صناعة الجبنة "البلدية" بغزة.. هل تطابق المواصفات الفلسطينية؟

صناعة الجبنة "البلدية" بغزة.. هل تطابق المواصفات الفلسطينية؟
توضيحية
خاص دنيا الوطن
هي لذة فطور الصباح والمساء، ولا يخلو منها بيت غزي، فهي البيضاء الشهية المتماسكة شكلاً ومضموناً، يتناولها الجميع كونها صحية، وتستطيع شراءها من (السوبرماركت) أو من الأسواق الشعبية ولكن!

هي نوعان من حيث الصناعة: بعضها يتم إنتاجه في مصانع مراقبة ومرخصة بشكل رسمي، وبعضها تقوم بصناعته بعض السيدات في البيوت، وبيعه في الأسواق الشعبية، وبشكل مكشوف، فهل الجبنة البلدية المصنعة يدوياً في البيوت صحية؟ وهل تخضع لرقابة وزارة الصحة والاقتصاد؟

هل هي مفيدة أم مضرة؟ وكيف للزبون أن يعرف الجيدة منها والرديئة؟ لماذا يضيفون لها كلوريد الكالسيوم؟ كل هذه الأسئلة يجيب عليها التقرير التالي بشيء من التفصيل، والهدف صحة المواطن أولاً.

صاحب مصنع مرخص

جمال أبو عيطة (مهندس زراعي) صاحب مصنع أبو عيطة لمنتجات الألبان يقول: "الحليب البقري هو المادة الخام الأساسية لتصنيع الجبنة، وهذا الحليب يجب أن تتوافر فيه مواصفات معينة كأن لا تقل نسبة الدهون مثلاً فيه عن 3% وأن تكون نسبة (P.H الحموضة) ما بين 6- 7 كما أن نسبة المواد الصلبة فيه، يجب أن تكون أكثر من 20%، وذلك كي نستطيع الحصول منه على ما يسمى بالخثرة، والتي هي في المحصلة النهائية عبارة عن الجبنة".

ويضيف: "في البداية كان صنعنا للجبنة يتم بشكل يدوي، ولكن حالياً دخلنا عملية التصنيع الصحية والمهنية، حتى عام 2011 كنا ننتج الجبنة بدون بسترة، وبالتالي فلا يكون الحليب مطابق للشروط الصحية، والأمر لم يكن مقتصراً علينا فقط، إذ لم يكن هناك ماكينات للبسترة في كل قطاع غزة، أما الآن فماكينة البسترة متوفرة".

"البسترة هي عملية قتل البكتيريا والميكروبات الموجودة في الحليب، حيث إن الحليب بيئة مناسبة جداً لنمو الجراثيم والميكروبات الضارة، خصوصاً عند درجة 37 س، وتكون درجة حرارة البسترة عند 70- 75 س، ويتم تخفيضها فجأة إلى 25 س باستخدام مياه باردة من أجل قتل البكتيريا التي لا تموت بالتسخين"، على حد قوله.

الفرق بين الجبنة المصنعة واليدوية

يتحدث أبو عيطة عن الفرق في التصنيع بين الجبنة التي تصنع في المصنع وبين اليدوية فيقول: "تتم البسترة اليدوية عن طريق غلي الحليب ثم تبريده فجأة، الأمر الذي يؤذي الحليب ويؤذي الجبنة، جبنة البيوت اليدوية غير مطابقة للشروط الصحية نهائياً لأنها تخلو من البسترة، ولا تعقيم للأدوات التي تستخدم في عملية صنع الجبنة على خلاف ما يحدث في المصانع المراقبة".

ويؤكد: "جبنة البيوت نسبة الرطوبة فيها عالية جداً وهنا هامش الغش والربح غير الحلال إذ إن البائع يزنها كيلو لكن ما إن يصل الزبون البيت ويزنها يجدها 700 غم بعد ساعة من شرائها والسبب أنهم لا يضغطون الجبنة لتفقد الماء منها بل هم معنيون بالوزن المائي".

"نحن نستخدم الحليب البقري ونحتاج يومياً 3000 لتر منه أما في البيوت فبعضهم يستخدم حليب الوكالة (المؤن) أو الحليب البودرة ويتم ترويبه بطريقة التحميض أي بإضافة حمض الليمون وهي طريقة بدائية، وليست جيدة ناهيك عن غياب الرقابة والترخيص"، على حد قوله.

هذا وتتم الرقابة على المصنع من وزارة الاقتصاد ووزارة الصحة ويأخذون عينات للفحص المخبري؛ ليصبح المنتج جاهزاً للتسويق بشكل صحي.

ويسترسل أبو عيطة بالحديث عن كيفية صناعة الجبنة بقوله: "نحضر حوضاً فيه 1500 لتر من الحليب ثم نضيف إليها المنفحة (الروبة التي تحول الحليب إلى جبن وهي بكتيريا حمض اللاكتيك) ثم تقطع الخثرة في ماكينات خاصة للتقطيع ثم توضع في حوض للتصفية من الماء الزائد، وكي نتأكد من موضوع الماء الزائد يتم ضغطها بالمكبس كي نتخلص من مائها، وبالتالي نتحكم في نسبة الرطوبة التي يجب ألا تزيد عن 65% ونضمن عدم التلاعب في الوزن".  

زر الروبة حبوب الكالسيوم

وفيما يتعلق بالكالسيوم، يؤكد: "نحن نستخدم الكالسيوم البودرة لأن ملح كلوريد الكالسيوم يستخدم في الحليب السائل الطبيعي أما في حال الجبنة فإن عملية البسترة تعمل على تكسير روابط الحليب التي تكون الكالسيوم، فيفقد الكالسيوم قيمته الغذائية، والذي بدوره يخرج مع ما يسمى بماء الشرش، فلو فحصنا الحليب نجد أن نسبة الكالسيوم قليلة، ويجب أن تكون نسبة كلوريد الكالسيوم 4% ولذلك نضيف كلوريد الكالسيوم الغذائي لا الصناعي، حتى نعوض الكالسيوم المفقود نتيجة عملية البسترة".

ويضيف: "في البيوت لا يحتاجون إضافته لأنه لم يخضع لعملية البسترة، فإن أضافوه للحليب يفسد المنتج (الجبنة) ويصبح غير طبيعي وذي طعم مختلف ويفقد قيمته الغذائية".

صيدلي: الكالسيوم المستخدم في الجبنة يسبب الحصاوي

يقول الصيدلي ماهر عمر: "الكثيرون من صانعي الجبنة يطلبون حبوب الكالسيوم لكنهم للأسف لا يفرقون بين أنواعه المفيدة والمضرة، عليهم أن يعرفوا نوع الكالسيوم المناسب لصنع الجبن وللأسف لا تهمهم المعلومات الصحية".

وحول الخطر الكامن في الكالسيوم المطلوب بشكل عشوائي يقول: "يكمن الخطر في أن هناك أشخاصاً لديهم حساسية ضد نوع معين من الكالسيوم، وبالتالي يحدث لديهم ترسبات وبعد فترو تتحول هذه الترسبات إلى حصاوي".   

وينصح بالقول: "أغلب حالات التهاب التيفوئيد (حمى) تحدث نتيجة تناول الجبنة التي تكون قديمة (منتهية الصلاحية) أو غير معقمة ناهيك عن انقطاع التيار الكهربائي، والذي بدوره يؤثر على جودة الجبنة ونظافتها". 

ويجب التنويه هنا إلى أن كلوريد الكالسيوم يضاف للأجبان المبسترة، بسبب تكسر البروتين الموجود في الحليب فيضاف بنسبة 0.5-1% حتى تتم تحسين الروابط الحليب من أجل حصول تخثر أحسن، وهو نوعان: الأول تجاري ويحوي الكثير من الشوائب، ويصل سعره 15 شيقلاً للكيلو، أما الثاني فهو الجيد والطبيعي الغذائي النقي 100% يصل سعر الكيلو 150 شيكلاً.

زبائن تشتكي

تقول إحدى المواطنات عن تجربتها مع الجبنة اليدوية: "منذ فترة اشتريت 2 كيلو جبنة، الكيلو الواحد بعشرة شواكل من سيدة في سوق الزاوية، وللأسف بعد يومين أصبحت لزجة وتقريباً ذابت (تلاشت) وأصبحت مليئة بالثقوب".

ويقول مواطن آخر: "لا يستخدمون في البيوت الحليب الصافي بل حليب مؤن ويضيفون له الكلس والخميرة ولا أدري لماذا كما أنهم يستخدمون الحليب البودرة، ولقد أصبت بحمى التيفوئيد وأخبرني الطبيب أنها من الجينة غير النظيفة أو الحليب الفاسد".

بائعة جبنة يدوية

تتحدث البائعة أم باسل حول طريقة صنعها الجبنة اليدوية بالقول: "أستخدم كيس حليب مؤن وثلاثة لترات من الماء وخميرة الجبنة وعصير نصف ليمونة".

"أغلي الماء وأضيف الحليب وباقي المقادير وأحرك حتى الذوبان الكامل ثم أرفعه عن النار ثم يترك لمدة ساعتين لتصبح قرص واحد ثم توضع في شاش نظيفة حتى تتصفى وتصبح قطعة واحدة وتقسم ويضاف إليها الملح حسب الرغبة والماء وأبيع الكيلو بـ 12 شيكلاً"، على حد قولها.   

أين وزارة الصحة؟

يجيب المهندس زكي مدوخ، رئيس قسم مراقبة الأغذية في وزارة الصحة بغزة عن التساؤل بقوله: "الجبنة البلدية المنتجة في المصانع، تتم مراقبتها على مدار ساعة، أسوة ببقية المنتجات الوطنية أو المستوردة من خلال حملات تفتيش الوزارة، حسب الإمكانيات اللوجستية المتاحة عندنا، ولدينا مصانع ملتزمة بكافة الشروط الصحية على مستوى قطاع غزة".

ويضيف: "أما الجبنة التي تقوم بصنعها السيدات في البيوت وتباع في الأسواق فالرقابة تكون صعبة جداً، وبرغم ذلك فنحن على متابعة، ونقوم بأخذ عينات من الأماكن التي تتوفر فيها هذه الجبنة أمامنا، ولكن الأمر صعب بالنسبة لنا ومرهق كعملية فحوصات في الوزارة، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها قطاع غزة من حالات الفقر".

ويؤكد المهندس مدوخ: "ننصح الزبون بعد شراء هذه الجبنة أن يغليها في البيت بطريقة جيدة على درجة حرارة ما فوق 70 درجة مئوية حتى يتفادى أي مشاكل صحية، وإحصائياً فإن العام الماضي لم نجد أي شكوى تتعلق بهذه المنتجات في الأسواق الشعبية".  

هل من رقابة من وزارة الاقتصاد؟

يعلق المهندس زياد أبو شقرة، مدير دائرة حماية المستهلك على هذا الموضوع بالقول: "لدينا رقابة دورية على الجبنة بأنواعها نقوم بها في جميع المحافظات الخمس، ونقوم بسحب عينات دورية للفحص".

"الجبنة البلدية اليدوية معظمها غير مطابقة للمواصفات الفلسطينية لكنها صالحة للاستهلاك الآدمي، وبما أن المواصفات الفلسطينية للأجبان البلدية فيها تشدد فيما يتعلق بعدد الميكروبات المسموح بها في المنتج، فإننا نسمح لهم بصناعتها وبيعها ولا نستطيع كجزء من الاقتصاد الوطني أن نمنع عدد كبير من الذين يعتاشون من ورائها"، على حد قوله.  

ويبين معلومة جديدة مفادها: "يساورنا الشك مؤخراً بأن هناك مصانع بدأت باستخدام المضادات الحيوية، ولكن للأسف لم نستطع كشفها أو إثبات التلاعب فيها فالمضادات الحيوية أخطر من الميكروب ذاته لأن المضاد يقتل البكتيريا الضارة والنافعة معاً وهذا غير صحي".

ويضيف: "بدأ الشك يسارونا حين وجدنا في الأسواق أجبان زيرو ميكروب أي خالية من الميكروب نهائياً، وهو أمر غير منطقي البتة، ويتعللون بالبسترة الجيدة، كما أن إمكانية الفحص لدينا محدودة في هذا المجال".

"في حالة وجود خلل في العينة المراد فحصها يتم الإتلاف وضبط المنتج كإجراء أولي، أما إن تكرر الأمر يتم الضبط والتحويل إلى الدائرة القانونية ويتم التغريم"، وفقاً لحديثه.  

ويؤكد في ختام حديثه: "في المنتج البيتي لا تتم البسترة وهي العملية الضرورية جداً لصناعة الجبن، ففي البيت والمصنع لا يتم غلي الحليب بل يكتفون فقط بالتسخين، والسبب في ذلك هو خوفهم على تكسر الكازيات الموجودة في الحليب، والتي بدونها تفقد الجبنة مطاطيتها ويتم التسخين عند درجة 60 مئوية، ثم يبرد عند 40 مئوية ثم يضاف إليها الأنزيم".

يذكر، أنه من أجل الحصول على كيلو واحد من الجبنة، فإن البائع يحتاج 6 لترات من الحليب البقري الجيد.

التعليقات