ملاحظات "الحق" على تقرير لجنة تطوير قطاع العدالة وتعديل قانون السلطة القضائية

رام الله - دنيا الوطن
تتابع مؤسسة الحق بقلق التطورات والمستجدات في قطاع العدالة؛ والتي تمثلت بتداول مشروع قرار بقانون معدل لقانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2002 ومن ثم نشر التقرير الصادر  عن لجنة تطوير قطاع العدالة بتاريخ 28/11/2018 بالتزامن مع المشروع المتداول وتأثيرهما على استقلال القضاء وقطاع العدالة.

ينبغي التركيز على المضامين التي حملها كل من تقرير لجنة تطوير قطاع العدالة الذي بقي طي الكتمان عندما جرى عرضه على السيد الرئيس في أيلول 2018 رغم مطالبة مؤسسات المجتمع المدني بالاطلاع عليه وإبداء الملاحظات قبل عرضه، والمضامين جاء بها مشروع تعديل قانون السلطة القضائية الذي جرى تداوله مؤخراً، ومدى الترابط بينهما في قراءة المشهد لإبداء الموقف، مع الأخذ بالاعتبار النهج القائم في مناقشة وإقرار القرارات بقوانين التي تتم بعيداً عن النقاش المجتمعي من قبيل قرار بقانون الجرائم الإلكترونية وقرار بقانون محكمة الجنايات الكبرى والقرار بقانون المعدل لقانون المحكمة الدستورية العليا ومشروع القرار بقانون المعدل لقانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية وغيرها، وخطورة أن يسير مشروع تعديل قانون السلطة القضائية على نهج تلك القرارات بقوانين، وينشر في الجريدة الرسمية، ويصبح نافذاً، دون إبداء الملاحظات عليه والموقف بشأنه. 

ترى "الحق" بأن تقرير لجنة تطوير قطاع العدالة ومشروع القرار بقانون المتداول بشأن تعديل قانون السلطة القضائية؛ يمنحان السلطة التنفيذية نفوذاً واسعاً وغير دستوري على القضاء وشؤون العدالة، وينطويان على تضارب واضح في المصالح، وانحراف تشريعي، ويؤديان إلى المزيد من التدهور في القضاء ومنظومة العدالة.

تؤكد "الحق" أن الخلل في القضاء ومنظومة العدالة بنيوي بشري، وليس خللاً في القانون، ولم يكن كذلك، وأن قانون السلطة القضائية من أرقى القوانين التي تحمي استقلال القضاء، وأن التدهور المستمر الحاصل في القضاء مردُّه انتهاك مبدأ سيادة القانون، قانون السلطة القضائية، وانتهاك مبدأ الفصل بين السلطات، وتغوّل السلطة التنفيذية وأجهزتها على القضاء وقطاع العدالة وغياب إرادة الإصلاح، وتآزر المجالس القضائية المتعاقبة (الإدارات القضائية) مع السلطة التنفيذية لإضعاف استقلال القضاء والقضاة، ولا أدل على ذلك من أن المجالس القضائية الثلاثة (الإدارات القضائية) التي شُكلت منذ قدوم السلطة الفلسطينية قد جرى تشكيلها خلافاً لقانون السلطة القضائية، وأن رؤساء المحاكم العليا والمجلس القضائي المتعاقبين جرى تعيينهم خلافاً لقانون السلطة القضائية، وأن قضاة في المحكمة العليا جرى إحالتهم للتحقيق على خلفية حرية التعبير عن الرأي لانتقادهم الوضع المتدهور في القضاء خلافاً لقانون السلطة القضائية، وأن رؤساء مجالس قضائية وضعوا استقالة مسبقة بتصرف السلطة التنفيذية قبل ممارسة مهامهم خلافاً لقانون السلطة القضائية، وأن تعيينات وتنقلات جرت في القضاء خلافاً لقانون السلطة القضائية، وأن قرارات تصدر عن القضاء لا يتم تنفيذها من قبل السلطة التنفيذية وأجهزتها خلافاً لقانون السلطة القضائية، والقائمة طويلة. ما يعني أن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم احترام قانون السلطة القضائية ومبدأ سيادة القانون، وليس في قانون السلطة القضائية ذاته، وحيث أن توصيات لجنة تطوير قطاع العدالة كما مشروع تعديل قانون السلطة القضائية يمنحان السلطة التنفيذية نفوذاً واسعاً على القضاء وقطاع العدالة فإن من شأنهما أولاً أن يؤديا إلى تشويه قانون السلطة القضائية بغير حق، وثانياً إلى المزيد من التدهور والنزيف في القضاء ومنظومة العدالة.  

تدعو "الحق" إلى حوار مجتمعي جاد للبحث في السبل الكفيلة بوقف حالة التدهور والنزيف المستمر في القضاء ومنظومة العدالة، وآليات ومتطلبات الإصلاح، واستخلاص الدروس من فشل عمليات الإصلاح طيلة السنوات الماضية. وفيما يلي أبرز الملاحظات على تقرير لجنة تطوير قطاع العدالة وعلى مشروع القرار بقانون المتداول لتعديل قانون السلطة القضائية، للترابط والتزامن القائم بينهما، وصولاً للاستخلاصات على هذا الصعيد.

أولاً: تقرير لجنة تطوير قطاع العدالة

1. رغم أن القرار الرئاسي الصادر بتاريخ 6/9/2017 بتشكيل لجنة تطوير قطاع العدالة قد أناط في المادة الأولى باللجنة إعداد "رؤية شمولية لتطوير قطاع العدالة والقضاء" إلا أن التقرير قد تجاهل الوضع المتدهور للقضاء ومنظومة العدالة في قطاع غزة، والأحكام والقرارات التي صدرت في ظل الإنقسام، وأهمية توحيد القضاء في الضفة والقطاع في مسار عملية الإصلاح وكمقدمة لاستعادة وحدة المؤسسات والنهوض بقطاع العدالة.

2. تجاهل تقرير لجنة تطوير قطاع العدالة المحكمة الدستورية العليا، ولم يشر لها نهائياً في التقرير، رغم أن تشكيل المحكمة الدستورية قد خالف القانون الأساسي وقانون المحكمة الدستورية ورغم الخلل الواضح في استقلالية المحكمة وحيادها وضعف الأداء وغياب تمثيل المرأة في عضويتها، وتجاوزها لأحكام القانون الأساسي وقانونها وما أثارته التفسيرات والأحكام الصادرة عنها من جدل كبير في المجتمع الفلسطيني بدءاً من قرارها الأول الذي فرض نوعاً من الوصاية على المحكمة العليا والقضاء وصولاً إلى قرارها الأخير الذي سمح بمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري على نطاق واسع في مخالفات مؤكدة للقانون الأساسي الفلسطيني والاتفاقيات والمعايير الدولية.  وهذا ما أكدته اللجان الدولية في الأمم المتحدة (لجنة سيدو) التي وجهت انتقادات مباشرة لأداء المحكمة الدستورية الفلسطينية في توصياتها الختامية على التقرير الرسمي الخاص باتفاقية سيداو.

3. أشار التقرير في مقدمته وفي المنهجية إلى أن القرار الرئاسي أتاح للجنة في سبيل القيام بمهامها التشاور مع الخبراء والمختصين ومؤسسات المجتمع المدني لضمان أكبر قدر ممكن من التشاركية، علماً أن اللجنة لم تعقد على مدار عام كامل من ولايتها سوى اجتماع واحد فقط مع مؤسسات المجتمع المدني جرى بتاريخ 15/7/2018. ورغم تأكيد اللجنة خلال الاجتماع المذكور أنها ستعرض مسودة التقرير النهائي على النقاش المجتمعي قبل إحالتها للرئيس، ورغم مطالبة مؤسسات المجتمع المدني مراراً بذلك، ورغم أن قرار تشكيل اللجنة ينص على التشاور مع المجتمع المدني، ورغم أن الإصلاح القضائي حقٌ للمجتمع، إلاّ أن لجنة تطوير قطاع العدالة تجاهلت كل ذلك، وانتهكت مبادئ الشفافية والإفصاح، وأحالت التقرير للرئيس دون التوافق مع المجتمع المدني.

4. أشار التقرير في البند الخاص "بالتقييم القضائي" إلى تشكيل لجنة وطنية لتقييم القضاة وأعضاء النيابة العامة مشكلة من تسعة أعضاء يعينهم الرئيس؛ من ضمنهم رئيس مجلس القضاء الأعلى ونقيب المحامين ووزير العدل والنائب العام إضافة إلى خمس شخصيات وطنية مشهود لها بالكفاءة والتزاهة والحياة. هذا المقترح يستنسخ تجارب فشلت في الماضي، ويتجاهل حق المجتمع في الإصلاح القضائي، ويجعل الإصلاح رهينة بيد السلطة التنفيذية ودون معايير وضمانات، وينيط التقييم بجهات رسمية من قطاع العدالة ينبغي أن تخضع على قدم المساواة للتقييم، الأمر الذي يضعف الثقة باللجنة وقد يزيد من حالة التدهور في القضاء.

5. أشار التقرير في البند الخاص بتخفيض سن تقاعد القضاة لتخفيض سن التقاعد إلى (65) سنة بدل (70) سنة باستثناء رئيس مجلس القضاء الأعلى الحالي. هذا المقترح يؤدي لانحراف تشريعي، لأنه مصممٌ لشخص بعينه، ويؤدي إلى تضارب في المصالح لأن الشخص المستهدف (رئيس مجلس القضاء الأعلى الحالي) عضوٌ في لجنة تطوير قطاع العدالة التي صاغت المقترح، ويخالف خصائص النص القانوني القائمة على العمومية والتجريد.

6. أشار تقرير اللجنة في البند الخاص بالتفتيش القضائي والمساءلة إلى أن رئيس دائرة التفتيش القضائي (المفتش الأول) يُعين وتنتهي خدماته بقرار من الرئيس بناءً على تنسيب من مجلس القضاء الأعلى لمدة أربع سنوات. هذا المقترح يندرج أيضاً ضمن البنود التي تمنح السلطة التنفيذية مزيداً من الهيمنة والنفوذ على القضاء. علماً أن دائرة التفتيش القضائي مشكَّلة في قانون السلطة القضائية بقوة القانون وليس بقرار من السلطة التنفيذية ولا تمنح الرئيس أية صلاحيات بالتعيين أو إنهاء الخدمات. كما أن هذا المقترح يخالف توجهات المجتمع المدني التي تنادي باستقلالية دائرة التفتيش القضائي. وينص المقترح على أن يخضع كل من يشغل وظيفة قضائية للتفتيش القضائي باستثناء رئيس مجلس القضاء الأعلى والنائب العام، وحيث أن كل منهما أعضاء في لجنة تطوير قطاع العدالة التي أعدت التقرير نكون مجدداً أمام تضارب في المصالح. وتزداد خطورة المقترح مع منح مجلس القضاء الأعلى صلاحية التنسيب للرئيس بعزل القاضي أو عضو النيابة العامة بنتيجة التقييم السلبي للتفتيش القضائي وحصر حق التظلم أمام مجلس القضاء الأعلى وإلغاء حق القاضي وعضو النيابة بالطعن على القرار الصادر عن المجلس القضائي أمام القضاء الوارد في قانون السلطة القضائية، وهذا ما يؤدي بالنتيجة إلى تحصين القرار الصادر عن مجلس القضاء الأعلى، وبالتالي إمكانية حصول إجراءات انتقائية تستهدف قضاة وأعضاء نيابة عامة بِعينهم من خلال التفتيش القضائي ومجلس القضاء الأعلى.

7. أشار التقرير في البند الوارد تحت عنوان "ضمان التمثيل النوعي في مجلس القضاء الأعلى (توسيع العضوية)" إلى عدم حصر العضوية في مجلس القضاء الأعلى بأعضاء من داخل السلطة القضائية فقط وإضافة عدد من الشخصيات المجتمعية لعضوية المجلس. ولكنه تراجع بذات الفقرة واقترح إضافة شخصية قانونية مجتمعية واحدة فقط مشهود لها بالكفاءة والنزاهة والحياد من خارج السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية تعيّن بقرار من الرئيس بناءً على تنسيب مجلس القضاء الأعلى لمدة سنتين. واللافت في الأمر، أن الشخصية القانونية المجتمعية الوحيدة في مجلس القضاء الأعلى من خارج  السلطات العامة الثلاث يعينها الرئيس بذات الآلية التي يُعيَّن فيها "القضاة" أي بتنسيب من مجلس القضاء الأعلى، ولا يبدو واضحاً المغزى من إناطة تنسيب تلك الشخصية القانونية المجتمعية للرئيس من قبل مجلس القضاء الأعلى (الإدارة القضائية) والأسس والمعايير التي سيعتمدها المجلس القضائي في تنسيب الشخصية القانونية المجتمعية الوحيدة للرئيس لتعيينها في المجلس.

ثانياً: مشروع قرار بقانون لسنة 2018 بشأن تعديل قانون السلطة القضائية

1. هنالك تقرير مكون من ثلاث صفحات، جرى تداوله إلى جانب مشروع القرار بقانون المعدل لقانون السلطة القضائية، لا يشير التقرير إلى الجهة التي قامت بإعداده، لكن المؤكد من خلال المضمون أنها تملك خبرة واضحة في التعامل مع القرارات بقوانين والخطة والسياسة التشريعية. يشير مطلع التقرير إلى أن مشروع القرار بقانون هو "ترجمة حرفية" لبنود محضر جلسات ورشة العمل التي عقدتها لجنة تطوير قطاع العدالة ببيت لحم في الفترة ما بين 30/8 – 1/9/2018 (أثارت انتقاداً من مؤسسات المجتمع المدني بذلك الوقت) إلى جانب تقرير اللجنة (جرى نشره مؤخراً) والتقرير واضح في منهجية تعامله مع مخرجات اللجنة على المستوى التشريعي، حيث أشار إلى أن توصيات اللجنة تمَّ تفريغها في مشروع القرار بقانون، وجانب من التوصيات لم تدرج في المشروع لأنه يمكن صدور قرار بقانون خاص بشأنها كلجنة تقييم القضاة التي يشكلها الرئيس ويمكن أن تقوم دائرة التفتيش التي يعين الرئيس رئيسها بمهام لجنة التقييم، ويشير التقرير أيضاً أن هناك توصيات مكانها تعديلات على قوانين أخرى وليس قانون السلطة القضائية كقانون الإجراءات الجزائية وقانون أصول المحاكمات المدنية وغيره، وهناك توصيات مكانها أنظمة وهياكل تنظيمية من قبل مجلس القضاء الأعلى ومجلس الوزراء.

2. فيما يخص "الإضافات" التي جرت على توصيات لجنة تطوير قطاع العدالة في مشروع تعديل قانون السلطة القضائية فإن التقرير المرفق بالمشروع يُبررها في الصفحة الثالثة (الأخيرة) بصلاحيات السلطة التنفيذية بإصدار القرارات بقانون على أن تُعرض على مجلس القضاء الأعلى للتشاور وفق المادة (100) من القانون الأساسي، ولذلك ورد في مطلع التقرير بأن مشروع القرار بقانون "ترجمة حرفية" لتوصيات لجنة تطوير قطاع العدالة، وسنتناول أبرز تلك الإضافات خلال إبداء الملاحظات على مشروع تعديل قانون السلطة القضائية.

3. يمنح مشروع القرار بقانون السلطة التنفيذية سيطرة شاملة على القضاء ومنظومة العدالة، حيث تنص المادة (5) من المشروع على أن تعيين رئيس المحكمة العليا وإنهاء خدماته يتم بقرار من الرئيس بتنسيب من مجلس القضاء الأعلى، وأن تعيين نائب رئيس المحكمة العليا يتم بقرار من الرئيس بناء على تنسيب من رئيس المحكمة العليا وموافقة المجلس القضائي. هذا النص يمس باستقلال القضاء، ويخالف القانون الأساسي وقانون السلطة القضائية كونه يسمح للسلطة التنفيذية بعزل القضاة والتدخل في شوؤن العدالة، ويخالف القانون الأساسي وقانون السلطة القضائية في آلية تعيين نائب رئيس مجلس القضاء الأعلى ويساهم في المزيد من إضعاف مجلس القضاء الأعلى كمؤسسة لصالح رئيس المجلس الذي بات يلعب دوراً كبيراً في اختيار نائب الرئيس عبر التنسيب (إجراء جوهري) للرئيس لتعيينه، هذا النص مقتبسٌ عن توصيات لجنة تطوير قطاع العدالة مع تعديل كلمة "توصية" رئيس المجلس الواردة في التقرير بكلمة "تنسيب" رئيس المجلس الواردة في المشروع، في حين أن قانون السلطة القضائية يُنيط التنسيب بمجلس القضاء الأعلى وليس رئيس المجلس.

4. تنص المادة (21) من مشروع القرار بقانون على أن تعيين النائب العام وإنهاء خدماته يتم بقرار من الرئيس بناءً على تنسيب مجلس القضاء الإعلى. هذا النص الذي يمنح السلطة التنفيذية صلاحية إنهاء خدمات النائب العام مخالفٌ أيضاً للقانون الأساسي (مادة 107) التي لا تمنح السلطة التنفيذية أي صلاحية تخولها عزل النائب العام، كما أن النص مخالفٌ لأحكام قانون السلطة القضائية بشأن إجراءات تعيين النائب العام.

5. تنص المادة (8) من المشروع على أنه لا يجوز أن يبقى في وظيفة قاض أو يعين فيها من تجاوز سن (65) سنة باستثناء رئيس المحكمة العليا بما لا يتجاوز سن (70) سنة. ينطوي هذا النص على انحراف تشريعي لأنه مصمم لشخص بعينه هو رئيس مجلس القضاء الأعلى الحالي وهو منقول عن توصيات لجنة قطاع العدالة كما سبق القول، وينطوي على تضارب مصالح لأن رئيس المجلس عضو في اللجنة. وقد أضاف النص على توصية اللجنة بأنه يجوز استثناءً التمديد للقاضي الذي جاوز سن (65) سنة لمدة لا تتجاوز خمس سنوات إذا دعت الحاجة لذلك. ومثل تلك الإضافات، على تقرير لجنة تطوير قطاع العدالة برَّرها التقرير المرفق بمشروع القرار بقانون بأنها تستند إلى صلاحيات السلطة التنفيذية في إصدار القرارات بقانون كما سبق القول. ولأنه لا توجد أسس ومعايير تتعلق بتلك "الاستثناءات" فإن الإحالة للتقاعد يمكن أن تتم يشكل انتقائي وتستهدف قضاة بعينهم.

6. تنص المادة (8) فقرة (3) من المشروع على أنه "يستحق رئيس المحكمة العليا راتباً تقاعدياً محسوباً على أساس (20%) عن كل سنة قضاها في الوظيفة القضائية بما لا يقل عن (50%) ولا يزيد على (80%) من إجمالي آخر راتب تقاضاه". هنا، ينفرد رئيس المحكمة العليا (رئيس مجلس القضاء الأعلى) بامتيازات مالية تقاعدية دوناً عن جميع القضاة. وهنا، يتساوى رئيس المحكمة العليا تماماً مع الوزراء في الامتيازات المالية التقاعدية التي نصت عليها المادة (8) من قانون مكافآت ورواتب أعضاء المجلس التشريعي والحكومة والمحافظين لسنة 2004، وبذلك ينضم رئيس المحكمة العليا إلى الوزراء ونواب المجلس التشريعي والمحافظين وقضاة المحكمة الدستورية العليا ورئيس ديوان الرقابة المالية والإدارية الذين يحصلون على تلك الامتيازات التقاعدية بموجب التشريعات الخاصة بهم. الأمر الذي يُبرز خللاً عمقياً في مفهوم "العدالة الاجتماعية" على المستوى التشريعي.

7. نص المادة (10) من مشروع القرار بقانون يتطابق تماماً مع توصيات تقرير لجنة تطوير قطاع العدالة بشأن إضافة "شخصية قانونية واحدة"مشهود لها بالكفاءة والنزاهة والحياد يتم تعيينها من قبل الرئيس بتنسيب من مجلس القضاء الأعلى لمدة سنتين غير قابلة للتجديد بحيث تكون تلك الشخصية القانونية الوحيدة من خارج السلطات الثلاث القضائية والتنفيذية والتشريعية. لم يجر أي إضافة في هذا النص القانوني على ما ورد في توصيات لجنة تطوير قطاع العدالة، وقد سبق إبداء الملاحظات عليه خلال الملاحظات الواردة على تقرير اللجنة.

8. تنص المادة (11) من الشروع على أن يعين رئيس دائرة التفتيش القضائي (المفتش الأول) وتنتهي مهامه بقرار من الرئيس بتوصية من مجلس القضاء الأعلى لمدة أربعة سنوات غير قابلة للتجديد، ويشترط فيمن يعين رئيساً لدائرة التفتيش القضائي أن يكون من قضاة المحكمة العليا أو ممن تنطبق عليه شروط التعيين في المحكمة العليا وفق المادة (20/1) من قانون السلطة القضائية، وبالرجوع إلى النص المذكور فإنه يمكن تعيين مَن عمل محامياً لمدة لا تقل عن عشر سنوات رئيساً لدائرة التفتيش القضائي مباشرة بقرار من الرئيس بناء على توصية من مجلس القضاء الأعلى. هذا النص مأخوذٌ أيضاً من توصيات لجنة تطوير القضاء، والفارق الوحيد أن تعيين رئيس دائرة التفتيش القضائي وفق مقترح اللجنة يكون بقرار من الرئيس بناءً على تنسيب من مجلس القضاء الأعلى، فيما التعيين الوارد في مشروع القرار بقانون يكون بقرار من الرئيس بتوصية من مجلس القضاء الأعلى وبذات الشروط في الحالتين، وقد سبق إبداء الملاحظات على توصيات تقرير لجنة تطوير قطاع العدالة بهذا الخصوص، الأمر الذي يُبرز مدى هيمنة السلطة التنفيذية على القضاء في تقرير  اللجنة ومشروع القرار بقانون.

9. تنص المادة (12) من المشروع على أن يخضع القضاة وأعضاء النيابة العامة للتفتيش القضائي باستثناء رئيس مجلس القضاء الأعلى والنائب العام. وهو ذات النص الوارد في مقترح لجنة تطوير قطاع العدالة. وقد سبق القول بأنه ينطوي على تضارب مصالح، وينتهك مبدأ المساواة في الرقابة على الأداء ولا مبرر للاستثناءات.

10. تنص المادة (13) من المشروع على صلاحية مجلس القضاء الأعلى في التنسيب للرئيس بعزل القاضي أو عضو النيابة العامة الذي يحصل على تقييم سلبي في التفتيش القضائي وحصر التظلم في تلك الحالة في مجلس القضاء الأعلى، ويكون قرار الرئيس في تلك الحالة قطعياً وغير قابل للطعن أمام القضاء. وهو ذات النص الوارد في مقترحات لجنة تطوير القضاء التي أوصت بمنح مجلس القضاء الأعلى صلاحية التنسيب للرئيس بعزل القاضي أو عضو النيابة العامة بنتيجة التقييم السلبي وحصرت حق التظلم أمام مجلس القضاء الأعلى فقط وألغت حق القاضي وعضو النيابة العامة بالطعن على القرار الصادر عن المجلس أمام القضاء وحصّنت قرار مجلس القضاء الأعلى، ما قد يؤدي إلى حصول إجراءات انتقائية تستهدف قضاة وأعضاء نيابة عامة بعينهم .

11. تنص المادة (16) من المشروع على أن يُشكل مجلس القضاء الأعلى "المجلس التأديبي" الذي يختص بمساءلة القضاة بجميع درجاتهم تأديبياً، على أن يتم تشكيل المجلس التأديبي كل سنتين على أساس الكفاءة مع مراعاة الأقدمية. وهو ذات النص الوارد في مقترحات لجنة تطوير قطاع العدالة. رغم غياب التكوين والأداء المؤسسي لصالح الاجتهاد الفردي الذي يعاني منه مجلس القضاء الأعلى، الذي يشكل إلى جانب أداء قضاة في المحكمة العليا أبرز الإشكاليات المؤسسية والبشرية التي يعاني منها القضاء، وفقاً للعديد من الأوراق التي صدرت عن مؤسسات المجتمع المدني في مجال تشخيص الخلل في الأداء القضائي، إلا أن النص المذكور وما ورد في تقرير لجنة تطوير قطاع العدالة يمنحان مجلس القضاء الأعلى صلاحيات مطلقة لتشكيل المجالس التأديبية التي تختص بمساءلة القضاة بجميع درجاتهم تأديبياً، علماً أن المجلس التأديبي يشكل "بقوة القانون" وليس بقرارات صادرة عن مجلس القضاء الأعلى حسب المادة (48) من قانون السلطة القضائية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تشكيل مجالس تأديبية بشكل انتقائي لاستهداف قضاة بعينهم بما قد يزيد من التدهور الحاصل في القضاء.

12. تنص المواد (6) و (23) من المشروع على منح القضاة علاوة مخاطرة شهرية بقيمة (300) دولار أمريكي وإعفاء وسائل النقل الشخصية لاستعمال القضاة من الرسوم، وزيادة على الراتب الأساسي للقضاة وأعضاء النيابة العامة وفق جدول الوظائف والرواتب والعلاوات والدرجات المرفق بالمشروع والبالغة 50% وفق الآلية التي يقررها مجلس الوزراء لهذه الغاية وتعتبر هذه الزيادة نافذة اعتباراً من صدور نظام مجلس الوزراء. نَقَل مشروع القرار بقانون النصوص المتعلقة بعلاوات المخاطرة والإعفاءات الجمركية ونسبة الزيادات على الرواتب عن التوصيات الصادرة عن لجنة  تطوير قطاع العدالة، وأضاف عليها الفقرة الأخيرة التي ربطت "التنفيذ الفعلي" للزيادات المالية على رواتب القضاة وأعضاء النيابة العامة بالآلية التي يقررها مجلس الوزراء وبنظام يصدر عنه. وبالتالي فإن الامتيازات المالية مرتبطة بالآلية التي تقررها السلطة التنفيذية وتدور وجوداً وعدماً مع وجود النظام المذكور من عدمه. وجرى إضافة درجات للقضاة وأعضاء النيابة العامة لا أساس لها في القانون الأساسي وقانون السلطة القضائية وجداول وظائف ورواتب وعلاوات القضاة وأعضاء النيابة المرفقة به.

ثالثاً: الاستخلاصات والتوصيات

1. إن تقرير لجنة تطوير قطاع العدالة مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً ولا يقبل التجزئة بمشروع القرار بقانون لسنة 2018 المعدل لقانون السلطة القضائية الذي جرى تداوله مؤخراً، وإن فلسفة وجوهر تقرير اللجنة واضحة في مشروع القرار بقانون والتقرير المرفق به، وقد أوضح التقرير المرفق بالمشروع كيفية ترجمة محضر وتقرير لجنة تطوير قطاع العدالة في نصوص مشروع القرار بقانون وفي الخطة والسياسة التشريعية المتبعة على هذا الصعيد.

2. إن تقرير لجنة تطوير قطاع العدالة ومشروع تعديل قانون السلطة القضائية ينتهكان أحكام القانون الأساسي، ويمنحان السلطة التنفيذية سيطرة واسعة على القضاء ومنظومة العدالة، وينطويان في عدد من التوصيات والنصوص القانونية المقترحة على تضارب واضح في المصالح، ومن شأنهما وبخاصة في ظل استمرار حالة التراجع في القضاء ومنظومة العدالة أن يؤديا إلى إجراءات انتقائية قد استهدف قضاة وأعضاء نيابة عامة بعينهم دون أسس ومعايير واضحة ومهنية وموضوعية وبخاصة فيما يتعلق بالتفتيش القضائي والعزل والإحالة إلى التقاعد، كما أن تنفيذ العلاوات والزيادات المالية على رواتب القضاة والنيابة العامة مرهون بالسلطة التنفيذية من خلال آليات وأنظمة يقررها مجلس الوزراء بما يوسع من إحكام السيطرة على منظومة العدالة.

3. تطالب مؤسسة الحق الرئيس بالتوقف عن إصدار القرارات بقوانين لمخالفتها في مجملها أحكام القانون الأساسي والاتفاقيات التي انضمت إليها دولة فلسطين والمعايير الدولية ذات الصلة، وبالعمل على ترميم النظام السياسي والدستوري المتصدع، وإنفاذ الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين بدون تحفظات، وتعزيز حالة الحقوق والحريات، وتمكين المواطنين من ممارسة حقهم الدستوري والقانوني باختيار ممثليهم في انتخابات عامة حرة ونزيهة، بما يؤسس لنظام ديمقراطي يحمي استقلال القضاء وقطاع العدالة.

4. تؤكد "الحق" على أن إصلاح قطاع العدالة هو حقٌ للمجتمع ككل، وينبغي أن يُبنى على أرضية شفافة ومستقلة، بعيداً عن تفرد السلطة التنفيذية والمحاصصة وتضارب المصالح وإعادة إنتاج تجارب ثبت فشلها في السنوات الماضية ولم تحقق أيّ اختراق جدي في مسار إصلاح القضاء وقطاع العدالة، وأن الإصلاح ينبغي أن يكون شاملاً ومتزامناً مع إعادة توحيد القضاء وقطاع العدالة في الضفة الغربية وقطاع غزة كمقدمة لاستعادة وحدة المؤسسات وترميم النظام السياسي والدستوري، وينبغي ألا يتجاهل المحكمة الدستورية العليا التي لعبت دوراً بارزاً في انتهاك القانون الأساسي والحقوق والحريات والاتفاقيات والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. 

5. تؤكد "الحق" على ضرورة استمرار الجهود المجتمعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتعزيزها، وتوحيدها، وصولاً للإصلاح الشامل في القضاء وقطاع العدالة؛ على أرضية احترام سيادة القانون والفصل بين السلطات والاتفاقيات والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، واستخلاص الدروس والعبر من فشل تجارب الماضي في الإصلاح.