حسناء من ضاحية شويكة بطولكرم تتصدر جدار الظلام الدامس

حسناء من ضاحية شويكة بطولكرم تتصدر جدار الظلام الدامس
صورة أرشيفية
رام الله - دنيا الوطن - رند عصام حمدان
"أنا لست نكرة ولا صفحة مطوية في ذاكرة النسيان، أنا إنسان متكامل لا عائق يثنيني ولا ذوبان قضبان سكته الحديدية، تستطيع أن توقف قطار طموحاتي عن المسير".

هذا لسان حال حسناء من ضاحية شويكة في طولكرم، والتي تصدت لجدار الظلام الدامس الذي حرمها الرؤية، واصلت مسيرتها التعليمية، حتى وصلت للصف الثاني الثانوي، وما تزال تخاطر بقواها حتى ينبثق عنها نجاحات أرادت الوصول إليها.

استقبلت حسناء الحياة بعد ثمانية عشر عاماً من انتظار والديها لإرادة الله بإنجاب طفل، يملأ بيتهما بهجة وفرحاً، فكانت إرادته سبحانه أن تولد وتوأمين آخرين بعملية زراعة لتجد نفسها وحيدة ترضع حليب أمها بعد وفاة رفيقي الرحم، طيلة تسعة أشهر، عاشت حسناء بسبب عزيمتها لكن بصرها هو الثمن الذي دفعته مقابل البقاء على قيد الحياة.

والد حسناء كان عيونها التي ترى من خلالها العالم، كما تحب أن تراه بتفاصيله وألوانه المختلفة، عيشها طفولتها التي كانت تعيشها، أخرجها من  قوقعة بيتها في ليلة هادئة، يسمعها أصوات الأصيل وتحركاته، ويظلان حتى طلوع الفجر فيسمعان أصوات العصافير ونسائم الصباح العذبة.

بلغت حسناء السابعة من العمر، أرسلها والداها لمدرسة خاصة للمكفوفين (مدرسة قبس للإعاقة البصرية) في مدينة رام الله، تعلمت فيها عشر سنوات من الصف الأول وحتى الصف العاشر، يرسلها والدها في صباح يوم الأحد للمدرسة، تبقى هناك باقي الأسبوع حتى يأتي يوم الخميس ليستقبلها والداها عند بوابة المدرسة بشغف؛ ليعيشوا ما تبقى من أيام الأسبوع حياة الأسرة السعيدة؛ وليحدث كل منهم الآخر عما مرَّ به خلال الأيام الماضية.

وبمرور سنة واحدة، حسناء أصبحت متقنة للكتابة والقراءة على آلة البريل، التي يستخدمها المكفوفون للقراءة توظف باقي حواسها فلم يقف فقدانها  للبصر عائقاً أمامها، وبالرغم من تلقيها التعليم في هذه المدرسة إلا أن هذا السجن التعليمي قيد حريتها وأخذ جرعة من حنان والديها وعطفهم، ترغب في الجلوس مع أهلها والإحساس بالأمان، نفسيتها المكركبة وصراعها الداخلي مع نفسها وكثرة التفكير الذي يصول ويجول بخاطرها منعها النوم لأيام، كانت تسهر هي والليل والتفكير اللعين، حتى يأتي يوم الخميس فتتلهف للرجوع للبيت، مع أن المشرفات في المدرسة كانوا بجانبها دوماً إلا أنه ليس بإمكانهم أن يحلوا محل الأهل.

ومع كل هذه المعيقات والمطبات، استطاعت حسناء التخرج من هذه المدرسة بقوة سلاح العلم مع شهادات تقدير وجوائز، انتقلت حسناء بعدها لمدرسة حكومية ثانوية في طولكرم، تغيرت الأشياء من حولها، كانت تحس بعدم الالتفات لها، ولم يقتصر الاهتمام عليها فقط كما كانت تحسه في مدرسة قبس للإعاقة البصرية، نتيجة لذلك تدنت علاماتها، ومع مرور الوقت اعتادت حسناء على هذا الحال، ولم تستسلم بل تابعت تعليمها ونهضت مجدداً لتسير نحو جوهرة النجاح والتفوق لتكسب شهادات تقدير والتفوق مرة أخرى. 

تقربت إلى الله بحفظها ستة أجزاء من القرآن الكريم المكتوب بلغة بريل، وتعتزم حفظه كاملاً بعد انتهائها من مرحلة التوجيهي، خرجت حسناء من عتمة العيون وكسرت حواجز الصمت والفراغ حولها بالإبحار في اكتشاف عالم جديد.

كان سلاحها في ذلك أناملها التي تتحسس فيها بروز الأحرف وإصغاؤها العميق، فلم تكن جلساتها مع نفسها لساعات طوال لتندب حظها وتتحسر على حالها بل لتفتح لنفسها آفاقاً من المعرفة بلغات الشعوب فاستطاعت حسناء، أن تتقن اللغة الكردية محادثة وغناءً الى جانب معرفتها باللغة الألمانية، واتقانها للغة الإنجليزية.

أبحرت حسناء في عالم الألحان والمقامات فتراها تتحدث عن أنواع المقامات كملحنٍ محترف، تلحن وتعزف وتغني للوطن لم تتقوقع في ظلمتها فخرجت من صمت العيون إلى نور المعرفة، وإذا ما بحثنا في الإنترنت نجد صوت حسناء، يصدح بالغناء والعديد من المشاركات.

والآن تمر حسناء في مرحلة مصيرية، تصعد بعدها لسلم طموحها وآمالها التي تحلم في الوصول إليها، فهي تحلم في أن تصبح كليلى العطشان، أول فارسة فلسطينية وعربية كفيفة تعمل بالعلاج النفسي، تتابعها بشغف وتتطلع لدراسة علم الاجتماع والعلاج النفسي، وتحلم أن تكون شخصية معروفة وبارزة في المجتمع.

لم يتبقَ لحسناء إلا القليل لتحصد ثمار رحلة طويلة، تخللها تعب وشغف لتشق طريقاً نحو المجد؛ ولتدخل البهجة في قلوب والديها وعائلتها.