لا للرعاية الأميركية
نبض الحياة
لا للرعاية الأميركية
عمر حلمي الغول
عندما قبلت القيادة الفلسطينية بإتفاقية اوسلو عام 1993، وإرتضت بالرعاية الأميركية لعملية السلام، رغم معرفتها المسبقة بطبيعة علاقات الولايات المتحدة الإستراتيجية مع إسرائيل الإستعمارية. ويعلم الفلسطينيون جميعا أن أميركا، هي من ساهم في مدها مع باقي دول الغرب الرأسمالي بكل مقومات البقاء والتفوق، والإنتصار على الجيوش والدول العربية. لم تكن القيادة السياسية تجهل الخلل البنيوي في معادلة الرعاية الأميركية لعملية التسوية السياسية. ولكن شروط اللحظة السياسية، التي أملت قبول ذلك تختلف عما هي عليه الآن. حيث كانت أميركا سيدة العالم بلا منازع، وهي صاحبة الباع الطويل الممسك في مقاليد السياسة في إقليم الشرق الأوسط عموما والعالم العربي خصوصا. أضف إلى ان قيادة م.ت.ف حرصت على إبقاء القضية الفلسطينية على طاولة المشهد السياسي، وجزءا رئيسيا من معادلات الجيوبوليتك في المنطقة، وتجاوز كل الحواجز والعقبات وعوامل التصحر السياسي، التي كانت تعيشها دول وشعوب الأمة العربية بعد إجتياح العراق للكويت، وما تلا ذلك من إنهيارات متلاحقة حتى دخول مرحلة الخريف العربي نهاية 2010 حتى الآن.
مع ذلك تعاملت القيادة الفلسطينية منذ مؤتمر مدريد في 31 إكتوبر 1991 وحتى إعتراف الرئيس ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل الإستعمارية في السادس من ديسمبر 2017 الماضي بمرونة عالية. وقفزت عن الكثير من المكائد والصعوبات، وإجترحت الألغام الإسرائيلية والأميركية طيلة ربع قرن، وتمسكت بخيار السلام، وقبلت بإستقلال فلسطين على مساحة ال22% من فلسطين التاريخية، وقدمت تنازلات أكثر من مجرد القبول بالمساحة المذكورة لصالح دفع عربة السلام للأمام. لكن التراخي والتواطؤ والتساوق الأميركي، والخاصرة العربية الرخوة، وعدم تمكن الأقطاب الدولية الأخرى من فرض إرادتها المتوافقة مع قرارات الشرعية الدولية على دولة الإستعمار الإسرائيلية لفرض التسوية السياسية من خلال إزالة الإحتلال الإسرائيلي، والسماح بإستقلال دولة فلسطين المحتلة في الخامس من حزيران 1967، وضمان عودة اللاجئين على اساس القرار الدولي 194 ، لإنها لم تسطع تجاوز الدور الأميركي، ولإن الوظيفة والدور الأميركي في المسألة الفلسطينية الإسرائيلية لم ينتهِ بعد في ظل التقاسم السياسي بين الأقطاب الدولية، رغم كل التراجع الملحوظ في مكانة ودور الولايات المتحدة على المستوى العالمي، كل ذلك أملى على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التعامل بمرونة شديدة.
غير ان تلك المرونة السياسية تلاشت بشأن الرعاية الأميركية، وليس المرونة نفسها، لإن الرئيس ترامب أسقطها، وليس القيادة الفلسطينية، لإ سيما وأن المقاول ترامب قبل الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، رفض وإدارته الضغط على إسرائيل بوقف الإستيطان الإستعماري، لا بل اعلنوا أن الإستيطان لا يؤثر على المفاوضات؛ ثم لاحقت الإدارة الأميركية المصالح والحقوق الوطنية في المنابر الدولية لصالح إسرائيل؛ وايضا هدد ممثلو الإدارة المؤسسات الدولية بعظائم الأمور إن سمحت بتمرير أي قرار لصالح فلسطين، ويدين إسرائيل، ولم تكتف بذلك بل إنسحبت من منظمة اليونيسكو قبل إسرائيل، لإنها أصدرت عدداً من القرارات أنصفت فيها الحقوق والمصالح الفلسطينية في القدس والخليل وبيت لحم، وإستخدمت حق النقض الفيتو ضد الحقوق الوطنية في مجلس الأمن؛ ولم تلتزم بما وقعت عليه مع الرئيس ابو مازن بشأن مكتب ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن؛ وإصرت على إبقاء سيف الإرهاب مسلطا على رأس منظمة التحرير؛ وإصدر الكونغرس قرارات معادية لفلسطين، منها مشروع القانون المتعلق برواتب الأسرى والشهداء ... إلخ
في ضوء ما تقدم، لم تعد الرعاية الأميركية مقبولة من حيث المبدأ، وإتخذ المجلس المركزي في دورته ال28 الأخيرة قرارا بهذا الشأن. وبالتالي على بعض العرب ان يكفوا عن التدخل في الشأن الفلسطيني. وأن لا يحملوا القيادة الفلسطينية أكثر مما تحتمل. ولم يعد الفلسطينيون ينتظروا صفقة ترامب العقارية. وإذا كان لا بد من رعاية للسلام، فيجب ان تكون رعاية أممية حتى لو كانت أميركا ممثلة فيها، ولكن لا مجال لقبول رعاية أميركية صرفة. لإن الثقة بالدور والرعاية الأميركية إنتهت. ويعلم الأشقاء العرب ان القيادة الفلسطينية تتمسك بشعارها الناظم مع الدول الشقيقة: "عدم التدخل في الشؤون الداخلية العربية"، وعليهم ان لا يتدخلوا في القرار السياسي الفلسطيني. وإذا كان لديهم رأي ما فليقولوه داخل الغرف المغلقة مع القيادة الفلسطينية، لإن إطلاق المواقف في المنابر الدولية وأمام المسؤولين الأميركيين يضر بالمصالح الوطنية الفلسطينية والقومية العربية، ومرفوض فلسطينيا جملة وتفصيلا.
[email protected]
[email protected]
لا للرعاية الأميركية
عمر حلمي الغول
عندما قبلت القيادة الفلسطينية بإتفاقية اوسلو عام 1993، وإرتضت بالرعاية الأميركية لعملية السلام، رغم معرفتها المسبقة بطبيعة علاقات الولايات المتحدة الإستراتيجية مع إسرائيل الإستعمارية. ويعلم الفلسطينيون جميعا أن أميركا، هي من ساهم في مدها مع باقي دول الغرب الرأسمالي بكل مقومات البقاء والتفوق، والإنتصار على الجيوش والدول العربية. لم تكن القيادة السياسية تجهل الخلل البنيوي في معادلة الرعاية الأميركية لعملية التسوية السياسية. ولكن شروط اللحظة السياسية، التي أملت قبول ذلك تختلف عما هي عليه الآن. حيث كانت أميركا سيدة العالم بلا منازع، وهي صاحبة الباع الطويل الممسك في مقاليد السياسة في إقليم الشرق الأوسط عموما والعالم العربي خصوصا. أضف إلى ان قيادة م.ت.ف حرصت على إبقاء القضية الفلسطينية على طاولة المشهد السياسي، وجزءا رئيسيا من معادلات الجيوبوليتك في المنطقة، وتجاوز كل الحواجز والعقبات وعوامل التصحر السياسي، التي كانت تعيشها دول وشعوب الأمة العربية بعد إجتياح العراق للكويت، وما تلا ذلك من إنهيارات متلاحقة حتى دخول مرحلة الخريف العربي نهاية 2010 حتى الآن.
مع ذلك تعاملت القيادة الفلسطينية منذ مؤتمر مدريد في 31 إكتوبر 1991 وحتى إعتراف الرئيس ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل الإستعمارية في السادس من ديسمبر 2017 الماضي بمرونة عالية. وقفزت عن الكثير من المكائد والصعوبات، وإجترحت الألغام الإسرائيلية والأميركية طيلة ربع قرن، وتمسكت بخيار السلام، وقبلت بإستقلال فلسطين على مساحة ال22% من فلسطين التاريخية، وقدمت تنازلات أكثر من مجرد القبول بالمساحة المذكورة لصالح دفع عربة السلام للأمام. لكن التراخي والتواطؤ والتساوق الأميركي، والخاصرة العربية الرخوة، وعدم تمكن الأقطاب الدولية الأخرى من فرض إرادتها المتوافقة مع قرارات الشرعية الدولية على دولة الإستعمار الإسرائيلية لفرض التسوية السياسية من خلال إزالة الإحتلال الإسرائيلي، والسماح بإستقلال دولة فلسطين المحتلة في الخامس من حزيران 1967، وضمان عودة اللاجئين على اساس القرار الدولي 194 ، لإنها لم تسطع تجاوز الدور الأميركي، ولإن الوظيفة والدور الأميركي في المسألة الفلسطينية الإسرائيلية لم ينتهِ بعد في ظل التقاسم السياسي بين الأقطاب الدولية، رغم كل التراجع الملحوظ في مكانة ودور الولايات المتحدة على المستوى العالمي، كل ذلك أملى على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التعامل بمرونة شديدة.
غير ان تلك المرونة السياسية تلاشت بشأن الرعاية الأميركية، وليس المرونة نفسها، لإن الرئيس ترامب أسقطها، وليس القيادة الفلسطينية، لإ سيما وأن المقاول ترامب قبل الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، رفض وإدارته الضغط على إسرائيل بوقف الإستيطان الإستعماري، لا بل اعلنوا أن الإستيطان لا يؤثر على المفاوضات؛ ثم لاحقت الإدارة الأميركية المصالح والحقوق الوطنية في المنابر الدولية لصالح إسرائيل؛ وايضا هدد ممثلو الإدارة المؤسسات الدولية بعظائم الأمور إن سمحت بتمرير أي قرار لصالح فلسطين، ويدين إسرائيل، ولم تكتف بذلك بل إنسحبت من منظمة اليونيسكو قبل إسرائيل، لإنها أصدرت عدداً من القرارات أنصفت فيها الحقوق والمصالح الفلسطينية في القدس والخليل وبيت لحم، وإستخدمت حق النقض الفيتو ضد الحقوق الوطنية في مجلس الأمن؛ ولم تلتزم بما وقعت عليه مع الرئيس ابو مازن بشأن مكتب ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن؛ وإصرت على إبقاء سيف الإرهاب مسلطا على رأس منظمة التحرير؛ وإصدر الكونغرس قرارات معادية لفلسطين، منها مشروع القانون المتعلق برواتب الأسرى والشهداء ... إلخ
في ضوء ما تقدم، لم تعد الرعاية الأميركية مقبولة من حيث المبدأ، وإتخذ المجلس المركزي في دورته ال28 الأخيرة قرارا بهذا الشأن. وبالتالي على بعض العرب ان يكفوا عن التدخل في الشأن الفلسطيني. وأن لا يحملوا القيادة الفلسطينية أكثر مما تحتمل. ولم يعد الفلسطينيون ينتظروا صفقة ترامب العقارية. وإذا كان لا بد من رعاية للسلام، فيجب ان تكون رعاية أممية حتى لو كانت أميركا ممثلة فيها، ولكن لا مجال لقبول رعاية أميركية صرفة. لإن الثقة بالدور والرعاية الأميركية إنتهت. ويعلم الأشقاء العرب ان القيادة الفلسطينية تتمسك بشعارها الناظم مع الدول الشقيقة: "عدم التدخل في الشؤون الداخلية العربية"، وعليهم ان لا يتدخلوا في القرار السياسي الفلسطيني. وإذا كان لديهم رأي ما فليقولوه داخل الغرف المغلقة مع القيادة الفلسطينية، لإن إطلاق المواقف في المنابر الدولية وأمام المسؤولين الأميركيين يضر بالمصالح الوطنية الفلسطينية والقومية العربية، ومرفوض فلسطينيا جملة وتفصيلا.
[email protected]
[email protected]

التعليقات