بركة تجميع وترشيح الأمطار في "أم النصر".. حياة أخرى

بركة تجميع وترشيح الأمطار في "أم النصر".. حياة أخرى
رام الله - دنيا الوطن
"كانت ليلة لم يتوقف فيها المطر أبدًا، كل طواقم البلدية استنفرت على مدار 24 ساعة، الشاحنات، الموظفين والجميع في مركز القرية ننقذ الغرقى، نسهلّ حركة السير، ننقل الأسر المتضررة إلى المدرسة ونغلق مداخل البيوت التي غزتها المياه بسواترٍ رملية"..

"كل هذا والسماء لا تهدأ مطلقًا وفي لحظة قاتلة طَفَحتْ المياه من مضخة الصرف الصحي وبدأت تتوجه نحو طبلون الكهرباء فكادت أن تحرق القرية بما فيها لولا أن تنزلت رحمة الله وأوقفت المطر"، ذلك أقل ما وصفه أيمن أبو قليق الموظف في قسم المياه والصرف الصحي ببلدية أم النصر، عن إحدى أخطر الليالي الشتوية التي مرت عليهم.

أصل المشكلة

على مدار ثلاثة عشر عامًا ومنذ تأسيسها عام 2005 تُعاني قرية أم نصر، شمال قطاع غزة، من الغرق كل شتاء سكانًا وبيوتًا وشوارعا، حيث تتجمع المياه في بؤرة القرية نتيجة وجود مضخة صرف صحي واحدة ومصفاتين فقط لا يتمكنوا من سحب الكميات الهائلة من مياه الأمطار؛ ما يُعطل حركة السيّر لأيامٍ عديدة، ويتسبب بأزمة للسكان الذين يصل تعدادهم نحوِ 6 آلاف نسمة.

وفي ظل استعراضنا للمشكلة التقينا مع المواطن موسى المدني، فقال: "في المنخفضات الجويّة كنا نهاجر للمدرسة بعد أن يغرق البيت وتدخل الماء فيصل ارتفاعها إلى ما يُقارب متر، ويتعطل الأثاث ولا نستطيع الحركة داخل البيت أبدًا، وفي بعض الأحيان تُغلق لنا البلدية المدخل بالرمل ليمنع تسرب السيول قليلًا".

أما الطفل رامي أبو دحيل (12 عام)، تحدث عن معاناة بدأت معه منذ دخوله الصف الأول بالمدرسة وحتى السادس، قائلًا: "في أيام المطر نحاصر داخل بيوتنا، نتغيب عن المدرسة ولا نستطيع الخروج من المنزل لقضاء حوائجنا أبدًا، وإذا كانت فترة امتحانات نضطر الخروج ولكن نذهب من شوارع التفافية ومع ذلك نعوم في الماء التي أمام بوابة المدرسة فندخل وملابسنا مبللة".

لم يكن ذلك حال رامي وحده، بل توسع ليكون حال أكثر من 600 طالب في مدرسة حمزة بن عبد المطلب إضافة للكادر التدريسي أيضًا، تقول منى سعد الدين مديرة المدرسة: "هذه مشكلة كل عام، يأتي الطلاب مبللين، المياه وصلت إلى ملابسهم الداخليه، يقف الطفل أمامي كقطعة باردة يرجف، ونحن لا يوجد لدينا مدفأة ولا ملابس بديلة فنضطر الاتصال في ولي الأمر فورًا يستلم طفله".

ذلك كان حال الطلاب الذين يداوموا في وضعٍ قارس البرودة وشديد المطر، أما نحو ثلثي الطلاب فقد كانوا يتغيبوا، وفق سعد الدين، التي أكدت على أن الحاضرين منهم كانوا يضطروا للغياب عدّة أيام وفي بعض الأحوال أسبوع كامل بعد أن يكونوا تعرضوا لنزلات برد، وافترشوا الأسرّة مرضًا.

أيضًا الحال ذاته مع الطاقم التدريسي الذي يحضر أغلبه من خارج القرية، فترفض المركبات الدخول بهم إلى مدخل المدرسة الذي تبرُك فيه المياه، فيدخلوا مرغمين مبللين دائمًا، ونتيجة ذلك كانت تضطر المدرسة إلى تأجيل الدروس والامتحانات، والعمل على جدول دراسي طوارىء طوال فترات تقلّبات الجو في ظلِّ المنخفضات الجويّة.

سرّ التغير

أما هذا العام فقد اختلف الوضع على القريّة تمامًا، تتجول فيها تحت أهبّة مياه الأمطار، فلا تبلل المياه أكثر من حذاءك، وذلك بعد أن قامت جمعيّة التنمية الزراعية (الإغاثة الزراعية)، بإنشاء بركة تجميع وترشيح واسترجاع مياه الأمطار فيها، ضمن مشروع "تعزيز صمود مواطني غزة ضدّ أزمة المياه"، الذي تنفذه بالشراكة مع مؤسسة (DKH) Diakonie Katasterophenhilfe الألمانية، بتمويل من مؤسسة (Bread for the World/ BMZ).

وفي التفاصيل، قال مدير المشروع عائد عابد: "إن مدّة انشاء البركة وتنفيذها استمرت لأربعة شهور، جرى فيها اختيار أفضل العينات والتعامل مع شركة مُنفِذة ممتازة؛ بغرض أن يستفيد من هذه البركة كافة سكان القرية وقد تم انشاؤها للتخفيف من أزمة ومعاناة الأهالي في كل شتاء يمر عليهم من حالة الغرق والإرباك والإغلاق التي كانوا يعايشونها".

أما بلدية أم النصر التي شاركت الإغاثة الزراعية سيّر تنفيذ البركة وإنشاؤها، وتابعت عن كثب اختيار العينات، قال مهندس المشاريع فيها، أحمد فياض: "كنا نختار العيّنات وفق المواصفات، من المواسير والمناهل، وكافة ما يلزم، ونعمل لها فحص دوري، أما الآن نتابع سير عملها بعد أن تجف مياه المطر نقوم بحرث الأرضية لتفكيك التربة وإزالة الشوائب التي تغلق المسامات، بالإضافة لمتابعتنا المستمرة لعبارات الأمطار وتنظيفها".

اليوم يتمكن الطلاب من الوصول لمدارسهم بأمان، حتى أن نسبة الغياب تكاد تنعدم في المدارس، ويخرج السكان بأريحية تامة من منازلهم لقضاء الحوائج، لا يوجد أبدًا أيّة اشكاليات في حركة السير، وبعد ساعاتٍ قليلة ترى الشوارع قد جفت، أما موظفي البلدية الذين كانوا يواصلون الليل بالنهار في مساعدة الأهالي فاليوم يستمتعون بقضاء إجازة المنخفضات الجويّة بسلام.