بيننا وبين محمد، وبعدها قُطع الاتصال به".

وأضاف البحيصي: "حاولنا التواصل مع المُهرب، فوجدنا رقم هاتفه مُغلقاً، ثم تواصلنا مع السلطات التركية لمعرفة مصيره، فرفضوا إعطاءنا أي معلومة، ثم تواصنا مع الجالية الفلسطينية باليونان، ليتواصلوا مع الجُزر التي يصل إليها المهربين، فأخبرونا أن رحلتهم لم تصل".

لم تستسلم عائلة محمد للأمر الواقع، خاصة بعد مضي فترة على فقد الاتصال به، فقاموا بتعيين محامٍ والذي قام بدوره بالبحث عنه في جميع مراكز الشرطة والمستشفيات بتركيا دون فائدة.

يروى البحيصي رحلة ابن شقيقته وصولاً للخبر المُفجع: "تواصلنا مع أصدقائنا وابن شقيقتي الآخرى للبحث عنه، فتكهنوا أن خفر السواحل قد ألقى القبض عليه، وأنه بالسجن الآن، إلى أن تفاجأنا بالخبر المؤلم".

وأضاف: "بداية، قامت السفارة الفلسطينية بالتواصل مع شقيق زوجة محمد، وأخبروه أن وزارة الخارجية التركية أخبروهم أنهم عثروا على جثته بالقرب من شاطئ فتحيه في ولاية موغلا، وعرفوا هويته من جواز سفره، الذي عثروا عليه في سترته".

وطلبت السفارة الفلسطينية من العائلة إرسال أحد أفرادهم للتأكد من هوية الجثة، وبسبب ظروف المعابر، قامت العائلة بتوكيل ابن خالته الذي يُقيم في تركيا، لمتابعة القضية والإشراف على نقل الجثمان.

يصف البحيصي باكياً حال شقيقته فور ورود الخبر: "ملأ الصراخ المكان، وصارت تبكي وتسأل أين محمد؟ أحضروه لي؟ لقد خرج لأنه لا يملك شيكلاً واحداً في جيبته، محمد مسكين".

وأضاف البحيصي: "كذلك زوجته وضعها سيئ، وصارت تصرخ مين سيلعب مع مي؟ ماذا سأقول لها حين تسألني عنك".

ولأن وطنه خذله مرة، يُناشد البحيصي الرئيس ألا يخذل جثمان ابن شقيقته هذه المرة، وأن يُساعدهم في تكاليف نقلها إلى غزة.

كما طالب البحيصي الرئيس عباس، بالوقوف على ملابسات وفاة ابنهم بعد اختفائه لمدة 28 يوماً.

يُذكر أن قطاع غزة، شهد في السنوات القليلة الماضية، هجرة غير مسبوقة لأعداد كبيرة من الشبان والعائلات، بسبب تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية.








والدة محمد البحيصي

والد محمد البحيصي


التعليقات