اللواء المصري: لا أؤيد تطبيق قرارات المركزي هذا العام
رام الله - دنيا الوطن
تشهد الظروف الحالية تعقيداً في المشهد الفلسطيني، وخصوصاً بعد التصعيد غير المسبوق في العلاقات الفلسطينية من جهة، وكل من الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، اللتين تكشفان يوماً بعد يوم ملامح التسوية النهائية مع الشعب الفلسطيني، وهي تسوية تقوم على فكرة تبرئة الاحتلال من جرائمه وتخليصه من أية تبعات أخلاقية أو سياسية أو حتى مالية، وفي هذا اللقاء مع اللواء الدكتور محمد المصري، نحاول استكشاف ملامح المرحلة القادمة، ذلك أن اللواء المصري، قادر على أن يبين رؤية ومصالح وأهداف السلطة الوطنية، ليس فقط من خلال أدواره التي شغلها، ولكن بسبب نشاطه السياسي والعلمي الثري والمتواصل حتى اللحظة، وعلاقاته الإيجابية مع الجميع.
راهن الكثير على أن الرئيس محمود عباس، سيعبّر عن مواقف لينة ورخوة في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فما رأيك؟
المصري: خطاب الرئيس عباس في الأمم المتحدة كان خطاباً تاريخياً بكل معنى الكلمة، فقد استطاع أن يقول "لا" كبيرة وواضحة للسياسة الأمريكية رغم كل الضغوط ورغم كل الإغراءات، الرئيس عباس لم يرفض فقط صفقة القرن، ولكنه أيضاً غيّر اتجاه الإقليم كله، منع الانهيار ومنع الهرولة ومنع التطبيع ومنع حالة الهلع والرعب من الجرافة الأمريكية، كان الخطاب قوياً وحاسماً ووضع سقفاً لا يمكن التنازل عنه للأجيال القادمة، ولهذا، فإن كل المشككين أو الرافضين أو المعارضين لا ولن يستطيعوا تجاوز ما جاء في هذا الخطاب، تضمّن كل ما يمكن قوله في هذه المرحلة، بقواها وموازينها واعتباراتها، لا يمكن أن نطلب من الرئيس الانتحار أو الشهادة في هذه الظروف، نريد من الرئيس أن يعبّر عن واقعنا دون زيادة أو نقصان.
الرئيس محمود عباس قال إنه ملتزم بقرارات منظمة التحرير الفلسطينية، بما في ذلك قرارات المجلس المركزي، هل تعتقد أن الرئيس يأخذ بعين الاعتبار هذا الواقع وهذا الظرف الذي أشرت إليه؟
المصري: برأيي أن الواقع السياسي والأمني الآن، عندنا وفي العالم العربي، لا يستدعي منا اتخاذ قرارات دراماتيكية أو عاطفية أو تحت الضغط الشعبي أو الفصائلي، المطلوب منا أن نبقى وأن نصمد، لا أن ننتحر، ولهذا، فإنني لست مع الذين يقولون بأن نقوم بتطبيق فوري لقرارات المجلس المركزي، تطبيق القرارات يحتاج إلى ظروف واستعدادات وأدوات، ويحتاج إلى معرفة كافية بالثمن المربط فيها، أري أن نتروى كثيراً، والرئيس محمود عباس خير قائد يستطيع أن يعرف اتجاهات الريح وأحوال العالم والإقليم، علينا أن لا نتسرع وأن نقرأ جيداً موازين القوى، وبصريح العبارة، أنا لا أؤيد تطبيق قرارات المركزي هذا العام على الأقل.
الآن، وبعد أن ألقى الريس محمود عباس خطابه في الأمم المتحدة، والمصالحة بعيدة إلى حدٍ كبير، وليس هناك تهدئة بالمعنى الذي كان مطروحاً قبل عدة أسابيع، فهل نحن أمام طريق مسدود بكل المفاهيم؟!
المصري: كما قلتم، فنحن جميعاً نواجه طريقاً مسدوداً إلى حدٍ كبير، ولكن ليس في السياسة جموداً أو توقف عن الفعل، فالمحتل الإسرائيلي لن يتوقف جشعه وطموحه في تحقيق التسوية كما يريد، بمعنى أنه سيحافظ على الوضع الراهن في قطاع غزة، فالتهدئة هناك متحققة وبدون ثمن إلى حدٍ كبير، أما في الضفة الفلسطينية المحتلة فإن من الممكن أن نتوقع قيام الاحتلال الإسرائيلي بسوية من طرف واحد.
ماذا تقصد بذلك؟!
المصري: أقصد أنه من الممكن أن تقوم إسرائيل بفرض هذه التسوية، مستغلة الانحياز الكامل من الإدارة الأمريكية الحالية، وكذلك التردد والاضطراب والضعف العربي، وكذلك قلّة الخيارات أمام الفلسطينيين بسبب الانقسام وبسبب عدم استقرار الإقليم كله، وهذا يعني أن تقوم إسرائيل بانسحابات محددة ومدروسة من مناطق (B)، وتسمح ببعض التسهيلات الاقتصادية والإدارية، وربما الأمنية، ثم تعلن أنها قدمت للفلسطينيين دولة ما، لنقل أنها دولة ذات حدود مؤقتة، ومن الطبيعي والمنطقي ألا ترفض القيادة الفلسطينية تسلم هذه الأراضي التي ينسحب منها الاحتلال، وبالرغم من رفضها التوقيع إلا أنها تتعامل مع هكذا واقع.
أنت تقصد أن إسرائيل قد تقوم بهذه الخطوة بالاتفاق أو بدون اتفاق مع القيادة الفلسطينية؟!
المصري: بالضبط، إسرائيل لن تنتظر أحداً من أجل تقديم الحل أو فرضه، ولن تنتظر حتى ضغوطاً ما، حتى من الحليفة الكبرى أمريكا، برأيي، أن إسرائيل ستقوم بهذه الخطوة استكمالاً للقرارات الأمريكية غير المسبوقة بحق الفلسطينيين، إذ بالنسبة لإسرائيل، سيكون الأمر سهلاً في تقديم دولة بحدود مؤقتة للفلسطينيين حتى بدون اتفاق، وخاصة أن أمريكا أزاحت قضية القدس واللاجئين عن الطاولة دون الاتفاق مع أحد، نحن دخلنا عصر فرض الحلول وليس المشاركة في حلها.
ما تقوله خطير، إذا كان الأمر كذلك، فما هو دور السلطة الوطنية؟! أو ما المطلوب من السلطة الوطنية أن تفعل؟! كيف تستعد؟! كيف ستواجه ذلك؟!
المصري: بالطبع، فإن السلطة الوطنية لن ترفض أن تمدد ولايتها على أراضٍ جديدة، ولن ترفض أن تكون لديها صلاحيات جديدة، وبرأيي، فإن ذلك لا يجب أن يكون ضمن اتفاق مع إسرائيل، حتى لا يتحول إلى اتفاق دائم، ولأننا تعودنا على حماقات إسرائيل ونظرها القصير، فإن فرض تسوية على الفلسطينيين لن يأتي لا بسلام ولا بأمن، وهذا هو قطاع غزة أمامنا، انسحبت إسرائيل منه دون اتفاق مع أحد، بل كان اتفاقاً بين أطراف اليمين الإسرائيلي، والنتيجة أن إسرائيل لم تتخلص من قطاع غزة كما كانت تعتقد، ولم تقنع العالم بأنها صنعت سلاماً مع أحد، ولهذا، فإنني أعتقد أن إسرائيل قد تُقدم على انسحاب من طرف واحد، ولكنني أعتقد أيضاً أن هذه الخطوة هي وصفة لعدم الاستقرار.
ولكن، هناك من يقول إن حل الدولة الفلسطينية بحدود مؤقتة ينقذ إسرائيل من مبدأ الدولة الواحدة، وينقذها من فكرة الترانسفير المرفوضة عالمياً، وتنقذها من أن تصبح دولة عنصرية، إلى آخر تلك الاطروحات، فما رأيك؟!
المصري: أولاً، فإن الترانسفير لم يعد – برأيي – خياراً إسرائيلياً مطروحاً على الطاولة، فإسرائيل لن ترغب إطلاقاً ولن تعمل على خلق دولة مستقرة على حدودها الشرقية، كما أن الفلسطينيين هنا هم درع واقي لها وأيدي عاملة رخيصة أيضاً، هذا فضلاً عن حالة الوعي الفلسطيني الذي جعل الترانسفير وراء ظهره، وقد رأى من ويلات الهجرة والتهجير الكثير جداً، هذا أولاً، أما ثانياً، فإن الدولة بحدود مؤقتة قد ينقذ إسرائيل مؤقتاً، ولكنه لن ينقذها إطلاقاً، السلام مع الفلسطينيين يجب أن يتضمن الثمن كله والاستحقاق كله، ثم إن اليمين الإسرائيلي لم ولن يتراجع في السنوات العشر القادمة، ولهذا فإن الدولة بحدود مؤقتة يعني إعادة صياغة الاحتلال بشكل يجعله أبدياً، ويتم من خلاله سرقة الثروات الفلسطينية ومصادرة أحلام الفلسطينيين بالدولة والسيادة، الدولة بحدود مؤقتة تعني احتلالاً آخر، وتعني أن نقول للعالم أن من الممكن التعايش مع الاحتلال، الدولة بحدود مؤقتة تعني تطبيعاً سياسياً ووجدانياً مع الاحتلال، لهذا، أقول إن علينا الاستعداد لهكذا سياسة ولهكذا خطوة، وهنا أشدد على القول بأن الذين يبحثون اليوم عن حلول خاصة بغزة بعيداً عن السلطة الوطنية هم يكرّسون الحلول المؤقتة، أو وهمهم بأن هكذا حلول تكرّس أو تجلب لهم الشرعية.
هل يمكن لنا إحباط هذه السياسة؟!
المصري: يمكن من خلال تعميق حالة الاشتباك الشعبي السلمي مع المحتل، وعندما نقول ذلك فإننا لا نستطيع حصر الخيارات السلمية القادرة على تحويل الاحتلال إلى احتلال مكلف جداً، هذا أولاً، أما ثانياً، فإن ترتيب البيت الفلسطيني ضرورة نضالية من الدرجة الأولى، وثالثاً، فإن اتجاه السلطة الوطنية نحو تدويل الصراع والبحث عن حلفاء جدد وتغيير المرجعيات الثنائية، كل ذلك سيجعل من هذه السياسة فاشلة أو لا تحقق أهدافها.
وماذا عن المصالحة، هل هناك ما يمكن أن تُضيفه في هذا الصدد؟!
المصري: قلت وأقول، إن المصالحة الفلسطينية لم تعد فلسطينية خالصة، هناك أجندات وحلفاء ومصالح تجعل من المصالحة صعبة جداً، على الأقل في المدى المنظور، أكثر من ذلك، لم تعد المصالحة مربحة أو ضرورية لكثير من الأطراف، بل يمكنني القول إن ترسيخ الانفصال أصبح مصلحة لبعض الأطراف أيضاً، ولا أقصد هنا الأطراف الإقليمية والدولية، بل أقصد حركة حماس التي تعتقد أن "التمكين" في قطاع غزة هو رسالة سماوية يجب حملها وتحقيقها، فإذا أضفت إلى ذلك أن الإقليم منقسم على ذاته، فإن الانقسام الفلسطيني سيكون عنواناً ومدخلاً وتبريراً لكل ما يجري في المنطقة، يجب أن نعلم أننا أول من انقسمنا في الإقليم، لقد انقسمنا قبل جنوب السودان وشمال العراق وجنوب المغرب، كنا – ربما – التجربة التي نجحت ثم تم تعميمها على العالم العربي، ودعني أؤكد هنا – لأهلنا في قطاع غزة – بأن الرئيس أبو مازن يعتبر المصالحة أهم، بل من الأولوية التي تسبق التهدئة مع إسرائيل، وهي ضرورية، أي المصالحة، حيث هي درعنا الذي يمكن من خلاله التصدي لصفقة القرن.
برأيك، كيف يبدو العالم العربي الآن؟!
المصري: كثير من الأنظمة العربية تستورد الشرعية والتمويل والحماية من خارج الإقليم، وبالتالي أعتقد أن التأثير العربي علينا كفلسطينيين ضعيف جداً، كما أن التأثير العربي في السياسات العالمية قليل جداً، وهو ما دفع بالرئيس الأمريكي ترامب إلى توجيه تهديدات لأطراف عربية علناً، وهو ما لم يكن من قبل، إن فراغ العالم العربي وتحوله إلى ساحة تنافس عالمي سيجعل من الفلسطينيين في حلٍ من التأثير أو الضغط أو الاستلاب، وبالمناسبة، فإن العالم العربي خرج من مرحلة الاعتدال كما سُميّت، إلى مرحلة الاستسلام الكامل، وهو وضع خطير جداً، سيسمح بظهور قوى شعبية أخرى، وهذا ما أتوقعه، أي أننا سنشهد في السنوات القادمة ظهور قوى حزبية، شعبية، ميليشاوية، وجماعات عرقية، وبقايا أنظمة، وجيوش متآكلة، وهو سيناريو يعني أن منطقتنا ستشهد توترات ومشاحنات وحروب صغيرة، هنا وهناك.
وقضيتنا الفلسطينية؟!
المصري: لا أعتقد أننا سنشهد حلولاً سريعة على صعيد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل عل العكس، أعتقد أن اليمين الإسرائيلي وأجنحته وأذرعه، سيحاول أن يُهندس التسوية كما يحلمون، وهي وصفة للتوتر والمواجهة، للأسف السنوات القليلة القادمة ليست سنوات تسوية، بل سنوات قد تكون سنوات باتجاه الحسم ذاته، وبالتالي وحدتنا الفلسطينية وتمسكنا بالثوابت وتعزيز صمود المواطن بالأرض، سيقلل من الخسائر.
أخيراً، ما تفسيرك لهذه الهجمة الأمريكية غير المسبوقة على العرب والمسلمين؟!
المصري: لم يهجم الرجل علينا فقط، لقد هجم على العالم كله، على حلفائه، وجيرانه، وعلى العرب والمسلمين، وعلى الفلسطينيين، وعلى القانون الدولي وعلى الصحافة، وعلى المرأة وعلى السود، وعلى معاهدات البيئة والتجارة وبرتوكولات فينا، وانسحب من مجلس حقوق الإنسان ومن (يونسكو)، وهدد كل شيء، حتى الموظفين الذين عملوا تحت إمرته، فمن هذا الرجل الذي يحكم أكبر وأقوى امبراطورية في العالم؟! برأيي أن زعيماً كهذا، إنما يتجه نحو هاوية أفعاله، ويكفي أن هناك أطرافاً في الدولة الأمريكية، قوية ونافذة، تقدمت بشكل رسمي لفحص أهليته العقلية، ماذا يمكنني أن أقول أكثر؟! عندما يكون الزعيم يحب الشهرة والظهور والشعبوية أكثر من أي شيء آخر، عندئذ يحصل على زعماء من هذا النوع، ويجب القول هنا أن أمثال هؤلاء نعرفهم ونتوقع تصرفاتهم، ونتوقع مآلاتهم أيضاً، إن سياسة الرئيس ترامب وإدارته الحالية يشكّلون خطراً على منظمة الأمم المتحدة والسلم الدولي الذي تلا الحرب العالمية الثانية، نحن أمام إدارة أمريكية متوحّشة تريد كل شيء، حتى لو أدى ذلك لإنهاء النظام العالمي، أختم القول، لا يوجد ما يخسره الفلسطيني، وسيبقى موقفنا متمسّكاً بالحقوق، وموقف الرئيس أبو مازن خير دليل.
تشهد الظروف الحالية تعقيداً في المشهد الفلسطيني، وخصوصاً بعد التصعيد غير المسبوق في العلاقات الفلسطينية من جهة، وكل من الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، اللتين تكشفان يوماً بعد يوم ملامح التسوية النهائية مع الشعب الفلسطيني، وهي تسوية تقوم على فكرة تبرئة الاحتلال من جرائمه وتخليصه من أية تبعات أخلاقية أو سياسية أو حتى مالية، وفي هذا اللقاء مع اللواء الدكتور محمد المصري، نحاول استكشاف ملامح المرحلة القادمة، ذلك أن اللواء المصري، قادر على أن يبين رؤية ومصالح وأهداف السلطة الوطنية، ليس فقط من خلال أدواره التي شغلها، ولكن بسبب نشاطه السياسي والعلمي الثري والمتواصل حتى اللحظة، وعلاقاته الإيجابية مع الجميع.
والتالي نص المقابلة كاملاً مع اللواء محمد المصري مدير المركز الفلسطيني للبحوث والدراسات الاستراتيجية (PCRSS)..
راهن الكثير على أن الرئيس محمود عباس، سيعبّر عن مواقف لينة ورخوة في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فما رأيك؟
المصري: خطاب الرئيس عباس في الأمم المتحدة كان خطاباً تاريخياً بكل معنى الكلمة، فقد استطاع أن يقول "لا" كبيرة وواضحة للسياسة الأمريكية رغم كل الضغوط ورغم كل الإغراءات، الرئيس عباس لم يرفض فقط صفقة القرن، ولكنه أيضاً غيّر اتجاه الإقليم كله، منع الانهيار ومنع الهرولة ومنع التطبيع ومنع حالة الهلع والرعب من الجرافة الأمريكية، كان الخطاب قوياً وحاسماً ووضع سقفاً لا يمكن التنازل عنه للأجيال القادمة، ولهذا، فإن كل المشككين أو الرافضين أو المعارضين لا ولن يستطيعوا تجاوز ما جاء في هذا الخطاب، تضمّن كل ما يمكن قوله في هذه المرحلة، بقواها وموازينها واعتباراتها، لا يمكن أن نطلب من الرئيس الانتحار أو الشهادة في هذه الظروف، نريد من الرئيس أن يعبّر عن واقعنا دون زيادة أو نقصان.
الرئيس محمود عباس قال إنه ملتزم بقرارات منظمة التحرير الفلسطينية، بما في ذلك قرارات المجلس المركزي، هل تعتقد أن الرئيس يأخذ بعين الاعتبار هذا الواقع وهذا الظرف الذي أشرت إليه؟
المصري: برأيي أن الواقع السياسي والأمني الآن، عندنا وفي العالم العربي، لا يستدعي منا اتخاذ قرارات دراماتيكية أو عاطفية أو تحت الضغط الشعبي أو الفصائلي، المطلوب منا أن نبقى وأن نصمد، لا أن ننتحر، ولهذا، فإنني لست مع الذين يقولون بأن نقوم بتطبيق فوري لقرارات المجلس المركزي، تطبيق القرارات يحتاج إلى ظروف واستعدادات وأدوات، ويحتاج إلى معرفة كافية بالثمن المربط فيها، أري أن نتروى كثيراً، والرئيس محمود عباس خير قائد يستطيع أن يعرف اتجاهات الريح وأحوال العالم والإقليم، علينا أن لا نتسرع وأن نقرأ جيداً موازين القوى، وبصريح العبارة، أنا لا أؤيد تطبيق قرارات المركزي هذا العام على الأقل.
الآن، وبعد أن ألقى الريس محمود عباس خطابه في الأمم المتحدة، والمصالحة بعيدة إلى حدٍ كبير، وليس هناك تهدئة بالمعنى الذي كان مطروحاً قبل عدة أسابيع، فهل نحن أمام طريق مسدود بكل المفاهيم؟!
المصري: كما قلتم، فنحن جميعاً نواجه طريقاً مسدوداً إلى حدٍ كبير، ولكن ليس في السياسة جموداً أو توقف عن الفعل، فالمحتل الإسرائيلي لن يتوقف جشعه وطموحه في تحقيق التسوية كما يريد، بمعنى أنه سيحافظ على الوضع الراهن في قطاع غزة، فالتهدئة هناك متحققة وبدون ثمن إلى حدٍ كبير، أما في الضفة الفلسطينية المحتلة فإن من الممكن أن نتوقع قيام الاحتلال الإسرائيلي بسوية من طرف واحد.
ماذا تقصد بذلك؟!
المصري: أقصد أنه من الممكن أن تقوم إسرائيل بفرض هذه التسوية، مستغلة الانحياز الكامل من الإدارة الأمريكية الحالية، وكذلك التردد والاضطراب والضعف العربي، وكذلك قلّة الخيارات أمام الفلسطينيين بسبب الانقسام وبسبب عدم استقرار الإقليم كله، وهذا يعني أن تقوم إسرائيل بانسحابات محددة ومدروسة من مناطق (B)، وتسمح ببعض التسهيلات الاقتصادية والإدارية، وربما الأمنية، ثم تعلن أنها قدمت للفلسطينيين دولة ما، لنقل أنها دولة ذات حدود مؤقتة، ومن الطبيعي والمنطقي ألا ترفض القيادة الفلسطينية تسلم هذه الأراضي التي ينسحب منها الاحتلال، وبالرغم من رفضها التوقيع إلا أنها تتعامل مع هكذا واقع.
أنت تقصد أن إسرائيل قد تقوم بهذه الخطوة بالاتفاق أو بدون اتفاق مع القيادة الفلسطينية؟!
المصري: بالضبط، إسرائيل لن تنتظر أحداً من أجل تقديم الحل أو فرضه، ولن تنتظر حتى ضغوطاً ما، حتى من الحليفة الكبرى أمريكا، برأيي، أن إسرائيل ستقوم بهذه الخطوة استكمالاً للقرارات الأمريكية غير المسبوقة بحق الفلسطينيين، إذ بالنسبة لإسرائيل، سيكون الأمر سهلاً في تقديم دولة بحدود مؤقتة للفلسطينيين حتى بدون اتفاق، وخاصة أن أمريكا أزاحت قضية القدس واللاجئين عن الطاولة دون الاتفاق مع أحد، نحن دخلنا عصر فرض الحلول وليس المشاركة في حلها.
ما تقوله خطير، إذا كان الأمر كذلك، فما هو دور السلطة الوطنية؟! أو ما المطلوب من السلطة الوطنية أن تفعل؟! كيف تستعد؟! كيف ستواجه ذلك؟!
المصري: بالطبع، فإن السلطة الوطنية لن ترفض أن تمدد ولايتها على أراضٍ جديدة، ولن ترفض أن تكون لديها صلاحيات جديدة، وبرأيي، فإن ذلك لا يجب أن يكون ضمن اتفاق مع إسرائيل، حتى لا يتحول إلى اتفاق دائم، ولأننا تعودنا على حماقات إسرائيل ونظرها القصير، فإن فرض تسوية على الفلسطينيين لن يأتي لا بسلام ولا بأمن، وهذا هو قطاع غزة أمامنا، انسحبت إسرائيل منه دون اتفاق مع أحد، بل كان اتفاقاً بين أطراف اليمين الإسرائيلي، والنتيجة أن إسرائيل لم تتخلص من قطاع غزة كما كانت تعتقد، ولم تقنع العالم بأنها صنعت سلاماً مع أحد، ولهذا، فإنني أعتقد أن إسرائيل قد تُقدم على انسحاب من طرف واحد، ولكنني أعتقد أيضاً أن هذه الخطوة هي وصفة لعدم الاستقرار.
ولكن، هناك من يقول إن حل الدولة الفلسطينية بحدود مؤقتة ينقذ إسرائيل من مبدأ الدولة الواحدة، وينقذها من فكرة الترانسفير المرفوضة عالمياً، وتنقذها من أن تصبح دولة عنصرية، إلى آخر تلك الاطروحات، فما رأيك؟!
المصري: أولاً، فإن الترانسفير لم يعد – برأيي – خياراً إسرائيلياً مطروحاً على الطاولة، فإسرائيل لن ترغب إطلاقاً ولن تعمل على خلق دولة مستقرة على حدودها الشرقية، كما أن الفلسطينيين هنا هم درع واقي لها وأيدي عاملة رخيصة أيضاً، هذا فضلاً عن حالة الوعي الفلسطيني الذي جعل الترانسفير وراء ظهره، وقد رأى من ويلات الهجرة والتهجير الكثير جداً، هذا أولاً، أما ثانياً، فإن الدولة بحدود مؤقتة قد ينقذ إسرائيل مؤقتاً، ولكنه لن ينقذها إطلاقاً، السلام مع الفلسطينيين يجب أن يتضمن الثمن كله والاستحقاق كله، ثم إن اليمين الإسرائيلي لم ولن يتراجع في السنوات العشر القادمة، ولهذا فإن الدولة بحدود مؤقتة يعني إعادة صياغة الاحتلال بشكل يجعله أبدياً، ويتم من خلاله سرقة الثروات الفلسطينية ومصادرة أحلام الفلسطينيين بالدولة والسيادة، الدولة بحدود مؤقتة تعني احتلالاً آخر، وتعني أن نقول للعالم أن من الممكن التعايش مع الاحتلال، الدولة بحدود مؤقتة تعني تطبيعاً سياسياً ووجدانياً مع الاحتلال، لهذا، أقول إن علينا الاستعداد لهكذا سياسة ولهكذا خطوة، وهنا أشدد على القول بأن الذين يبحثون اليوم عن حلول خاصة بغزة بعيداً عن السلطة الوطنية هم يكرّسون الحلول المؤقتة، أو وهمهم بأن هكذا حلول تكرّس أو تجلب لهم الشرعية.
هل يمكن لنا إحباط هذه السياسة؟!
المصري: يمكن من خلال تعميق حالة الاشتباك الشعبي السلمي مع المحتل، وعندما نقول ذلك فإننا لا نستطيع حصر الخيارات السلمية القادرة على تحويل الاحتلال إلى احتلال مكلف جداً، هذا أولاً، أما ثانياً، فإن ترتيب البيت الفلسطيني ضرورة نضالية من الدرجة الأولى، وثالثاً، فإن اتجاه السلطة الوطنية نحو تدويل الصراع والبحث عن حلفاء جدد وتغيير المرجعيات الثنائية، كل ذلك سيجعل من هذه السياسة فاشلة أو لا تحقق أهدافها.
وماذا عن المصالحة، هل هناك ما يمكن أن تُضيفه في هذا الصدد؟!
المصري: قلت وأقول، إن المصالحة الفلسطينية لم تعد فلسطينية خالصة، هناك أجندات وحلفاء ومصالح تجعل من المصالحة صعبة جداً، على الأقل في المدى المنظور، أكثر من ذلك، لم تعد المصالحة مربحة أو ضرورية لكثير من الأطراف، بل يمكنني القول إن ترسيخ الانفصال أصبح مصلحة لبعض الأطراف أيضاً، ولا أقصد هنا الأطراف الإقليمية والدولية، بل أقصد حركة حماس التي تعتقد أن "التمكين" في قطاع غزة هو رسالة سماوية يجب حملها وتحقيقها، فإذا أضفت إلى ذلك أن الإقليم منقسم على ذاته، فإن الانقسام الفلسطيني سيكون عنواناً ومدخلاً وتبريراً لكل ما يجري في المنطقة، يجب أن نعلم أننا أول من انقسمنا في الإقليم، لقد انقسمنا قبل جنوب السودان وشمال العراق وجنوب المغرب، كنا – ربما – التجربة التي نجحت ثم تم تعميمها على العالم العربي، ودعني أؤكد هنا – لأهلنا في قطاع غزة – بأن الرئيس أبو مازن يعتبر المصالحة أهم، بل من الأولوية التي تسبق التهدئة مع إسرائيل، وهي ضرورية، أي المصالحة، حيث هي درعنا الذي يمكن من خلاله التصدي لصفقة القرن.
برأيك، كيف يبدو العالم العربي الآن؟!
المصري: كثير من الأنظمة العربية تستورد الشرعية والتمويل والحماية من خارج الإقليم، وبالتالي أعتقد أن التأثير العربي علينا كفلسطينيين ضعيف جداً، كما أن التأثير العربي في السياسات العالمية قليل جداً، وهو ما دفع بالرئيس الأمريكي ترامب إلى توجيه تهديدات لأطراف عربية علناً، وهو ما لم يكن من قبل، إن فراغ العالم العربي وتحوله إلى ساحة تنافس عالمي سيجعل من الفلسطينيين في حلٍ من التأثير أو الضغط أو الاستلاب، وبالمناسبة، فإن العالم العربي خرج من مرحلة الاعتدال كما سُميّت، إلى مرحلة الاستسلام الكامل، وهو وضع خطير جداً، سيسمح بظهور قوى شعبية أخرى، وهذا ما أتوقعه، أي أننا سنشهد في السنوات القادمة ظهور قوى حزبية، شعبية، ميليشاوية، وجماعات عرقية، وبقايا أنظمة، وجيوش متآكلة، وهو سيناريو يعني أن منطقتنا ستشهد توترات ومشاحنات وحروب صغيرة، هنا وهناك.
وقضيتنا الفلسطينية؟!
المصري: لا أعتقد أننا سنشهد حلولاً سريعة على صعيد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل عل العكس، أعتقد أن اليمين الإسرائيلي وأجنحته وأذرعه، سيحاول أن يُهندس التسوية كما يحلمون، وهي وصفة للتوتر والمواجهة، للأسف السنوات القليلة القادمة ليست سنوات تسوية، بل سنوات قد تكون سنوات باتجاه الحسم ذاته، وبالتالي وحدتنا الفلسطينية وتمسكنا بالثوابت وتعزيز صمود المواطن بالأرض، سيقلل من الخسائر.
أخيراً، ما تفسيرك لهذه الهجمة الأمريكية غير المسبوقة على العرب والمسلمين؟!
المصري: لم يهجم الرجل علينا فقط، لقد هجم على العالم كله، على حلفائه، وجيرانه، وعلى العرب والمسلمين، وعلى الفلسطينيين، وعلى القانون الدولي وعلى الصحافة، وعلى المرأة وعلى السود، وعلى معاهدات البيئة والتجارة وبرتوكولات فينا، وانسحب من مجلس حقوق الإنسان ومن (يونسكو)، وهدد كل شيء، حتى الموظفين الذين عملوا تحت إمرته، فمن هذا الرجل الذي يحكم أكبر وأقوى امبراطورية في العالم؟! برأيي أن زعيماً كهذا، إنما يتجه نحو هاوية أفعاله، ويكفي أن هناك أطرافاً في الدولة الأمريكية، قوية ونافذة، تقدمت بشكل رسمي لفحص أهليته العقلية، ماذا يمكنني أن أقول أكثر؟! عندما يكون الزعيم يحب الشهرة والظهور والشعبوية أكثر من أي شيء آخر، عندئذ يحصل على زعماء من هذا النوع، ويجب القول هنا أن أمثال هؤلاء نعرفهم ونتوقع تصرفاتهم، ونتوقع مآلاتهم أيضاً، إن سياسة الرئيس ترامب وإدارته الحالية يشكّلون خطراً على منظمة الأمم المتحدة والسلم الدولي الذي تلا الحرب العالمية الثانية، نحن أمام إدارة أمريكية متوحّشة تريد كل شيء، حتى لو أدى ذلك لإنهاء النظام العالمي، أختم القول، لا يوجد ما يخسره الفلسطيني، وسيبقى موقفنا متمسّكاً بالحقوق، وموقف الرئيس أبو مازن خير دليل.

التعليقات