محمود فرحات.. جرح غائر وشوق للأرض لن ينطفئ

محمود فرحات.. جرح غائر وشوق للأرض لن ينطفئ
رام الله - دنيا الوطن-عزالدين الرنتيسي
ما بين الجدران الفاصلة والأسلاك الشائكة يقضي محمود فرحات ابن الـ 25 ربيعًا فلسطينيًا حياته، حياة لا تختلف كثيراً عن حياة أي شاب فلسطيني اكتوى بنار الاحتلالِ الإسرائيلي، الذي لم يسلم شجر ولا حجر من بطشه الإجرامي منذ أن دنّس أرض فلسطين بقدومه.

سنوات من العذاب لا يمكن اختزالها ببضعٍ كلمات على الورق، فمحمود الذي خلقه الله على قدر كبير من الجمال، بوجه مستدير وشعر فاحم، ولحية ناعمة، وبشرة بيضاء ناصعة، وابتسامة لا تفارق شفتيه وخفة ظلٍ تلفت انتباه كل من يراه، ودعابةٍ ساحرةٍ كشمسِ الصّباح حين تغازلُ خصلاتِ طفلةٍ تطلُ من نافذة الأمل، وتستمع لزقزقة عصافير المخيم.

جمعة وعشرون نكبة

بعدما انتهى محمود من صلاة الجمعة في مسجد المخيم، توجه مسرعاً إلى البيت ليداعب والدته التي يعشقها وتعشقه أكثر روحها، تقابلا على مدخل البيت، تعانقا وتبادلا الحديث، سألها عما أبدعت من طعام الغداء، فقد اعتادت العائلة كحال العائلات الفلسطينية، بعد الانتهاء من صلاة الجمعة، الجلوس معًا على مائدة الغذاء، ولكن والدته فاجأها سؤاله، فقد اعتاد على الصّيام في العشر الأوائل من ذي الحجة، أعظم أيام الله.

ضحك ضحكته الناعسة، وهو يخبرُها أنه يمازحها وسيتناول طعام الإفطار مع خطيبته "فرح" التي يقضى معها أجمل أيام عمره والتي كانت بلسماً لروحه، وشفاءً لجروحـه، كانت وطنه الذي يحيا، وسماءه التي يحلّق بين غيومِها، وشمسُه التي يستضيءُ بنورها، وقمرُه الجميل في سماء فلسطين المتعبة.

لحظات معدودة قضاها في حديثه مع والدته، حتى رن هاتف محمود، فإذا به رفيق روحه والملقب بـ"الأسمر"، يسأله عن نيته الذهاب إلى مسيرات العودة وكسر الحصار في الجمعة الـ21، التي كانا مداومين عليها للمطالبة بحقهم في العودة إلى ديارهم التي هجروا منها قسرًا بفعل جرائم عصابات الهاجاناه الإسرائيلية في العام 1948، وضرورة رفع الحصار الإسرائيلي عن قطاع غزة المفروض منذ 13 عاماً.

همجية عنيفة

تلعثم محمود وأخبر "الأسمر" أن ينتظره على رأس الشارع حتى يتسنى له إلهاء والدته وخدعتها للحاق برفيقه، والذهاب معًا إلى مسيرة العودة على الحدود الشرقية لقطاع غزة حيث هناك تراب أرضه التي يعشقه ويهوى ظلها، عله يسرق منها نظرة، أو يستنشق من هوائها نسمة، تعيدُ للرّوح جمالها، وللقلبِ انتعاشه.

شعر محمود بأن هذه الجمعة ليست كأي جمعة، فهي المرة الأولى التي يذهب محمود إلى مخيمات العودة شرق مخيم البريج، حيث وصل في تمام الساعة الثانية قبل العصر، فإذا به على بعد أمتار من جنود الاحتلال الإسرائيلي المدججين بشتى أنواع الأسلحة، وجهاً لوجه بصدرٍ عارٍ وعينين ترنوان إلى البلادِ المحتلةِ العتيقة.

لم يكن الحشد الجماهيري لحظتها قد اكتمل فالناس يصلون العصر ثم ينطلقون إلى مخيمات العودة، حيث تجمع بضعة شبان يرمقون بأبصارهم جمال بلادهم المحتلة، دون أن يشكلوا تهديداً لجنود الاحتلال، الذين لا يحتاجون ذريعة لإيقاع الأذى بالفلسطينيين، وما هي إلا لحظات حتى أطلق الجنود نيران أسلحتهم المحرمة دولياً تجاه الشبان العزل، على نحوٍ همجيٍ وعنيف.

كلماتٌ متلعثمة

انتفض محمود، لإسعاف الشباب المثخن بالجراح بعدما أصاب الاحتلال 6 فلسطينيين في لحظة واحدة، وما أن تقدم فإذا بطلقة متفجرة مخترقة قدمه الأيمن، مفتتة العظم، مصيبة العصب، قاطعة الشريان ومسببة له عجزاً وجرحاً لا يندملان مدى الدهر.

مرت الذكريات مسرعة على محمود، متسائلاً كم من شاب بعمر الزهور سلب الاحتلال منه حياته، كم من شاب أجلسه الاحتلال على كرسي متحرك ينتظر قدره، كم من أبناء الفلسطينيين يتموا، كم من أم ثكلت، كم من آمال قتلت، كم من أقدام بترت، كم من جراح نزفت، كم وكم وكم..

وبرغم كل تلك الآلام، لم يكن محمود يلقي لها بالاً سوى هماً واحدًا، وهو كيف ستتلقى أمه الحنون خبر إصابته، وهي التي تعاني مرض القلب، والتي كانت متشوقةً ليوم زفافه على خطيبته فرح بعد أيام قليلة من إصابته.

ما نقص فرحٌ من شدة

عاش محمود أقسى أيام حياته، بعدما كابد صنوف العذاب مجرياً العديد من العمليات الجراحية والتجميلية لقدمه المصابة، والتي كاد الأطباء أن يقوموا ببترها بعدما فقدوا الأمل بشفاء قدم محمود، والتي تعرضت لضرر كبيرة بفعل الطلقات الإسرائيلية المتفجرة والمحرمة دولياً.

لم تنل إصابة محمود، من عزيمته وروحه، باعتبار أن الطلقة التي لا تميته تزيده قوة، في سبيل استرداد وطنه المسلوب المُتجذّر في روحه ودمه، مضحياً بجسده لسد ثقوب الرصاص بأجساد المقاومين، وبذل عينه لم خسر عينه، على أن يبقوا له عينه الأخرى ليرى فيها وطنه حراً سالماً منعماً.

يتعالى محمود مرة أخرى على جراحه بالاحتفال بزواجه المؤجل، في الـ 18 من أبريل الجاري، بعدما قتل الجيش الإسرائيلي 271 فلسطينياً وأصاب أكثر من 16600 آخرين بجراح مختلفة في مسيرات العودة وكسر الحصار بعد عام على انطلاقها في الـ30 من مارس/ آذار 2018.