الجلسة العامّة الثالثة تناقش سُبُل صناعة الاستقرار

رام الله - دنيا الوطن
شهدت الجلسة العامّة الثالثة في اليوم الثاني من مؤتمر "فكر16"، نقاشاً متنوّعاً لعدد من أهل السياسة العرب الذين عرضوا لسياسات تسمح بتجاوز الوضع الراهن وسبل صناعة الاستقرار. وتشمل هذه السُبُل بحسبهم، بناء دولة القانون والمؤسّسات والمشاركة السياسيّة، وتوفير العدالة الاجتماعية وتحقيق التنمية المستدامة، وتطوير النظام التربوي والتعليمي، وإيجاد حلّ عادل للقضيّة الفلسطينيّة، وتعزيز التضامن العربي. تحدّث خلال الجلسة نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء العراقي الأسبق الدكتور إياد علّاوي، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة، المدير العام السابق للمعهد الدبلوماسي الإماراتي السفير الدكتور يوسف الحسن، وأدار الجلسة الأمين العامّ المساعد للشؤون السياسية والمفاوضات في مجلس التعاون لدول الخليج العربية معالي الدكتور عبد العزيز العويشق.

استهلّ الدكتور إياد علّاوي الجلسة بالتحذير من أنّ الوطن العربي يعاني غياباً واضحاً للوحدة الوطنية، ترتّب عليه غياب المساواة ما هدّد الاستقرار في بلدنا. وشدّد على أنّ عنوان الوطنية والتكامل في الوطن العربي هو الوحدة الوطنية التي يسعى الكثيرون إلى إضعافها وتفكيكها.

ودعا إلى التعاون والتنسيق بين قوى الاعتدال بقيادة المملكة العربية السعودية والأردن والإمارات ومصر والقوى الشعبية التي تتبنّى الاعتدال، مشدّداً على ضرورة أن ترسم هذه القوى خريطة طريق واضحة لقضايا المنطقة، وحلّ الموضوع السوري وإيجاد حلّ عادل وشامل للقضية الفلسطينية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من براثن إيران التي أضحى تمدّدها يزكم أنوف العرب.

وإذ أسِف علّاوي لأنّ العرب مجتمعين لا يريدون دعم الجامعة العربية، أكّد أن ذلك خطأ كبير يرتكبونه، فتطوير المنظّمات الإقليمية ولا سيّما الجامعة هو من أبرز مقوّمات صناعة الاستقرار. وأوضح أنّ المطلوب تطوير الجامعة بما يتماشى مع متطلّبات العصر ومع ما يحتاج إليه العرب، لمواجهة كل ما يستهدف الأمة العربية. ودعا إلى الوحدة العربية لدرء المخاطر وصدّ الأعداء قائلاً: إذا افترقنا سنذلّ وإذا اجتمعنا سننتصر.

وطالب العرب بمواجهة إيران بكلّ السّبل حتى لو بالحرب، لكنّه حذّر من الحرب العشوائية، كما دعا إلى منع تركيا من تملّك موطئ قدم لها في الأرض العربية، ومواجهة خطر نشوب أزمة مياه بين أثيوبيا والسودان ومصر. وأكّد أنّه إذا كان هناك مظلوم واحد في أيّ بلد فلن يعرف هذا البلد الاستقرار، مشيراً إلى أنّ من أهمّ مقوّمات الاستقرار تحقيق الاستقرار الاقتصادي وإنهاء التهميش والوحدة المجتمعية والتنمية المستدامة والاقتصاد وتوفير الأمن للجميع وفقاً لوثيقة حقوق المواطنة. وأكّد أنّ الديمقراطية ليست قرآناً وليست الطريقة الوحيدة التي يحكم بها الشعب بنفسه، فطالما توجد وثيقة حقوق واستقلال للقضاء نكون قد قطعنا نصف الطريق. 

وأكّد معالي فؤاد السنيوره أنّ الدول العربية الكبرى وخصوصاً تلك التي تتمتّع بالاستقرار والقدرة على الحركة وصناعة القرار الوطني والقومي، قادرة بالتضامن والتعاون والتكامل الأمني والاقتصادي في ما بينها على المبادرة إلى وضْع الخطط  ذات الأبعاد الاستراتيجية المُستندة إلى نظام المصلحة العربية وتعزيزها، والحريصة على بناء وتعزيز الأمن القومي العربي بما يمكّنها أن تؤثّر إذا أجمعت في ما بينها على أمرين اثنين أساسيَّين. الأمر الأوّل هو مواجهة التدخلات الخارجية في شؤون الدول العربية المضطربة أو المهدَّدة بالاضطراب مثل سورية وليبيا واليمن والصومال ولبنان. والأمر الثاني، العمل في الدواخل المضطربة من أجل التوصّل إلى وقف النار وإلى وقف العنف، وإجراء المصالحات، والتمهيد لإعداد دساتير جديدة، والمساعدة على إجراء انتخابات ديمقراطية، والإسهام في إعادة بناء الجيوش الوطنية والقوى الأمنية الأخرى.

وأوضح السنيورة أنّه بالإشارة إلى مواجهة التدخّلات، لا يعني ذلك التسبُّب في حروب أو مواجهات جديدة، بل التبصّر والتنبيه إلى المخاطر الشديدة الكامنة والمحدقة بمنطقتنا العربية إذا لم يتم الحؤول دون وقوع تلك المخاطر، وضرورة إدراك أهمية التضامن في ما بينها، وبالتالي تعزيز القدرة على التعاون من أجل التفاوض بشيءٍ من الندّية والعقلانية مع القوى الكبرى، مؤكّداً أنّ القوى الموجودة على الأرض وفي المجال الإقليمي مثل إيران وتركيا، لا تستطيع الاستمرار في الامتداد والتخريب الذي تسبّبه.  ورأى أنّه من الضرورات الأخرى للتضامن العربي الوصول إلى حلٍّ عادلٍ للقضية الفلسطينية وقيام دولة فلسطين العربية على أرض فلسطين التاريخية وعاصمتها القدس، على أساس المبادرة العربية للسلام وحلّ الدولتين.

وأخيراً، اعتبر الدكتور يوسف الحسن أنّ مشروع صناعة الإصلاح في وطننا العربي هو المطلب الاستراتيجي الأول، اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وسياسياً، مشدّداً على الحاجة إلى الاستقرار الذي تأتي في أولوياته مسألة إعادة الثقة بين المجتمع والدولة ومؤسّساتها وبناء التوافق الوطني، وإيجاد حلول سلمية للأزمات. ورأى أن استعادة دولة القانون وتعزيز مبدأ المواطنة المتكافئة والتربية واحترام التنوّع والاختلاف، وتحقيق الدمج السياسي بعد الفوضى، تأتي كلّها على رأس جدول أعمال الإصلاح.

وأكّد أنّ الاستقرار مرتبط بحاجتنا لبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار ومتفاعل مع الثورات العلمية والتكنولوجية. وتحدّث عن أهمية تطوير منظومات علمية متقدّمة تبني القدرات الوطنية وتعمل على الاستخدام الأمثل لكلّ الموارد الاستراتيجية، وتعزّز قطاعات الأمن الإنساني والمائي والغذائي والطاقة المستدامة على المستويين الوطني والقومي. وشدّد على أن التعليم والثقافة هما عنصران مهمّان من أجل التغلّب على الفوضى ومجتمع متماسك. ومن العناصر التي يراها ضرورية وملحّة، بناء الدولة المدنية الحديثة التي تُقرّ بحرية ممارسة الشعائر الدينية وحرية الاعتقاد كجزء من منظمة الحريات الفردية والمدنية.