نواة أولى لشرطة بيئية في فلسطين... وإنقاذ ضبع جريح من باكورة أعمالها

نواة أولى لشرطة بيئية في فلسطين... وإنقاذ ضبع جريح من باكورة أعمالها
رام الله - دنيا الوطن
سلط تقرير أخير لمركز العمل التنموي/ معا الضوء على إطلاق شرطة بيئية فلسطينية تنضوي مبدئياً تحت راية شرطة السياحة والآثار، بهدف ضبط المخالفات البيئية وتعزيز الوعي في هذا الجانب ضمن مفهوم التنمية المستدامة. خطوة تعدُّ نواةً أولى تمهد لجسم مستقل حين تتوفر الإمكانيات المادية واللوجستية. وذلك على غرار دول عديدة في العالم وتحديداً عربية كالكويت والأردن وتونس.

وفق رئيسة سلطة جودة البيئة "عدالة الاتيرة" فقد تم البدء بتأسيس جسم للشرطة لحماية البيئة بعد توقيع مذكرة تفاهم مع اللواء حازم عطالله مدير عام الشرطة الفلسطينية بتفويض من رئيس الوزراء د.رامي الحمدلله أواخر تموز الماضي، تم خلالها توضيح طبيعة التعاون والمهام المنوطة بكل جهة (الشرطة وسلطة جودة البيئة)، ومبدئياً ستعمل شرطة البيئة ضمن طواقم شرطة السياحة والآثار في كل محافظات الوطن، وذلك لتنفيذ إجراءات الضبط القضائي والتوثيق القانوني لانتهاكات البيئة، وصولا لإجراءات احترافية ومهنية في التعامل مع القضايا البيئية.

وتثمّن الأتيرة في حديثها مع معدة التقرير "ربى عنبتاوي" هذه الخطوة من حيث فرض السيادة على الأرض رغم أن الواقع لا يلغي أن الشعب الفلسطيني تحت احتلال، إلا أن وجود شرطة بيئة لحماية وتنفيذ القوانين البيئية بكل تفاصيلها بالتعاون مع الشرطة والأمن الوقائي والضابطة الجمركية سيعزز من الرقابة في هذا الجانب.

وتستشهد الأتيرة بمهمة أولى –كمثال- لشرطة السياحة والآثار التي تقوم بمهام شرطة البيئة، جرت منتصف آب في بلدة سلواد شرق محافظة رام الله، حين تم إنقاذ ضبع من براثن فخ نصبه أهل القرية لصيد الخنازير، حيث تم علاجه ومن ثم إطلاق سراحه في برّية القرية.

ولا تعترف الأتيرة بأن التقسيمات السياسية ستعيق عمل شرطة البيئة وتحديداً في مناطق جـ، قائلة: "كل الأراضي المحتلة هي أرضنا".




التعاون مع الضابطة الجمركية ساهم في تحريك ملف شرطة البيئة

يشير المستشار القانوني في سلطة جودة البيئة مراد المدني إلى أن مطلب الشرطة البيئية كان وارداً منذ تأسيس سلطة البيئة وصدور قانونها عام 1999 ولكن الفكرة كانت تطفو على السطح ثم تعود لتتلاشى، إلى أن جاء عام 2010 وبدأت تتكاتف الجهود من أجل تشكيل شرطة بيئية عبر نقاشات ومباحثات وإعلام يطرح القضية، وأوراق عمل تقدم في مؤتمرات بيئية، ولكن تطوّر العمل المشترك مع الضابطة الجمركية عام 2016 من خلال ضبط عشرات حالات نقل نفايات خطرة. مؤكداً أهمية وجود شرطة بيئية تساند سلطة جودة البيئة وتتكامل مع الضابطة.

وحول تأهيل كوادر الشرطة للتعامل مع القضايا البيئية، أشار المدني إلى أن الخبراء البيئيين في سلطة جودة البيئة يقومون بورشات عمل تعريفية مع الشرطة في مختلف المحافظات، تم التوصل خلالها إلى تفاهمات ميدانية على آلية العمل بحيث يتم ضبط الجرائم من خلال الشرطة المتخصصة أو حتى العامة، وتكون التقارير الفنية والعلمية من تخصص موظفي سلطة جودة البيئة.

آلية الشكوى

وللمواطنين، فينصحهم المدني بالتالي: "في حال شاهد المواطن مخالفة بيئية أمامه، فأمامه خياران: التواصل مع الشرطة العامة التي ترسل شرطة السياحة والآثار لمتابعة القضية، أو خلال ساعات الدوام الرسمي، عبر الاتصال مع مديريات البيئة في المحافظات والتي بدورها ستتواصل مع الشرطة.

وحالياً لا يوجد وسم خاص بالشرطة البيئية سواء زي أو شارة أو حتى مركبات خاصة بهم، ومقراتهم حالياً في مديرات شرطة السياحة والآثار. ووفق المدني فهذا الجسم حالياً هو نواة لتحقيق جهاز شُرَطي خاص بالبيئة على غرار دول العالم. متوقعاً أن يلقى هذا التوجه اهتمام الدول المانحة لتعزيز دور هذا الجهاز لما له من أهمية في رعاية البيئة وتطبيق التشريعات البيئية.

السياحة والبيئة تتقاطعان 
حول سير العمل تحت مظلة شرطة السياحة والآثار، أشار العقيد د. حسن الجمل أنهم كإدارة متخصصة أُوكل لهم ملف الشرطة البيئية، بعد أن تم توقيع مذكرة تفاهم بين الشرطة وسلطة البيئة في مكتب اللواء حازم عطالله . وذلك لحين تتوفر القدرة اللوجستية لسلطة البيئة لإدارة كاملة ومتكاملة.

ووفق بيان صحفي صدر عن اللواء عطا الله ، ستسهم هذه المذكرة في تعزيز تبادل الخبرات في المجال القانوني والتقني، والاستفادة المتبادلة من البنية التحتية والإدارية والفنية المتوفرة لدى سلطة البيئة والشرطة في بناء القدرات.

في ظل الإمكانيات المتاحة، يشير العقيد د.الجمل إلى أنه سيتم العمل من خلال دائرة السياحة والآثار، وستكون الشرطة جاهزة لتلقي أي مخالفة أو شكوى وتحويلها لقسم التحقيقات في النيابة بعد تقييمها من القسم الفني التابع لسلطة جودة البيئة.

ولفت إلى أن عمل السياحة والبيئة يتقاطعان في كثير من الجوانب، وقد تم عقد لقاءات رسمية ودورية بين شرطة البيئة والسياحة والآثار وبين موظفي مديريات البيئة لوضع الخطوط العريضة للعمل بسلاسة وتبادل الخبرات والمعرفة في كل التفاصيل من أجل الخروج بطاقم مهني على غرار السياحة والآثار.

ناشطة بيئية وخبير مياه يرحبان ولكن!

تتنهد لينا إسماعيل الناشطة البيئية التي تعمل في مؤسسة دالية المجتمعية، حين تسمع أثناء حديثها مع مجلتنا عن تأسيس شرطة بيئية، مؤكدةً أن هذا المطلب كان مسعى قديماً جديداً لطالما انتظره كل غيور على بيئة بلده، وهذا الجسم، تتمنى إسماعيل، أن يؤسس لنشر ثقافة الاهتمام بالبيئة والأرض والموارد الطبيعية وصحة الإنسان، ويفعّل القوانين المتعلقة بهذا الجانب عبر فرض غرامات وعقوبات على الجناة.

وتمنت إسماعيل أن تمارس الشرطة دورها في معاقبة ملقي النفايات في الشوارع والأراضي العامة، ومن يمارس الحرق ويلوث البيئة، ويقذف المياه العادمة من عربات النضح على أشجار الزيتون والأراضي الزراعية في الوديان، ويلوث المياه الجوفية بالمياه العادمة ومخلفات المصانع، وغيرها من الانتهاكات البيئية.

وترى إسماعيل أن دور الشرطة أيضاً يجب أن يتمثل في إعطاء محفزات للمواطنين لعدم التلويث والإضرار بالبيئة، وليس فقط فرض العقوبات والغرامات المالية، مثل الإعلان سنويا عن المنطقة الأكثر نظافة والتي تحافظ على المصادر الطبيعية والمساحات العامة.

وتضيف إسماعيل أنه بالتوازي مع دور الشرطة، هناك حاجة ماسة لمعالجة المشاكل البيئية بشكل جذري وتوفير بدائل كبنية تحتية يتم من خلالها تصريف المياه العادمة ومعالجتها بشكل صحي، وإعادة تدوير النفايات، بالإضافة إلى وضع سياسات تحد من استعمال الأكياس البلاستيكية لصالح الورقية، وغيرها من السياسات التي تهدف إلى حماية البيئة. 

وتؤكد أن أحد المعيقات الأساسية في تنفيذ حلول شاملة للمشاكل البيئية هو الاحتلال وممارساته، كإعاقة التراخيص اللازمة لإنشاء محطات معالجة في مناطق ب و جـ، واشتراطه ربط المستوطنات مع القرى في محطات معالجة مشتركة لإعطاء التراخيص.

لعنة مناطق جـ
وتساءلت إسماعيل في ختام حديثها: "هل تستطيع الشرطة البيئية ممارسة عملها في مناطق ج؟ ماذا عن منطقة قلنديا وكفر عقب والعيزرية وغيرها من المناطق التي يمنع فيها تواجد الشرطة الفلسطينية؟ والتي تعتبر من أكثر المناطق التي تعاني من الانتهاكات البيئية التي تستبيح صحة الإنسان والبيئية على حد سواء؟"

تساؤل إسماعيل طرحه أيضاً رئيس حزب الخضر الفلسطيني ومدير جمعية الهيدرولوجيين "د.عبد الرحمن التميمي" الذي أكد أيضاً أن فعالية الشرطة يتمثل في قدرتها على ضبط الانتهاكات البيئية التي تتجلى معظمها في مناطق جــ، فهل سيكون لديها صلاحيات ومهام واضحة هناك؟ يتساءل د.التميمي.

خبير المياه د.التميمي الذي كان من ضمن الذين تم استشارتهم حول هذا الأمر بطلب من سلطة جودة البيئة، يؤكد بأن تأسيس الشرطة خطوة ايجابية، وجاء بناءً على مطلب شعبي، لافتاً إلى أن وجود نواة متخصصة حالياً سيمكّن الشرطة من القيام بمهام الضبط البيئي التي لم تكن في السابق، مع العلم أن صلاحيات الشرطة الفلسطينية المتاحة حالياً هي الضبط والمخالفة والتحويل للنيابة، أمّا ممارسة الرقابة الدورية، فليست بالأمر المتحقق حتى الآن كالعديد من دول العالم لأسباب سياسية. 

وأشار د.التميمي إلى أن فعالية الشرطة ودورها الرادع يجب أن يستند إلى قانون وليس تعليمات فقط صدرت من رئيس الوزراء، وذلك حتى تكون المخالفة نافذة، وختم حديثه: " قانون البيئة لا يتحدث عن الشرطة البيئية ولذلك يجب العمل من أجل سن قانون فاعل".

المستشار القانوني يوضح قضيتي جـ وغياب نص قانون واضح

رداً على الاستفسار حول مدى فاعلية عمل الشرطة في مناطق جـ، أشار المدني إلى أن سلطة جودة البيئة لا تنظر للمناطق الفلسطينية حسب تصنيف أوسلو، ولكن كوطن كامل بما ينسجم مع تعميم رئاسة الوزراء بالتعامل مع بيئة فلسطين كإقليم واحد لا يتجزأ.

"أينما تطلّب الذهاب للمراقبة والضبط فسلطة البيئة جاهزة للتدخل، وان تعذر على الشرطة الدخول؛ فموظفو مديريات البيئة بزيهم المدني والذين يحملون صفة الضبط العدلي قادرون على تحرير المخالفات وتحويل القضايا إلى النيابة العامة". يقول المدني

وحول غياب نص قانون للشرطة البيئية فيرد المدني بأن التحري أي جمع الأدلة ووضعها أمام النيابة العامة، يقوم به كل من له صفة الضبط العدلي (العام كالشرطة، والخاص كالسياحة والآثار والبيئة)، وأيضا مفتشو الوزارة استناداً إلى نص مادة 51 من قانون البيئة: يكون لمفتشي الوزارة وكل من له صفة ضبط عدلي بموجب قانون خاص صلاحية ضبط الجرائم التي تقع خلافا لأحكام هذا القانون".

وأيضاً في قانون الإجراءات الجزائية، فقد ورد النص التالي: "من أصحاب الضبط العدلي الشرطة وضباط الشرطة". إذن وفق المدني هناك مرجعية قانونية للشرطة البيئية لا غبار عليها.