حملة "شتاء دافئ في فلسطين" تشق طريقها إلى الأغوار الشمالية

رام الله - دنيا الوطن
الأغوار الشمالية-لم يكن الانتشار المكثف لجيش الاحتلال وخطر المناورات العسكرية التي يجريها بالذخيرة الحية في مواقع متفرقة من الأغوار الشمالية، ليمنع طواقم هيئة الأعمال الخيرية لمكتب أستراليا من أن تشق طريقها إلى قلب تلك المنطقة لتقدم مساعدات عينية متنوعة لصالح العائلات البدوية المنكوبة في خربة حمصة الفوقا، وذلك في إطار حملة "شتاء دافئ في فلسطين"، والتي أطلقتها الهيئة عشية فصل الشتاء الحالي.

وحطت طواقم الهيئة، رحالها في هذه الخربة التي تعيش فيها نحو 20 عائلة بدوية منذ القدم، وتراجع عدد العائلات البدوية فيها بشكل كبير، جراء المضايقات اليومية التي تتعرض لها من قبل سلطات الاحتلال، شأنها في ذلك شأن الغالبية العظمى من العائلات الفلسطينية المستهدفة بالترحيل، ضمن مخطط إسرائيلي يهدف إلى اجتثاث الوجود الفلسطيني في أراضي بوابة فلسطين الشرقية.

تجمع مهدد بالهدم

وما إن حطت قافلة هيئة الأعمال الخيرية الرحال على مشارف هذه الخربة المهددة بالمسح من على وجه الأرض، حتى حظيت باستقبال العائلات البدوية التي يلازمها شعور أنها تعيش في منطقة نسيها الزمن، وسرعان ما تتحول إلى منطقة معزولة كليا عن محيطها خلال فصل الشتاء، حيث تتحول الطرق الترابية المؤدية إليها إلى أكوام من الوحل المتحرك.

وبحسب مفوض عام هيئة الأعمال الخيرية في فلسطين، إبراهيم راشد، فإن طواقم الهيئة قدمت مساعدات عينية متنوعة للعائلات البدوية التي تعيش في ظل ظروف صعبة للغاية، ومعاناتها لا تعرف حدودا جراء استهدافها المباشر والدائم من قبل الاحتلال، من أجل ترحيلها عن أرض الآباء والأجداد.

وأكد راشد، أن هيئة الأعمال الخيرية، حرصت على استهداف تلك العائلات المحرومة من أبسط مقومات الحياة الآدمية، في مساكن مغطاة بالصفيح وخيام لا تقيها حر الصيف ولا تمنع عنها برد الشتاء، وذلك في إطار التوجه العام للهيئة لمد يد العون لتلك العائلات وتعزيز صمودها.

طرق من الوحل

وواجهت طواقم هيئة الأعمال الخيرية، صعوبات جمة حتى تمكنت من الوصول إلى خربة حمصة الفوقا، حيث الانتشار المكثف لجيش الاحتلال، والتدريبات العسكرية التي يجريها بالذخيرة الحية في محيط الخربة وبالقرب من مساكنها، فقطعت عدة كيلومترات وشقت طريقها في طرق من الوحل، وهدفها الإنساني الأول والأخير الوصول إلى العائلات البدوية المنكوبة، وتحقيق هدفها المنشود في مد يد العون والمساندة للقاطنين في تلك التجمعات من البدو الذين قست عليهم ظروف الحياة.

وأضاف راشد، إن هيئة الأعمال تسعى جاهدة إلى مد يد العون للمئات من العائلات التي تقطن في مناطق تفتقر للكثير من مقومات الحياة، في إطار حملة "شتاء دافئ في فلسطين"، والتي أطلقتها عشية فصل الشتاء، واستفاد منها عددا كبيرا من العائلات.

مساكن من الصفيح والخيام

وقال: "نحرص من خلال هذه الحملة إلى مد يد العون لكل محتاج بقدر ما نستطيع، مع التركيز على التجمعات البدوية في الضفة الغربية بما فيها الأغوار، حيث يعيش الفلسطينيون في مساكن من الصفيح والخيام، ويفترشون الأرض ويلتحفون السماء، وليس لديهم المأوى البديل والمناسب، فكان لزاما على هيئة الأعمال الخيرية التدخل الفوري والفاعل من خلال مدهم بما أمكن من أسباب الصمود".

ورافق طواقم هيئة الأعمال الخيرية، أمين سر لجنة زكاة طوباس المركزية، فواز أبو دواس، ومنسق ملف الأغوار في محافظة طوباس، معتز بشارات.

ورأى أبو دواس، في استهداف العائلات البدوية في الأغوار من قبل هيئة الأعمال الخيرية، بمثابة مبادرة إنسانية رائدة في الوقوف إلى جانب العائلات البدوية التي تئن تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية، وهي بحاجة إلى كثير من التدخلات التي من شأنها أن تسهم في تعزيز صمودها بوجه محاولات اقتلاعها من تلك المنطقة الإستراتيجية.

حراس الأرض

أما بشارات، فقال، إن مجرد التفكير في الوصول إلى مثل هذه التجمعات التي تعتبر بمثابة حارس الأرض الفلسطينية، أمر يستحق الاحترام والتقدير، حيث تعيش العائلات أوضاعا صعبة للغاية ليس باستطاعة أحد تحملها.

وراح الستيني علي أبو الكباش، يتحدث لطواقم هيئة الأعمال الخيرية عن ما وصفه بالجحيم الذي تعيش فيه العائلات البدوية، بكلمات وعبارات كانت تقطر ألما وحرقة على ما آلت إليه أوضاع أهالي خربة حمصة الفوقا، في ظل تصاعد الاعتداءات التي ينفذها جيش الاحتلال ضد القاطنين في هذا التجمع الغوري الصغير الذي يعيش على وقع ممارسات يومية تسعى لاقتلاع المواطنين منه.

وأشار أبو الكباش والذي كان يعتمر الكوفية البيضاء، إلى أن 20 عائلة بدوية تعيش في هذه الخربة يقدر عدد أفرادها بنحو 200 نسمة يعيشون فصولا سوداء في كل يوم تجعلهم رهائن لفنون جديدة من عدوان الاحتلال، وتنغص عليهم حياتهم بكل تفاصيلها.

وقال، إن ممارسات الاحتلال في هذه المنطقة بدأت منذ العام 1967، لكنها تتواصل بأشكال قاسية جديدة كل فترة، وتشبه في كثير من تفاصيلها أفلام رعب ليست لها نهاية، وضحيتها الأطفال والنساء والشيوخ من البدو الذين يعيشون هناك منذ القدم.

نكبات ونكسات

وتابع: "جاء والدي فريج إلى المنطقة العام 1950 من بلدة السموع في محافظة الخليل، وأقام تجمعا في حمصة الفوقا، لكن النكسة والسنوات التي تلتها، جعلتنا نذوق العلقم من الاحتلال، وانقلبت حياتنا إلى جحيم بكل معنى الكلمة".

ووفق أبو الكباش، فإن ممارسات الاحتلال بدأت في العام 1969 بإطلاق جنود الاحتلال النار على قطعان الأغنام في حمصة الفوقا ومناطق عين البيضاء وعين شبلي، حين كان هو ورفاقه الرعاة يقصدون ينابيع المياه ويبحثون عن المراعي.

وأضاف: "بعدها أصبحنا نتعرض للاعتقال ونحن نرعى أغنامنا، فكانت دوريات الاحتلال تلاحقنا وتنقلنا إلى أريحا، وتعقد لنا محكمة عسكرية سريعة، وندفع غرامات كبيرة كانت تصل إلى 400 دينار، وحين انتهوا من هذا الفيلم صارت الطائرات تلاحقنا في الجبال، وتعتقل من تصل إليه، وتحتجزه في أريحا عدة أيام".

ووالى: "اليوم أصبحوا يسلبون منا النهار ويجبروننا على إخلاء مساكننا بحجة التدريبات العسكرية، ويختار الاحتلال التدريب أوقاتا إما في عز الصيف ودرجات الحرارة تفوق الأربعين، أو في الشتاء والبرد لإخراجنا من مساكننا، وهم يحولون حياتنا إلى جحيم يومي، ويمرمرون عيشتنا، ويهدفون من وراء ذلك إلى ترحلينا".

"أفلام الاحتلال"

وأشار أبو الكباش وهو أب لابنتين وولد واحد، إلى أن ما وصفها ب"أفلام الاحتلال" متواصلة، حيث هدم الجنود منزله وبركسات أغنامه العام 1998 أول مرة، وكرر فعلته العام 2014، وصادر الكثير من مقتنياته، ومنع سيارات المساعدات من الوصول إليه.

وأكد، أن المساعدات العينية التي تسلمها من طواقم هيئة الأعمال الخيرية، جعلت العائلات البدوية في هذا التجمع الغوري الصغير، تشعر أن هناك مؤسسات وجهات تحرص على أن تتلمس احتياجاتها، وهو أمر من شأنه أن يرفع من معنويات تلك العائلات التي لا حول لها ولا قوة، وتبحث عن أمن مفقود.