عاجل

  • فلسطين تتأثر بمنخفض جوي اعتبارا من الليلة

  • ‏وحدات القمع التابعة لإدارة سجون الاحتلال تقتحم قسم 10 في سجن إيشل وتجري تفتيشات

  • بدء فعاليات الإرباك الليلي في مخيمات العودة شرق قطاع غزة

مأوى مهدد بالإزالة ببيت ساحور يفتح الباب واسعاً أمام مصير الكلاب الضالة

مأوى مهدد بالإزالة ببيت ساحور يفتح الباب واسعاً أمام مصير الكلاب الضالة
رام الله - دنيا الوطن
ناقش تقرير أخير لمركز العمل التنموي/  معا، أزمة الكلاب الضالة في الأراضي الفلسطينية وطرق مكافحتها من قبل البلديات بالقنص والتسميم، والتي تصطدم مع مطالبات جمعيات الرفق بالحيوان بانتهاج طرق أكثر إنسانية تكفل حق الحيوان بالحياة، يتابع هذا التقرير هذا الملف بعد حالة جدل حول مأوى للكلاب في بيت ساحور مهدد بالإزالة.

جاء في مستهل التقرير المعد من قبل الصحفية ربى عنبتاوي: "تعاطف محبو الكلاب والقطط مؤخراً مع سيدة فلسطينية من مدينة بيت ساحور في محافظة بيت لحم تملك مأوىً صغيراً للكلاب الضالة وبعض القطط، كانت قد خاطبت أصدقاءها حول نيتها البحث عن مأوى جديد بسبب اعتراضات البلدية وجهات أخرى، داعية أصحاب الرفق بالحيوان لاحتضان كلابها قبل أن يلقوا إلى الشارع إن تم تنفيذ الإخلاء قسراً.

"ديانا بعبيش" سيدة أربعينية من مدينة بيت لحم، خلفيتها المهنية كانت لسنوات طويلة في العمل المصرفي والبنوك، لكن شغفها الحقيقي كان برعاية الكلاب وإنقاذهم من الموت. قبل أربع سنوات قررت إنشاء مأوى صغير فلجأت لبلدية بيت ساحور التي قدمت لها قطعة أرض صغيرة غير مأهولة بالسكان في منطقة عش الغراب، بدأت بإيواء عشرة كلاب، زاد نشاط المأوى الذي أطلقت عليه اسم "جمعية الحيوان والبيئة"  Animal and environment association ليصل عدد الكلاب اليوم إلى 60 كلباً.

تُظهر الصور والفيديوهات المنشورة على صفحة الجمعية، ديانا مع متطوعي المأوى وهم يعالجون كلاباً تعرضت لعذاب شديد كان مصيرها الموت المحتم، لولا اتصال من أصدقاء للحيوان لجأوا للجمعية فلبت نداءهم. وفي أحيانٍ كثيرة تذهب ديانا بنفسها لنابلس والخليل لإحضار كلاب مُصابة رغم بعد المسافة عن محافظة بيت لحم، يُساعدها طاقم من المتطوعين الأجانب والفلسطينيين.

حالة من الجدل

مبادراتها التي تعد الأولى فلسطينياً، جوبهت باعتراضات من بعض المجاورين لموقع مأواها التابع لبلدية بيت ساحور، وأسباب "صحية وأخرى متعلقة بالإزعاج وتلويث المياه". الأمر الذي تنفيه ديانا وتجده محاولة لإجهاض مبادرتها.

 بين مؤيد ومعارض، تثير قصة المأوى حالة من الجدل تصب في خانة واحدة، هي وجود أزمة كلاب ضالة في الأراضي الفلسطينية (قديمة جديدة)، وحلول لم تتغير على مدار سنوات طويلة "التسميم والقنص"، والتي من وجهة نظر جمعيات الرفق بالحيوان مرفوضة، والبديل الأمثل إنشاء مآهل لتعقيم الكلاب وإطلاقها في البرية مع تأمين غذائها، وبذلك يتم التحكم بأعدادها مع حفظ حقها بالحياة.

مأوى إنساني

الزائر لمأوى كلاب ديانا في منطقة مصنفة احتلاليا "ج" (أي تحت السيطرة المدنية والأمنية الإسرائيلية المطلقة)ـ، غير مأهولة بالسكان باستثناء حديقة للأطفال وأخرى تعليمية وبيت مجاور ومسلخ للدواجن، يرى كرفانا صغيراً مساحته 100 متر مربع مؤلف من جدران إسمنتية وسقف زنكو، يضم 12 غرفة واجهتها شبك تأوي الكلاب وواحدة للقطط، ظروف المأوى الحالية من مساحة صغيرة، وجدران مغلقة من جميع الجهات لتجنب احتكاك الكلاب مع العالم الخارجي، قد يعطي انطباعاً بأن المكان غير مناسب على المدى البعيد، وهذا ما تؤكده ديانا بأن الملجأ مؤقت لإيواء كلاب جريحة تعرضت لصنوف من التعذيب لحين إيجاد من يأويها من جهة، وإيجاد مكان أكثر اتساعاً من جهة أخرى.

علاج وتعقيم وإيواء

منذ تأسيس الجمعية، تتعاون ديانا مع أطباء بيطريين في محافظة بيت لحم مقابل أجرة، وتلجأ مؤخراً للداخل المحتل لأنها تحصل على أجور مخفضة تتوافق مع الميزانية المحدودة للمؤسسة، تتنوع زيارة العيادة البيطرية بين علاج إصابة، بتر، وبشكل أساسي التعقيم للذكور والإناث على حد سواء.

"تصلني حالات كلاب صعبة، عظام مهشمة، جلد محروق، ديدان تأكل بالعظم، والعلاج يكون مكلفاً وأحياناً يتطلب آلاف الشواقل". تقول ديانا التي تنظم ورشات توعوية تطوعية في المدارس لتحبيب النشء الصغير بالكلاب.

بعد أن تقدم ديانا الخدمات المناسبة للكلاب من علاج وتعقيم، ترفض أن تعيدها إلى الشارع أو البرية، لأنها قد تتعرض للقتل لانتهاج البلديات حلول التسميم والقنص، فتبحث لها عن أسر تتبناها سواءٌ في فلسطين أو الداخل المحتل.

الأسر المتبنية للكلاب تتعدى المحلية لتصل لشمال أمريكا وأوروبا، حيث تشحن ديانا الكلاب والقطط عبر الطائرة لأسر عرضت استعدادها لاحتضانها. تقدم ديانا لكل أسرة متبناه دفتراً طبياً للكلب يشمل التطعيمات والعلاجات التي تلقاها.

بريجيت باردو وأصدقاء

تحصل ديانا على دعم أساسي من أصدقاء فلسطينيين في الوطن ودول الاغتراب، كما تساعدها منظمة "بريجيت باردو للرفق بالحيوان" بتوفير تكلفة علاج للكلاب المصابة، لكن ما تزال النفقات على الكلاب المصابة وإيوائها تفوق بكثير الإمكانيات المتاحة.

"جاءت مندوبة من مؤسسة باردو والتقت بأعضاء من بلديات محافظة بيت لحم، لضمان كتاب تعهد رسمي بعدم قتل الكلاب أو تسميمها حتى لا تذهب جهود علاجها سدىً، هناك بلديات رفضت أن تكتب تعهداً وبلديات أخرى كتبت لكنها لم تلتزم، ما أضاع جهوداً كان يمكن أن تثمر في نهاية أزمة الكلاب الضالة". تقول ديانا

تؤكد صديقة الكلاب بأنها لا تستطيع حل أزمة الكلاب الضالة في بيت لحم والتي يصل عددها إلى خمسة آلاف كلب، ووفق الرأي العام فهي تثير الرعب وتبعثر النفايات، الحل بأن تساعدها البلدية في إيجاد ارض مساحتها بين دونم إلى دونمين، وتوفير طاقم فني من أطباء بيطريين وعمال وسيارة وتأمين طعام في حالة إعادتهم للطبيعة، ولكن الأهم وقف سياسة البلديات في القتل والتسميم حتى لا تذهب هذه الجهود أدراج الرياح، ولكن لم يحدث شيء من هذا القبيل ولا حتى وعود.

تتمدد فكرة الجمعية لتصل إلى محافظة نابلس، حيث اتفقت ديانا مع متطوع لتأمين أرض مستأجرة في منطقة خالية في المحافظة لاستيعاب وعلاج الكلاب الضالة، المأوى سيقترب من مباشرة عمله في الأشهر القادمة، وهناك تعاون مع نشطاء في رام الله لذات الغرض.

"عالج المأوى منذ تأسيسه ما يزيد عن الـ600 كلب ضال وجدوا معذبين بدمائهم، ووفّر الحماية لجراء هزيلة فقدت أمها بطلقة قناص". تقول ديانا في ختام حديثها متفائلة باقتراب حصولها على قطعة أرض في محافظة بيت لحم لتوسعة مشروعها.

تهديد بالإخلاء، لماذا؟

تواجه ديانا الاعتراضات حول أن الملجأ أصبح مكرهة صحية من قبل مديرية الصحة وبلدية بيت ساحور التي يرأسها حالياً "جهاد خير" بالسؤال: هل فحصتم عينات المياه ووجدتم أنها ملوثة، هل فحصتم الهواء ؟ كيف يكون مكرهة وفيه خط للصرف الصحي، والنفايات تلقى في الحاوية، وبالنسبة لعواء الكلاب فهذه طبيعة الكلاب مع العلم أن المكان مغلق من جميع الجهات.

وحول اتهام مأوى ديانا بأنه مكرهة صحية قالت: "لقد تمت محاربتي، حيث قطعت البلدية عني المياه منذ سنة ما اضطرني للبحث عن مصدر مياه آخر من شركة ميكروت الإسرائيلية، كما توقف مجلس الخدمات المشترك لأشهر عن تفريغ حاوية نفاياتي فامتلأت واضطررت لحرقها أحيانا، لكن بالنهاية استجابت البلدية واستأنفت خدمة تفريغ القمامة. (حاولت مجلة آفاق البيئة والتنمية مراراً التواصل مع بلدية بيت ساحور لسماع موقفها، لكن لم تلقَ أي إجابة).

مديرية الصحة: المكان مكرهة ويجب إغلاقه

د.زياد شقير مدير الصحة العامة في محافظة بيت لحم لا يرى بقاء مأوى الكلاب في موقعه الحالي ممكناً لورود شكاوٍ من المجاورين للمكان أُخذت بعين الاعتبار من قبل جهته الرسمية، يقول: "جاءتنا شكوى عن المأوى من بلدية بيت ساحور والمجاورين للموقع من حيث الرائحة والإزعاج، حياة الناس لدينا أهم من الكلاب".

وأشار شقير إلى وجود آلاف الكلاب في محافظة بيت لحم، وديانا لم تحل مشكلة الكلاب إلاّ بنسبة 1%، داعياً إياها إلى اختيار مكان بعيد جداً ولا يزعج أحداً، مؤكداً أن  الكتاب الرسمي مرسل في الـ4 من كانون الأول لعام 2018 ومدد أشهراً إضافية حتى ترتب أمورها وترحل.

ولفت إلى أن الطلب الرسمي بترحيل المأوى مستند على نصوص قانونية، لافتاً إلى أنه يقدّر مبادرتها لحماية الكلاب، ولكن طالما لا تزعج أحداً. وختم شقير: "بقاء المأوى في مكانه الحالي مستحيل".

الكلاب الضالة... الحاضر والمستقبل

يرى الطبيب البيطري في بلدية بيت لحم  د.يوسف مسلم، بأن تعقيم الكلاب سياسة متبعة  في الدول الأوروبية والأجنبية وتتطلب إمكانيات مالية، بدءاً من إنشاء مأوى لتجميع الكلاب وتعقيمها ومن ثم إطلاقها في منطقة نائية مع توفير غذاء لها يُرسل بشكل شبه يومي. لافتاً إلى أن عملية التعقيم غير مكلفة وتتراوح ما بين 200-500 شيقل.

فيما أشار د. كامل أبو عامرية مدير الإدارة العامة للخدمات البيطرية التابعة لوزارة الزراعة، بوجود عدة حلول لأزمة الكلاب الضالة، لكن الشائع والمتبع تاريخياً هو التسميم والقنص. الطريقة الأولى التي امتنعت عنها إسرائيل في السنوات الأخيرة بسبب مناهضتها من قبل جمعيات الرفق بالحيوان، لكنها مستمرة في كثير من الدول.

يرى أبو عامرية أن التعقيم وسيلة تنسجم مع مفاهيم الرفق بالحيوان، ولكنها في ظل غياب الإمكانيات المتاحة مستحيلة التطبيق، ولا تقضي على أعداد الكلاب الهائلة، وحالياً سياسة الهيئات المحلية -المخول الرئيسي في التعاطي مع الكلاب- التسميم والقنص.

حملة الخرطوش لقنص الكلاب

المقدم سفيان عطاونة، قاد حملة قنص الكلاب الضالة في بيت ساحور لعامي 16-2017، وحالياً يقوم بذات المهمة في بيت جالا. يشرح: "تبدأ المهمة عادة بعد الـ 12 ليلاً كل أسبوع بمجموع مرتين، تستهدف مناطق تجمع الكلاب عند الحاويات والمطاعم، يستخدم رصاص الخرطوش وتتم عملية القنص من قبل شرطي قناص مؤهل بحيث تكون الإصابة مباشرة على القلب مع تجنب التعرض للجراء والمرضعات. للإقدام على هذه الخطوة؛ تم اخذ موافقة رجال الدين بفتوى شرعية.

لا ينكر عطاونة بعضاً من مشاعر الحزن التي تنتابه وهو ينهي حياة كائن حي، ولكنه ينفذ الأوامر، وفي كل أسبوع يقضي على ما مجموعهُ 30-40 كلباً.

ويعترف بأنه يخطئ أحيانا بالإصابة، ولا ينسى مشهد كلبة جريحة ركضت أمامه وهي مصابة، لكنه يرى أن القنص هو الخيار الأفضل مع عدم الترحيب مؤخراً بالتسميم الذي يعذب الكلب ويسبب الأذى للحيوانات الأخرى، وبالنسبة لوجود مآوٍ للتعقيم فهو أمر مستحيل في ظل إمكانيات البلديات.

الحكم المحلي: "البلديات مفلسة ويا دوب تصرف عالناس"

يشير مدير الحكم المحلي في محافظة بيت لحم "شكري الردايدة" في مستهل اللقاء إلى القانون الخاص بالكلاب الضالة لعام 1997، مادة 15 لائحة 24، والذي ينصُّ على التالي: "من ضمن اختصاص البلديات مراقبة الكلاب وتنظيم اقتنائها وترخيصها الوقاية من أخطارها والتخلص من الضارة منها". إن آخر كلمتين باعتراف الردايدة تفتحان المجال واسعاً لاتخاذ أي طريقة مناسبة سواء التسميم أو القتل أو إيواء الكلاب في ملاجئ كحل لهذه المسألة.

ويلفت إلى أن من صلاحيات الحكم المحلي تنظيم العمل بين الهيئات والمجالس المحلية، ومراقبتها في تطبيق النظام والقانون، وقضية الكلاب هي من تخصص البلديات وعليها أن تجد حلا عملياً للكلاب فأعدادها في تكاثر.

"هناك معلومات من شهود عيان، بأن شاحنات إسرائيلية تأتي محملة بالكلاب الضالة وتقذفها في مدخل مدينة بيت جالا، في محاولة خبيثة لتبرئة دولتهم من قتل الكلاب وإلصاق التهمة بنا". ويعقب حول ظاهرة الكلاب الضالة: "أصبح السير ليلاً يثير الرعب، لانتشار قطعان من الكلاب في الطرقات".

وحول وجود رؤيا مستقبلية لتخصيص ملاجئ تديرها البلديات لتعقيم الكلاب وعلاج المصاب منها، فقال الردايدة : "البلديات مفلسة يا دوب تقدم خدمات لمواطنيها!".

وبين إمكانيات محدودة للبلديات وغياب لرؤى إنسانية في مسألة الكلاب، ونوايا حسنة قد لا تكفي لجمعيات الرفق بالحيوان، يبقى الكلب هو الحلقة الأضعف، ويظّل إزهاق روحه ضريبة تأجيل كثير من القضايا التنموية في الوطن حتى إشعار آخر.