الكفيفة "دلال التاجي": تبنتها "جين" المسيحية وصنعا من ظلامها نوراً.. شاهد تفاصيل القصة

الكفيفة "دلال التاجي": تبنتها "جين" المسيحية وصنعا من ظلامها نوراً.. شاهد تفاصيل القصة
دلال التاجي مع والدتها جين كالدر
خاص دنيا الوطن
حين أمر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات وحاكم دبي، بتغيير مسمى "ذوي الإعاقة" إلى "أصحاب الهمم" بشكل رسمي في الدولة عام 2010، لم يكن ذلك عبثاً.

فبينما يجلس الإنسان الذي لا يُعاني من أي قصور جسدي، أو حسي، أو عقلي، أو نفسي، يُعارك هذه الحياة الصعبة، فإن هذه الفئة تخوض كل يوم ألف معركة أو أكثر.

هذه المعارك اتخذت شكلاً آخر لدى دلال التاجي (44 عاماً)، فهي وُلدت كفيفة، تلك "المصيبة" لم تكتفِ بذاتها، لتتوالى المصائب التي غيرت حياتها إلى الأبد.

حرب وظلام

فقدت "دلال" والديها في لبنان أثناء الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975، وكانت طفلة صغيرة لا تفقه شيئاً عن الحرب، تلك الطفلة جابت الشوارع المُظلمة في عينيها، تستدل برائحة الموت في كل مكان، إلى أن وجدت الحياة حين عثر عليها أفراد جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وقاموا بنقلها إلى مقرهم حيث ترعرت لديهم حتى وصلت سن الخامسة.

دخلت الطبيبة الأسترالية "جين كالدر" في حياة دلال، عبر الهلال الأحمر الذي كانت متطوعة به، وقامت بتبنيها رسمياً لتبدأ "دلال" فصلاً آخر من فصول حياتها الأشبه بالدراما.

لمحت "جين" ذكاء "دلال" وسرعة حفظها المُفردات، وسرعة بديتها وبراعتها في التعامل مع الآخرين، فبدأت بتنميتها ثقافياً عبر تسجيلها في مدرسة للمكفوفين بلبنان أنهت بها المرحلة الابتدائية، وبعد اشتداد الحرب في لبنان، رحلت مع "جين" إلى مصر، وأكملت دراستها إلى أن حصلت على شهادة الثانوية العامة.

غزة والقرار الصعب

انقلبت حياة "دلال" حين قدمت إلى غزة عام 1995، تقول في حديثها لـ"دنيا الوطن": "قرار عودتنا إلى غزة كان بعد اتفاقية أسلو، حيث كان الخيار مفتوحاً للجميع بالعودة إلى وطنه، فعُدت إلى فلسطين مع جمعية الهلال الأحمر".

ولأن "دلال" تملك إرداة حديدية، لم تكتف بشهادة الثانوية العامة، فقررت دراسة اللغة الإنجليزية في جامعة الأزهر، إلا أنها اصطدمت برفض الجامعة، واشتراطهم أن تدرس اللغة العربية أو الشريعة، لاعتقادهم أن ذلك أفضل وأسهل لحالتها.

لكنها لم تستسلم، ودرست "دلال" ما تريده، وتخرجت بتقدير جيد جداً من قسم اللغة الإنجليزية في جامعة الأزهر، لتكون بذلك أول طالبة كفيفة في هذا القسم.

رسالتي للمُعيقين

تقول "دلال": "الفضل في نجاحي يعود لوالدتي الأسترالية، فممارسة اللغة الإنجليزية معها منذ طفولتي كان له دور كبير، كما أنني كنت أحفظ القليل من المفردات قبل أن ألتقي والدتي، فقد كنت ألتقط الكلمات من الوفود الأجنبية التي تزور جمعية الهلال وأحفظها".

طموحها لا تحده السماء، بعد 4 سنوات من التخرج والعمل كمُترجمة في جمعية الهلال الأحمر، قررت "دلال" إكمال دراستها، فسافرت إلى بريطانيا وحصلت على درجة الماجستير، وعادت لتحصل على منصب رئيسة لقسم التعليم المستمر في كلية تنمية القدرات الجامعية التابعة للهلال، ومحاضرة فيها.

وفي رسالتها إلى من عارض دخولها قسم اللغة الإنجليزية، تقول "دلال": "شاهدوا إلى أين وصلت اليوم، وشاهدوا قدراتي التي لم تؤمنوا بها".

وأضافت: "ورسالتي إلى الحالات التي تُشبهني، أن يكونوا مبادرين، ومتحديين لأنفسهم وإعاقتهم، فالدنيا لن تُقدم لك النجاح والتميز على طبق من ذهب دون أن تُبادر بنفسك".

طفلة مُسلمة وأم مسيحية

وربما يتبادر للأذهان سؤال "كيف تعيش دلال مع والدتها جين؟"، خاصة أن كل منهما لها ديانة مُختلفة عن الأخرى، وهذا ما أوضحته "دلال": "كانت جين تعي منذ البداية أننا مسلمين، ولم تُحاول أبداً أن تؤثر علينا أو تُغير ديانتنا إلى المسيحية، بل وتُشاركنا طقوس رمضان والعيد، فتُيقظني أنا وشقيقي بالتبني لتناول وجبة السحور، وتنتظر وقت آذان المغرب لتفطر معنا".

وأضافت "دلال": "كذلك في عيد الفطر والأضحى، نعيشه كأي أسرة فلسطينية، وفي المُقابل نحتفل معها بأعياد المسيحية، ولا نشعر بأي اصطدام في الثقافات، وقد يعود ذلك أن والدتي جين عاشت مع العرب منذ عام 1981، كما أن طفولتها كانت ريفية".

ربما لم يجمع بينهما "الدم"، لكن الإنسانية غير المشوهة تُحيط عائلة "دلال" التي تُقيم  مع والدتها وشقيقها بالتبني وزوجته، مع أم مسيحية تؤمن بحرية العقيدة والتعايش مع الديانات، وهذا ما أكدته "دلال" في ختام حديثها: "رغم أن والدتي قامت بتربيتنا منذ الطفولة، إلا أنها لم تُحاول أبداً التأثير على عقائدنا الدينية، فهي امرأة مثقفة واعية، تحترم جميع الأطياف".

دلال مع والدتها وأشقائها بالتبني (فقدت أحدهم في الحرب على غزة)

دلال مع والدتها جين

دلال ووالدتها جين


التعليقات