التأثيرات الاقتصادية لقانون الضمان الاجتماعي: لماذا يجب مراجعته؟

رام الله - دنيا الوطن
د.بلال الفلاح - باحث اقتصادي
نشرت جريدة الوقائع الرسمية قرار بقانون رقم (16) سنة 2016 بشأن الضمان الاجتماعي. حيث أقر القانون عدد من التأمينات العمالية، لكنه ألزم أطراف العمل (أصحاب العمل والعمال) تطبيق بعضها خلال سنتين من تاريخ نشر القانون وتضم تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة الطبيعية، وتأمين إصابات العمل، وتأمين الأمومة. وأجل تطبيق الأخريات (تأمين المرض، والتأمين الصحي، وتأمين البطالة، وتأمين التعويضات العائلية) إلى أجل غير مسمى وربط إصدارها بموجب أنظمة تصدر عن مجلس الوزراء. وتسري أحكام هذا القانون على العمال المشمولين بأحكام قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لعام 0200. إضافة إلى العاملين الفلسطينيين لدى المنظمات الدولية أو الإقليمية أو البعثات الدبلوماسية أو السياسية العاملة في فلسطين. وبذلك استثنى القرار مجمل العاملين في القطاع الحكومي أو العمال الذين تكون علاقتهم بصاحب العمل غير منتظمة.

 ومؤخرا ومع اقتراب تاريخ سريان هذا القانون، بدأت الأصوات المعارضة له بالظهور بشكل حثيث وسريع بداية من خلال منصات التواصل الاجتماعي حتى وصلت ذروتها إلى التظاهر في عدد من مراكز المدن في الضفة الغربية. وتتركز الاعتراضات في عدد من الجوانب، ومن أهمها شكل الانتفاع من التأمينات، ووقت استحقاقها و نسب الاقتطاع (8.5% لصاحب العمل و 7.5% للعامل) وشروط انتفاع الورثة الشرعيين. هذا إضافة إلى شكوك المعترضين المرتبطة بديمومة السلطة الفلسطينية في ظل انسداد أفق الحلول السياسية وسيطرة الاحتلال الإسرائيلي على مجمل مناحي الحياة. ومع هذه التطورات، احتل النقاش حول قانون الضمان الاجتماعي مساحة واسعة من اهتمام المواطنين، وحصريا في الضفة الغربية بسبب ضعف فرص تطبيقه في قطاع غزة نتيجة للانقسام الفلسطيني.  

ويلاحظ أن النقاش حول مضمون قانون الضمان الاجتماعي قد اقتصر، إلى حد كبير، على مدى عدالة بنوده خصوصا من وجهة نظر العاملين. ولوحظ أيضا غياب أي نقاش جدي حول تأثير تطبيق هذا القانون على الاقتصاد الفلسطيني. يهدف هذا المقال إلى سد جزء من هذه الفجوة، حيث سيركز على تحليل التأثيرات على الاقتصاد الفلسطيني من زاوية تأثير الالتزامات المالية المرتبطة بمكافأة نهاية الخدمة على سوق العمل وموقف العاملين من تطبيق قانون الضمان الاجتماعي بصورته الحالية. سأبين في هذا المقال أن هذه التأثيرات في مجملها سلبية وبناء على هذا الاستنتاج أختم بعدد من التوصيات.

 أصدرت المحكمة الدستورية قبل عدة أيام قرارا تفسيريا بشأن المادة (16) من قانون الضمان الاجتماعي والمتعلق بمستحقات مكافأة نهاية الخدمة. فقد قررت المحكمة أن مقدار هذه المكافأة يساوي راتب شهر عن كل سنة قضاها العامل في خدمة صاحب العمل. واعتبرت المحكمة أن هذا القرار استحقاقا قانونيا مترتب على تطبيق قانون الضمان الاجتماعي. كما ألزمت المحكمة "تحديد طريقة أداء مكافأة نهاية الخدمة ووقته بموجب اتفاق تسوية بين طرفي العمل (العامل وصاحب العمل)، على أن يتم تحديد سقف زمني لاستيفاء كامل مبلغ مكافأة نهاية الخدمة "بحيث يتم الأخذ بعين الاعتبار عدة عوامل من أهمها مدة خدمة العامل وعمره وقدرة صاحب العمل المالية. وقد ترك القرار لوزارة العمل تحديد السقف الزمني الأقصى شريطة "ألا تضر مكافأة نهاية الخدمة والحقوق الأخرى المجدولة أو المقسطة بالقيمة الحقيقية والعادلة لاستحقاقات العامل بما يضمن الأمن الإنساني للعامل ويجسد العدالة الاجتماعية بين أطراف العمل وانعكاسات ذلك على الأمن الاقتصادي."

تكمن أهمية فحص التأثير الاقتصادي لمكافأة نهاية الخدمة في أن شريحة واسعة من أصحاب العمل في القطاع غير الحكومي لا تلتزم ببنود قانون العمل منذ إصداره وعلى رأسها مكافأة نهاية الخدمة. تشير بيانات القوى العاملة، الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام ،2017 أن نسبة هؤلاء العاملين الذين صرحوا بأنهم لا يحصلون على هذه المكافأة تصل إلى حوالي 75% (72% في الضفة الغربية و 79% في قطاع غزة). لا شك أن تسديد هذه المكافأة بحسب قرار المحكمة الدستورية يزيد من تكاليف صاحب العمل كون أنه يحدد الالتزام بتسديد الالتزام المالي لجميع العاملين ضمن فترة زمنية وذلك على العكس من الية قانون العمل والتي تتيح لصاحب التسديد عند انتهاء خدمة العامل. وبالتالي، من المتوقع أن يكون التأثير سلبيا على نشاط المنشأة، ويزداد مقداره بزيادة هذه الحصة من مجمل تكاليف الإنتاج وانخفاض قدرة صاحب العمل على التسديد.

وللتوضيح، لنفترض أن منشأة تشغل خمس عمال منذ خمس سنين وتدفع لكل منهم أجرا شهريا يبلغ 3000 شيكل. بحسب قرار المحكمة الدستورية، يترتب على صاحب العمل الالتزام بتسديد 15,000 شيكل لكل عامل وبمجموع 75,000 شيكل لمجمل لجميع العاملين. و أغلب الظن أن هذا المبلغ، أو ما يقابله بحسب عدد العمال ومقدار أجرهم وفترة خدمتهم ان كانت طويلة نسبيا، سيثقل على كاهل أصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة وخصوصا ذات الإنتاجية/الربحية المنخفضة والتي يعمل معظمها ضمن القطاع غير الرسمي (يضم المنشآت التي لا تلتزم بالقوانين وليس لديها سجلات ضريبية). وعادة لا تأخذ هذه المنشآت بعين الاعتبار، ضمن متطلبات نشاطها الاقتصادي وهيكلية تكاليف الإنتاج، تسديد الالتزامات المترتبة على الامتثال لقانون العمل وأهمها مكافأة نهاية الخدمة. الأمر الذي يضع شكوكا حول قدرتها، أو قدرة بعض منها، على تسديد مستحقات مكافأة نهاية الخدمة لجميع العاملين دون أن يتأثر نشاطها الاقتصادي بشكل سلبي.

ويعتمد مقدار هذا التأثير السلبي على قيمة المكافأة، كما أشرت أعلاه، والسقف الزمني المحدد لتسديدها. ولم تصدر حتى هذه اللحظة أي معلومات عن وزارة العمل توضح نموذج تحديد هذا السقف. وهنا لا بد من التنبيه إلى أن النجاح في تقليل الآثار السلبية المرتبطة بتسديد مكافأة نهاية الخدمة يعتمد على نجاح الوزارة في اختيار السقف الزمني المناسب. ويرتبط ذلك بتوفير المصادر المالية والبشرية اللازمة لإدارة هذه المسألة. إذ يلزم الأمر النظر في أحوال عشرات آلاف المنشآت ضمن إطار زمني محدود. ناهيك أن الحكومة لا تملك بيانات اتصال شاملة عن منشآت القطاع غير الرسمي. كما يجب الانتباه إلى أن عدد من أصحاب المنشآت سيلجأ إلى تقديم بيانات مضللة لرفع السقف الزمني. وقد يكون لهذه الحالة مضاعفات سلبية نتيجة اختلال المنافسة بين المنشآت، فنجاح تلك المنشآت في ذلك سيعطيها ميزة تنافسية غير عادلة مقارنة بالمنشآت الأخرى. وفي كل الأحوال، إن طرح مبدأ السقف الزمني للتعامل مع مكافأة نهاية الخدمة، حتى وان طبق بشكل مثالي، لن يحيّد تأثيرها السلبي بل سيخفف منه. وسيكون مقدار هذا التأثير حاصل مجموع العوائد الاقتصادية (الزيادة في الإنتاج والتشغيل) المترتبة على استثمار صاحب العمل لمقدار مكافأة نهاية الخدمة بدل دفعها للعمال.

وفي ذات السياق، يجب الوقوف عند مدى قدرة وزارة العمل على إلزام أطراف العمل بتطبيق قانون الضمان الاجتماعي، خصوصا في ظل غياب المعلومات المتعلقة بلوائح التنفيذ. لكن ربما يمكن الحكم، بصورة أولوية، من خلال تقييم التجارب المشابهة وأشهرها قانون الحد الأدنى للأجور والذي تم إقرار تطبيقه بداية عام 2013. فلم تستطع وزارة العمل لم تستطع إلزام أصحاب العمل بتطبيقه على نحو واسع نتيجة عدم كفاية المصادر البشرية والمالية وغياب خطط جدية لتطبيقه. إن أي قصور في تطبيق قانون الضمان الاجتماعي بشكل شمولي سيؤدي إلى خلق اختلال تنافسي بين المنشآت الملتزمة وغير الملتزمة.

وأما بخصوص التأثير الاقتصادي لموقف العمال من قانون الضمان الاجتماعي، فيعتمد على رضاهم عنه (أي مدى رضا العامل عن اقتطاع جزء من راتبه مقابل الانتفاع به بعد عمر الستين ضمن ما جاء في بنود القانون). ويمكن الاستدلال من طبيعة التفاعل عبر منصات التواصل الاجتماعي والتظاهرات المناهضة لهذا القانون بصورته الحالية على عدم رضا شريحة واسعة من العاملين. واعتمادا على نظريات اقتصاد العمل، قد يلجأ بعض هؤلاء للبحث عن عمل في منشآت القطاع غير الرسمي لتفادي دفع الاقتطاعات المالية إن أصر صاحب العمل على تطبيق قانون الضمان الاجتماعي، خاصة و أن فروق الأجور بين القطاع الرسمي وغير الرسمي للقطاع الخاص، تكاد تكون معدومة بحسب البيانات الإحصائية للقوى العاملة. وبالتالي فان تطبيق قانون الضمان الاجتماعي على منشآت القطاع الرسمي سيخفض من أجر العامل مقارنة بالأجور في القطاع غير الرسمي. وهناك عامل آخر سيزيد من وتيرة هذا الانتقال وهو تأثير اقتطاعات أصحاب العمل على أجور العمال. فمن مبدأ تعظيم الأرباح (تقليل التكاليف) قد يلجأ بعض أصحاب العمل إلى تخفيض الأجور أو منع الزيادة فيها كوسيلة لتقليل التكاليف المرتبطة باقتطاعاتهم المالية. سيزيد هذا حتما من سخط العمال على قانون الضمان الاجتماعي.

وبشكل عام، سيكون لتوسع القطاع غير الرسمي عواقب سلبية على الاقتصاد الفلسطيني وذلك بحسب النظريات التي استقرت عليها الأدبيات الاقتصادية. وتتضمن هذه التأثيرات انخفاض العوائد الضريبية بسبب ازدياد عدد المنشآت المتهربة من دفع الضرائب وضعف قدرة الحكومة في توفير الخدمات العامة. كما سيؤثر التوسع في القطاع غير الرسمي سلبيا على مستوى الإنتاجية للاقتصاد بشكل عام وقدرته على النمو. هذا إضافة إلى ازدياد التكاليف الاجتماعية المتعلقة بشروط العمل من الجانب الصحي والبيئي والتي عادة ما تكون سيئة في القطاع غير الرسمي لغياب الرقابة الحكومية. وعلى قدر آخر من الأهمية، فان اقتصار تطبيق قانون الضمان الاجتماعي على القطاع الرسمي، لن يحقق إلى حد كبير، أهداف الحكومة الاجتماعية المعلنة في تطبيق الحد الأدنى للأجور من خلال هذا القانون، لأن معظم العمال الذين يتقاضون أجرا دون الحد الأدنى يعملون في المنشآت غير الرسمية.

وبنا على ما سبق، فان تطبيق قانون الضمان الاجتماعي بشكل إلزامي على جميع أطراف العمل الخاضعين له، كما صرحت به الحكومة، يواجه تحديات كبيرة ذات انعكاسات اقتصادية سلبية. ويمكن اختصار هذه التحديات في الإشكالات المتعلقة بتسديد الالتزامات المالية الخاصة بمكافأة نهاية الخدمة، واعتراض شريحة واسعة من العمال على تطبيقه بصورته الحالية، وصعوبة التطبيق الشامل له قياسا بالتجارب السابقة. وهنا أعتقد أنه يجب مراجعة قانون الضمان الاجتماعي بما يحقق إجماعا شعبيا حوله. كما يجب معالجة مسألة مكافأة نهاية الخدمة بحذر وأن يتم تقسيط الاستحقاقات المالية خاصة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة غير الرسمية ضمن سقف زمني يمتد لفترات مطولة قد تصل إلى بضع سنين مع ضمان حقوق العمال في استرداد مستحقاتهم المالية بشكل يقيني. وفي هذا الإطار، من الأفضل أن يكون تطبيق قانون الضمان الاجتماعي ضمن مرحلتين: الأولى اختيارية وتغطي الفترة اللازمة لمراجعة قانون الضمان الاجتماعي وتأمين المصادر البشرية والمالية الخاصة بتطبيقه وإدارة مسألة مكافأة نهاية الخدمة. ومع انتهاء المرحلة الأولى بنجاح، يتم الانتقال إلى الثانية والتي تقضي بإلزام جميع أطراف العمل بتطبيقه. أن طبقت هذه التوصيات، ربما ستخفف من الآثار الاقتصادية السلبية لتطبيق هذا القانون ضمن الواقع الفلسطيني.