موجهاً رسالةً لشهداء مسيرات العودة.. أبو سيف: مستمرون حتى آخر درهم نحصل عليه

موجهاً رسالةً لشهداء مسيرات العودة.. أبو سيف: مستمرون حتى آخر درهم نحصل عليه
الناطق باسم حركة فتح - عاطف أبو سيف
رام الله - دنيا الوطن
وجه الناطق باسم حركة فتح، عاطف أبو سيف، رسالة لشهداء مسيرات العودة بقطاع غزة، في مقال له نشر على صحيفة الأيام المحلية، بعنوان "رسالة إلى الشهداء".

"دنيا الوطن" تنشر نص المقال بالكامل كما جاء على لسان الدكتور أبو سيف:

الشهداء لا يعودون دون أن نعتذر للطاهر وطار، لكنهم أيضاً لا يغيبون، وإذا كان الأمر كذلك فهم وحدهم من يملكون الحق في محاكمة واقعنا، لهم وحدهم الحق في أن يقرروا مدى صدقنا وقربنا من الأحلام التي كانوا عليها، ومضوا في طريق الوصول لها.

لذا علينا أن نخجل لو عادوا، وعلينا أن نصر أنهم لا يعودون. وعلينا أن نواصل عنادنا أنهم غائبون لأن حضورهم يكشف سوء الحال وبشاعة المآل. فقط في الخطب وفي المؤتمرات ومن خلف المايكروفونات نستحضرهم، ونقول إنهم أحياء ونتحف كلامنا بآيات من الذكر الحكيم، وقول السلف الصالح ومآثر الشعراء.

لكننا نتصرف غير ذلك. فلو كانوا معنا لحافظنا على ما تبقى من أحلامهم. لعملنا من أجل أن لا نستفز أرواحهم في مراقدها. لكننا نبرع في دفن كل ذلك، وفي البحث عن أحلامنا لا أحلامهم. أحلامنا التي تنمو تحت أرجلنا وبين أيدنا ولا تتسلق مثل لبلابة جدران المستقبل.

ما أبخس الأثمان حين لا نقع في سوق المبادلة والمقايضة. الحلم عملة نادرة لا تتحقق إلا بإيمان صاحبها بها. لا حلم بلا حالم. ولا حالم بلا حلم يسعى وراءه. أما من يدفنون أحلامهم ويهتفون بها، دون ان يدركوا أنهم يرثوها، فأولئك الذين يحولون الأحلام إلى مقاصد أخرى.

ماذا يمكن أن نقول لهم. ماذا يمكن أن نقول لرزان النجار ولأحمد أبو حسين، وللطفل محمد أيوب الآن بعد أشهر من رحيلهم، وهم يرفعون راية العودة بعد أن بات مطلبنا رغيفاً من الخبز. عزيزتي رزان، عزيزي أحمد عزيزي محمد نحن متأسفون. سامحونا لو قليلاً. لا ترتاحوا في جنتكم.

لكن على الأقل دعونا نكذب على أنفسنا ونقول لكم إننا حققنا ما خرجتم من أجله. كان ذنبكم أنكم صدقتم، أم كان خطؤنا لأننا كذبنا. لا يهم كثيراً، الذي يهم أننا نفعل ما يحلوا لنا. صحيح أننا خرجنا من أجل حق العودة لكن خطر على بالنا أن البقالة على الطريق فيها ما يفتح النفس من خيرات ومن سولار ودولار، وأن نجني منها ما نستطيع أفضل من أن نرهق أنفسنا بالمسير الطويل.

نحن متأسفون لأننا لم نكن على قدر توقعاتكم. كان مسيرنا وسيرنا الهادر للوصول للبيت لا يثير الجلبة في أرواحنا. نسير لأننا نريد أن نسير. وحين يأخذنا الإرهاق ويأكل التعب أجسادنا ويقتات على طاقتنا كنا نستظل بحكايات الشهداء قبلكم عن الرحلة التي لا يجب أن نمل ولا نكل حتى تصل بنا ونصل بها إلى مبتغاها.

لم يكن خلف الأكمة ما خلفها. كنا صادقين وكنتم الأصدق لكن ماذا تفعل بإخوة يوسف. لم يجدوا بئراً ليوقعوا أحلامنا فيها، ولا ذئباً ليلطخوا ثيابنا بوهم وجوده. هكذا بكل صلافة وفجاجة أخذوا الطريق إلى حيث يريدون، سحبوا الدلاء من قعر الأمنيات فارغة لأن الأمنيات المعتقة بالأحلام تكشف زيف وعيهم، وضعف إيمانهم بفلسطين.

هل كنا واهمين؟ من الصعب القول بذلك. كنا صادقين. الصدق دلالة الوجود، لأن الحقيقة لا تكون إلا بوجوده. لكن ثمة من يحاول دائماً سرقة الحقيقة. أو تغير وجهها. هل يمكن تغير وجه الحقيقة؟ أيضاً سؤال بحاجة لمحاضرات في الفلسفة من أجل الإجابة عليه، لأن تغير وجهها ينفي وجودها، ولأن الاشتباك من أجل ذلك يفقدها جوهرها.

إذا لم نكن واهمين. لأن الوهم أيضاً ليس موجوداً إلا في مخيال نصوص الفراغ. كنا صادقين. لكن أيضاً هناك من يصر على أن نعيش في جلباب وهمه عن انتصارات لا تحدث إلا في ميلته وفتوحات مكية لم تقع إلا في خلواته ومعجزات ليست أبعد من آخر درجات المنبر الذي يخطب من فوقه. سامحونا لن نطرق الخزان. ليس أن خزاننا أسمنتي وليس أنه الطرق عليه ليس مجدياً، وليس أن الخروج منه مستحيلاً فالأعداء تكالبوا وتزايدوا ولم يعد من يقول الحقيقة، ولم يعد من ينصف الفتى الفلسطيني من أشرار الحي، بل لأننا لا نريد. نعم لا نريد أن نطرق الخزان. قرار ذاتي. قبلنا بما نحن فيه. يكفينا أن نفاوض أبي قيس الخيزراني على مروحة تخفف عنا الحر داخله، أو أن يمد لنا خرطوماً يأتي وأن أبو قيس الخيزراني فيما يبول على ناصية الطريق يدنن بحنين أغنية عن السعادة بعد أن أمضي عمره يجمع ارواحنا في خزانة.

علينا ان نعتذر من كل الحكاية ومن كل الحكايات التي سمعناها من أجدادنا حول كانون النار فالأمر لم يكن أكثر من دموع زائدة ذرفوها، وهم يستعيدون خروجهم القسرى من التلال والكروم يحملون بقجة الاحلام وزاد الرحلة. كانوا يبالغون وهم يسردون علينا كل تلك الحكايات عن الزمن الجميل الذي تركوه هناك، وعن احلامهم التي تستوطن الروح.

هل فهمنا خطأ ما كانوا يقولون؟ أم أنهم كانوا يبالغون في صوف الماضي وفي استلاب الحنين للمستقبل. أم أن أحلامهم كانت أكبر من قدرتنا على النوم الطويل نستجدي الحلم أن يزورنا، لا نعرف أن الأحلام بحاجة لمن يسافر لها، لمن يبحث عنها، لم يحرسها مثل بيت بحاجة لحصان متروك وحيداً. أم لم يكن ثمة أحلاماً وأننا كنا نسافر في زمن آخر! لا تخبروا الشهداء بكل ذلك. إن سالوكم قولوا لهم إن القوم على دربهم، وان أحلامهم تحرسها سيوف مُشرعة وبنادق مصوبة، أخبروهم أننا نواصل الطريق، ولم يصيبنا وهن.

أخبروهم أن الناس من بعدهم تكاتفوا وتوحدوا ولم يفترقوا، وباتوا على قلب رجل واحد. أخبروهم أن النصر صبر دقيقة وليس ساعة، وإننا قادرون. لا تقول شيئاً عما حدث بعدهم ولا تحاولوا أن تتلصصوا علينا لتعرفوا ما حدث بعدكم.

المسيرات مستمرة حتى آخر درهم يمكن أن نحصل عليه، وحتى تصل الكهرباء كامل النهار. تخيلوا صرنا نزهق من الكهرباء. لا تتخيلوا كم نشركم على المنابر فدماؤكم أضاءت لنا الكهرباء.

التعليقات