معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني تنظم ورشة عمل

رام الله - دنيا الوطن
عقد معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني- ماس اليوم الأربعاء 16 أيار 2018 ورشة عمل في مقره في رام الله لمناقشة دراسة من إعداد الباحث الرئيسي في المعهد الدكتور سمير عبد الله بعنوان "فجوة ونقص المهارات في القطاع الصحي في الأرض الفلسطينية المحتلة". أدار الورشة الدكتور نعمان كنفاني، وعقب على الدراسة كل من الدكتور فتحي أبو مغلي المدير التنفيذي لمستشفى الاستشاري العربي ووزير الصحة سابقاً، والدكتور حسني العطاري استشاري جراحة العظام والمدير العام السابق لمجمع فلسطين الطبي، وبحضور ممثلين عن مؤسسات صحية مختلفة وعدد من الباحثين والمهتمين. 

افتتح الدكتور كنفاني الورشة بالإشارة إلى أن هذه الدراسة تأتي ضمن برنامج متكامل يعده المعهد بدعم مشكور من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي لدراسة موضوع نقص وفجوة المهارات في قطاعات مختلفة في فلسطين. وأشار إلى أن الدراسة موضوع النقاش هي الثانية في البرنامج. هذا النوع من الدراسات يقع في مجال اقتصاد تخطيط المهارات البشرية ويتم دراسته بالعلاقة مع تخطيط الدراسات الجامعية التي تتناول كيفية توزيع طلبة الجامعات على الاختصاصات المختلفة. وأكد على ضرورة هذه الدراسات التي توليها جميع الدول أهمية خاصة، إلا أن عملية تنفيذها مسألة شائكة من جانب، ومن جانب آخر يعاني التجاوب مع توصياتها من عقبة أساسية تتمثل بمتطلبات تحضيرية وإعداد برامج تعليم وتدريب، وحيث سيتغرق سد النقص في المهارات التي تبرزها عدداً من سنوات التدريب والتعليم.

استهل د. سمير حديثه بالإشارة إلى هدف الدراسة المتمثل برصد وتتبع النقص والفجوات في مهارات العاملين الصحيين في القطاع الصحي الفلسطيني وتقديم توصيات لمعالجتها بهدف النهوض بجاهزية هؤلاء العاملين للاستجابة الفعالة لتلبية احتياجات المواطنين الصحية استناداً للرؤية الوطنية لتوطين الخدمات الصحية وتحقيق الاكتفاء الذاتي. وأشار إلى أن منهجية الدراسة ركزت على دراسة جانب الطلب كماً ونوعاً، لتحديد الوظائف التي يصعب شغلها بسبب نقص المؤهلين أو بسبب عدم امتلاكهم لكافة المهارات المطلوبة من قبل المشغلين.   

أشار د. سمير أن القطاع الصحي الفلسطيني حقق تطوراً مهماً منذ تولي السلطة الفلسطينية مسؤوليتها عن القطاع في 1994، ولكن وبالرغم من هذا التطور لا يزال القطاع يعاني من العديد من نقاط الضعف والتحديات على رأسها النقص الشديد في عدد الأطباء وأطباء الأسنان والصيادلة في قطاع غزة، واستمرار اعتماد القطاع على الخارج لتوفير العديد من خدمات الرعاية الطبية الثانوية والمتقدمة الهامة، الأمر الذي يستنزف جزء كبير من نفقات وزارة الصحة الفلسطينية. وعدد مجموعة التخصصات والمهارات التي تعاني من نقص وفجوات والتي لا تقتصر على مهارات التخصص، وانما تشمل أيضاً المهارات المعرفية والحياتية الضرورية لتحسين جودة الخدمات وزيادة فعالية الرعاية الصحية. 

واختتم مداخلته بتقديم مجموعة من التوصيات وفق عناوين عريضة مختلفة، منها توصيات موجهة لمنظومة التعليم الصحي ومن هذه التوصيات ضرورة تركيز التعليم على الجانب العملي، التشدد في شروط القبول في التخصصات الصحية وفتحها للطلاب من الفرع العلمي فقط.  توصيات بهدف توطين الخدمة الصحية ومنها ضرورة تحديد الأهداف الآنية المتوسطة وطويلة المدى لمعالجة النقص في المهارات المطلوبة، وتحديد أكثر هذه المهارات إلحاحاً. مساعدة الجامعات والكليات التي لديها استعداد لفتح تخصصات صحية في مجالات النقص من خلال تمويل تزويدها بالاختصاصيين المناسبين أو تمويل ابتعاث كوادرها للدراسة والتدريب في الخارج. كما أكد على ضرورة مأسسة التعليم المستمر لكافة العاملين الصحيين لمواكبة التطورات المتلاحقة في مهارات وأساليب العلج ومكافحة الأمراض والتقنيات المبتكرة فيها.

أستهل الدكتور فتحي أبو مغلي، وزير الصحة السابق، ومدير عام المستشفى الاستشاري العربي، حديثه بشكر المعهد لعقده هذه الورشة، وذلك لما لها من أهميّة في تنميّة المواد البشريّة والتي هي أساس التنمية الاقتصادية في أيّ بلد. وانتقل إلى تعداد بعض الصعوبات التي تحول دون تنمية قطاع الصحة في فلسطين منها: عدم قيام السلطة الفلسطينية بوضع خطة لبناء استراتيجيات وطنية لتنمية الموارد البشريّة وعلى رأسها الموارد الطبيّة. تعامل الحكومات الفلسطينية المتعاقبة مع القطاع الصحي كعبء -يحتاج إلى ميزانيات ضخمة- بدلًا من تعاملها مع هذا القطاع كاستثمار. كذلك فإن معظم الموازنات المخصصة للجهاز الصحي تذهب للجوانب التشغيلية على حساب الجوانب الاستثمارية، ويقتصر الجانب الاستثماري على المعونات من الجهات المانحة ذات الطابع قصير الأجل.

من جانب آخر ذكر د. فتحي أن النقص في عدد الأطباء والتخصصات الطبية في القطاع الصحي الفلسطيني يرجع بشكل أساسي إلى هجرة العقول إلى الخارج وتحديداً إلى الخليج. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى انخفاض سلم الرواتب وضعف نظام الحوافز للأطباء في القطاع العام. 

واختتم د. فتحي مداخلته بمجموعة من النقاط من شأنها رفع كفاءة القطاع الصحي منها: ضرورة وضع خطة إستراتيجية وطنية تنظر إلى القطاع الصحي كاستثمار، ضرورة تعزيز التعاون بين القطاع العام والخاص. وأيضًا ضرورة إلزام كل مواطن بامتلاك تأمين صحي إلزامي، إذ أنّ ذلك يساعد على توافر المال لتطوير الخدمات الصحية.

انتقل بعدها د. حسني للتعقيب، وبدأ حديثه بالتأكيد على ما جاء به د. فتحي، حيث اشترك معه بالتأكيد على  غياب خطة تنموية لتطوير الكادر البشري في القطاع الصحي، وفي هذا الصدد ذكر أن قيام الحكومة بابتعاث أطباء من أجل سد فجوات في بعض التخصصات الطبية اقتصر على تجربة يتيمة لم تتكرر بالرغم من نجاحها في حينه في سد الفجوات. أيضاً أشار إلى معضلة عدم توفر تفرغ طبي يحول دون عمل الأطباء في المستشفيات العامة والخاصة في نفس الآن، الأمر الذي ينعكس بشكل سلبي على قدرة الطبيب من تطوير ذاته وتوفير الخدمة الطبية بشكل ملائم، وفي هذا الصدد أشار أن رفع سلم الرواتب وتقديم نظام حوافز جيد من شأنه معالجة هذه المعضلة والارتقاء في القطاع الصحي. 

من جانب آخر، دعا د. حسني إلى ضرورة عدم النظر إلى التحويلات الطبية بين مستشفيات القطاعين الخاص والحكومي الفلسطينيين باعتباره تعبيراً عن نقص في التخصصات الطبية لدى إحدى القطاعين، حيث أن الهدف توفير الخدمة من القطاع الصحي الوطني ككل وداخل حدود البلد. نوه أيضاً إلى أن بعض التخصصات التي يظهر وجود نقص في الكوادر الطبية فيها، مثل أخصائيي القسطرة، لا تعاني من نقص في كوادر طبية بالحقيقة بل من نقص في قدرة المستشفيات الاستيعابية تظهر على أنها نقص في عدد الأخصائيين. وأنهى د. حسني مداخلته بالتأكيد مرة أخرى على ضرورة استحداث خطة تنموية لمعاجلة النواقص والفجوات.

واختتمت الورشة بمجموعة من مداخلات الحضور والتي جاء بعضها منسجم مع ما طرحه المتحدثين المختلفين، وتحديداً في مسألة ضرورة إعادة النظر في سلم الرواتب وتطوير نظام حوافز من شأنه إعادة استقطاب الأطباء الفلسطينيين في الخارج لما لذلك دور رئيسي في سد الفجوات. من جانب آخر أكدت إحدى المداخلات إلى ضرورة التركيز على النواقص والفجوات الصحية في المناطق المهمشة تحديداً منطقة "ج". وتطرقت مداخلة أخرى إلى أهمية التعليم الطبي المستمر ودورها في مواكبة التطورات في القطاع الصحي وسد الفجوات التي تظهر.