"بسام ودنيا" رفيقا دربٍ فرقهما المعبر وحرمهما من قُبلة وداع
خاص دنيا الوطن- أمنية أبو الخير
دنيا الأمل إسماعيل، بقدر ما ينبض اسمها بالحياة، تنبض كلماتها بالأمل، فهي ابنة القصيدة وسيدة المجتمع، وهي كاتبة وشاعرة وصحفية، بالإضافة إلى أنها إحدى موظفات جمعية المرأة المبدعة، تلك السيدة الحديدية، كان هناك من يساندها بكل تأكيد، إنه زوجها، وعرابها، وصديقها بسام الأقرع.
عندما سُئلت عن دور بسام الأقرع في حياتها قالت: "بسام ليس رجلاً تقليدياً، فهو يعتمد على نفسه، ويوفر لي المساحة الكافية جداً للعمل، وأمارس هواياتي ونشاطاتي وأعمالي، وهو المكمل الرئيسي لدور أبي"، ذلك الثنائي المثالي قد مَنّ الله عليه بثلاث بنات ولد، "اوغاريت" والتي تملك ميولاً أدبية كوالدتها، وتكتب قصصاً باللغتين العربية والإنجليزية، و"شام" فنانة تشكيلية، و"كرمل وعلي" لهما ميول في موهبة الرسم.

كل الأمور تبدو مثالية حتى الآن، إلى أن ألقت غزة بلعنتها على "دنيا" وكَوتها كحال أكثر من مليوني غزي، بلوعة الفراق والحرمان، ووجع لن تنساه ما حييت، فقد خرجت مع ابنتها "اوغاريت" لإيصالها إلى مصر للالتحاق بإحدى الجامعات المصرية، بعد كثير من المحاولات التي باءت أغلبها بالفشل، إلى أن نجح الأمر في آخر محاولة، وما إن التحقت الفتاة بالجامعة حتى بدأت محاولات "دنيا" للعودة إلى زوجها وأطفالها في غزة.
من هنا تبدأ المعاناة، فمعبر رفح البري، الذي يربط قطاع غزة بمصر، هو المنفذ الوحيد لأغلب الغزيين على العالم الخارجي، وهو مغلق بشكل شبه كامل منذ تموز/ يوليو 2013، ويتم فتحه بشكل استثنائي فقط، فهي في الجانب المصري من المعبر، ولا تستطيع العودة إلى بيتها في جباليا.
وكانت الفاجعة عندما انتقل زوجها الناشط الحقوقي ومدير التدريب في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان "بسام الأقرع"، 55 عاماً إلى جوار ربه، في جباليا إثر تعرضه لجلطة قلبية، وحُرمت "دنيا" وابنتها من حضور مراسم دفن بسام، وإلقاء نظرة الوداع عليه.
هز خبر وفاة بسام كيان كل من عرفه، فهو رجل مشهود له بالصلاح وطيبة القلب والابتسامة الدائمة، تدرب على يديه عشرات بل مئات الطلاب من محامين وحقوقيين ونشطاء.
بالتزامن مع إعلان خبر وفاته، بدأت زوجته "دنيا" تطلق الصرخات لعلها تجد سامعاً لها، وناشدت الزوجة المكلومة الجهات المصرية والفلسطينية الرسمية وغير الرسمية؛ لتمكينها من العودة لوداع زوجها، ولكن "أسمعت إذ ناديت حياً، ولكن لا حياة لمن تنادي"، فقد ذهبت كل توسلاتها أدراج الرياح.
مات بسام، دون أن تُسبل يدا حبيبته عينيه، دون أن تمسح بناته على شعر رأسه، مات بصمت وهدوء، بعد صراع لانتزاع أبسط حقوقه في الحياة، وبرغم ذلك سلبته غزة حقه بموت بين يدي شريكة حياته.
قصة "بسام ودنيا" ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة بحسب المعطيات الحالية، إنه وضع يذوقه أبناء غزة بشكل يومي، حيث يحول المعبر دون مشاركتهم لذويهم في أفراحهم وأحزانهم على حد سواء، وسط استغاثات ومناشدات لا تلقى آذاناً صاغية.
"وداعاً صاحب الابتسامة الجميلة"، بتلك الكلمات رثاه أصدقاؤه.


التعليقات