"حماية المستهلك" برام الله يدعو إلى اجتماع حول عدادات المياه مسبقة الدفع

رام الله - دنيا الوطن
 دعت جمعية حماية المستهلك الفلسطيني في محافظة رام الله والبيرة السبت الموافق 24.11.2018 إلى اجتماع إثر قرار مجلس الوزراء الذي صدر مؤخرا بخصوص عدادات المياه مسبقة الدفع.

وقد حضر الاجتاع ممثلين عن حماية المستهلك، وموظفو مؤسسات حكومية وباحثين ومواطنين مهتمين بالأمر. وجرى نقاش مستفيض في الاعلام وعبر مواقع التواصل الاجتماعي لما تمخض عنه هذا اللقاء وما اثير خلاله من نقاط الامر الذي تطلب طرح بعضا من جوانبه وهذه المقالة جزء منه.

تم تركيب عدادات المياه مسبقة الدفع لأول مرة في فلسطين عام 2009 في قرية الجاروشية قضاء طولكرم، وقد تم تركيب ما يقارب 200 عداد في هذه القرية الصغيرة بالتزامن مع تركيب عدادات الكهرباء مسبقة الدفع. وللبحث في جذور الموضوع فإنه كان قد تقرر البدء بتركيب عدادات كهرباء مسبقة الدفع في البلاد عام 2007 في خطة إعادة هيكلة وتنمية فلسطين الصادرة عن حكومة الدكتور سلام فياض، حيث ركزت الخطة على تنمية البنى التحتية وتحسين الخدمات، وإدارة الإثنتين بطريقة ذات توجة تجاري ومستدامة ماليا. وبناء عليه إقترحت تركيب عدادات كهرباء مسبقة الدفع، واتخاذ تدابير إلزامية  لتحصيل ديون الخدمات الاخرى، وتضمنت هذه التدابير الالزامية المطالبة بشهادة براءة ذمة مالية تشمل مطالبة المواطن ببراءة ذمة مالية للخدمات بما فيها المياه في حال طلب معاملة من المؤسسات الحكومية مثل طلب اشتراك مياه او كهرباء، او طلب رخصة بناء. كما ان شهادة براءة الذمة شرط من شروط الترشح للهيئات المحلية.

في حزيران 2010 أصدرمجلس الوزراء القرار /13/51/03م.و/س.ف الذي شجع على تركيب هذه العدادات، وقد طالب القرار باعتماد المعايير الواردة بالدراسة التي كانت تقوم بها وزارة التنمية الاجتماعية آنذاك والمعنونة بـ "إستراتيجية التحويلات النقدية" فيما يخص الحالات الاجتماعية المستفيدة. وقد صدرت الإستراتيجية المذكورة عن وزارة التنمية الاجتماعية في العام ذاته الذي صدر فيه القرار، ولكنها لم تذكر عدادات المياه مسبقة الدفع أو المياه إطلاقا. اليوم وبعد سنوات على صدور القرار لا زال نظام الحماية الاجتماعية للفقراء مفقودا.

كشف النقاش في الاجتماع أن الجهات المختلفة لديها توقعات مختلفة واحيانا متناقضة من استخدام عدادات المياه مسبقة الدفع، حيث يتوقع بعض المؤيدين لاستخدام العدادات ان يساهم استخدامها في معالجة ازمة المياه ومشكلة شح المياه في فلسطين، وتشمل التوقعات الاخرى للمؤيدين: مساهمه العدادات في زيادة العدالة في توزيع المياه على المستوى المحلي، والقضاء على ثقافة عدم الدفع لدى المواطنين عامة أو ربما الفقراء خاصة. ويتوقع البعض مساهمتها في تطوير قطاع المياه عامة. ولكن البعض الاخر يراها كأداة لحل مشاكل محددة في ميزانية السلطة عامة أو ميزانية المؤسسات العاملة في قطاع المياه على وجه الخصوص.

والملحوظ إضافة إلى الاختلاف الكبير في التوقعات، عدم توفر دليل كاف للان لاثبات او نفي هذه التوقعات المختلفة. ويعزى هذا الغياب لسببين هما قله الابحاث في هذا الموضوع، ولان القرارات والاستراتيجيات المذكورة سابقا لم تشكل سياسة واضحة وموحدة. لذا فإن هناك حاجة لنقاش شامل ومفصل وبحث محدد يوضح الهدف من استخدام عدادات المياه مسبقة الدفع ويدرس قدرتها على تحقيق ما هو متوقع منها، ولا تأتي أهمية هذا البحث للاجابة على الاسئلة المذكورة فقط بل لتحقيق الشفافية في عملية اتخاذ القرارات المتعلقة باستخدام هذه العدادات وتبريرها تبريرا مستندا الى دليل علمي، أو تبرير معارضتها بالاستناد إلى دليل.

بدون بحث مفصل قد يبقى النقاش مستندا إلى ادعاءات غير مثبته في الكثير جوانبه من المؤيدين لهذه العدادات وكذلك من المعارضين لها، مما قد يصعب من الوصول إلى حل مسؤول ومستدام فيما يخص هذا الموضوع الهام. تذكر السلطة على سبيل المثال المديونية الكبيرة لقطاع المياه المستحقة على المواطنين، وبالتالي على مزودي الخدمات بدورهم لدائرة مياه الضفة الغربية مما دعا لتركيب العدادات مسبقة الدفع، لكن مبلغ المديونية الذي قد يبدو ضخما بحاجة الى ان يتم تفصيله، كما يجب أيضا مقارنة هذا المبلغ  بخسائر أخرى لقطاع المياه لمعرفة مدى ضئالة أو عظم هذه الديون بالنسبة للخسائر الاخرى. بحسب تقرير لمعهد الأبحاث التطبيقية أريج عام 2011 فإن البلاد  تتكبد خسائر زراعية بقيمة 2 مليار دولار أمريكي في السنة بسبب سيطرة الاحتلال على المياه، وبالتالي فإن ديون المياه ضئيلة نسبة إلى هذه الخسائر، وخاصة أنها تراكمت خلال عقود من حكم الإدارة المدنية للاحتلال ومن بعدها السلطة الفلسطينية، ولكن لربما يكشف البحث المفصل ان هذه المقارنة غير عادلة لسبب او لاخر وهو ما يحق للعامه معرفته. وبدون بحث مفصل فان الارقام التي تستخدم في الجدل حول أهمية أو ضرر العدادات قد تبقى عامة ومبهمة. من المهم أيضا بحث بدائل العدادات مسبقة الدفع وأسباب تفوق العدادات عليها أو العكس.  

إضافة للأسئلة التقنية فان الجوانب البسيطة الاجتماعية والنفسية- السياسية بحاجة للبحث والتمحيص أيضا، حيث يجادل البعض بأن عدم التزام المواطن بالدفع له اسباب نفسية-سياسية، حيث ان المواطن لم يكن يدفع فواتير المياه للادارة المدنية للاحتلال وان تراكم الديون على المواطنين بدأ من تحويل الاحتلال هذه الديون المتراكمة من فترة حكم الادارة المدنية للسلطة بعد تأسيسها، كذلك فان الكثير من القرى تاخذ مياهها من نفس الشبكة التي تخدم المستوطنات غير الشرعية، وعليه فان اجبار المواطن على الدفع افتراضا بانه لا يريد ان يدفع قد لا يكون دقيقا بدون دراسة اسباب عدم التزامة بالدفع، كذلك فإن هناك جدلا حول وجود تاريخ وأيديولجيا وراء عدم التزام مخيمات اللاجئين بالدفع. اما بالنسبة لقطاع غزة والذي تم البدء بتركيب العدادات فيه مؤخرا فان الوضع الانساني للقطاع كارثي، وبالتالي قد لا يستطيع المواطن دفع ثمن خدمة المياه على رخصها، وبالتالي فإن دراسة خصوصية وضع القطاع مهمة.

ومن المهم وجود معيار في الحكم على العدادات المسبقة الدفع، وليس هناك أصلح من القانون الدولي وقيم الاعلان العالمي لحقوق الإنسان كمعيار، حيث يجب تقييم العدادات بناء على اذا ما كانت تقرب قطاع المياه الفلسطيني او تبعده عن هذا المعيار. والنظر للعدادات مسبقة الدفع من هذا المعيار أمرا جدليا في ظل الوضع القائم وفي غياب الحماية الاجتماعية وانتشار الجهل بالقانون بين المواطنين، وقد يبدو الحكم على الوضع القائم من معيار حقوق الإنسان ليس في صالح العدادات المسبقة الدفع، إلا أن الحكم قبل بحث معمق قد يعتبر قفزا إلى استنتاجات لا يستند لدليل محكم.

بناء على ما سبق فان هناك حاجة ماسة لبحث الكثير من الجوانب بشكل معمق، ثم نقاش هذه الجوانب الكثيرة بشفافية، وكان يفضل حدوث ذلك قبل البدء بتركيب العدادات، ولكن بما ان ذلك لم يحدث فيجب البدأ بهذا البحث في اقرب وقت، ومن المهم مشاركة السلطة وتعاونها بهذا البحث والنقاش بشكل كامل، اخذين الابحاث الموجودة كنقطة انطلاق، ومن المهم ذكره هنا  انه وبحسب علمنا فان كافة الدراسات القليلة حول عدادات المياه مسبقة الدفع في فلسطين خلصت الى الحاجة الى مزيدا من البحث المعمق والمتخصص.   

وقد تباينت اراء المشاركين في الاجتماع حول العدادات مسبقة الدفع، حيث انقسموا الى مؤيد ومعارض واخرون لم يحددوا موقفهم، ولكن كان لدى المعظم قبول لاهمية المزيدا من البحث، ونأمل أن تشكل هذه المقالة بداية لعملية حوار بناء قائم على الثقة المتبادلة واستقصاء شامل يخدم المصلحة المشتركة للسطلة الفلسطينية والمؤسسات في قطاع المياه والمجتمع الفلسطيني عامة، كما نأمل أن تساهم هذه المقالة في تشدين عملية بحث بهدف حل مشكلة مهمة في قطاع المياه، ومع ايماننا الراسخ أنه لا يمكن الوصول لحل مستدام وعادل ومرضي لهذه المشكلة خاصة والمشاكل الجسيمة الاخرى التي يواجهها قطاع المياه الفلسطين وتحد من تنميته قبل انهاء سيطرة الاحتال على مياهنا، ولكننا نؤمن بأن الحوار البناء المستند للدليل العملي هام لتنمية قطاع المياه الفلسطيني.