مباشر | الجمعة الرابعة لمسيرة العودة الكبرى "جمعة الشهداء و الأسرى"

46 عاماً على اغتيال الدبلوماسي الفلسطيني محمود الهمشري

46 عاماً على اغتيال الدبلوماسي الفلسطيني محمود الهمشري
محمود الهمشري
رام الله - دنيا الوطن
في حدود التاسعة من صباح الثامن من كانون الثاني/يناير للعام 1972، في شارع دالسيه 175 في باريس، انفجرت شحنة ناسفة وضعها الموساد الاسرائيلي، في هاتف الدبلوماسي الفلسطيني محمود الهمشري (35 عاما)، ليصاب بجروح بالغة، أستشهد على أثرها بتاريخ 10 كانون ثاني/ يناير1973، في مستشفى كوشان بالعاصمة الفرنسية باريس.

ولد الهمشري عام 1938 في قرية أم خالد المهجرة، غرب طولكرم، حصل على رتبة الدكتوراه في التاريخ، وهو أول معتمد لإقليم حركه فتح في فرنسا، جاءها قادماً من الجزائر، مُكلفاً من الشهيد أبو جهاد بمهمة تنظيم الوضع الفلسطيني، وخاصة الطلابي (الوجود الفلسطيني في تلك الفترة كان بمعظمه وجودا طلابيا، ولا يتعدى المئة شخص على كامل الساحة الفرنسية)، وأول ممثل (غير رسمي)  لمنظمه التحرير الفلسطينية في فرنسا، والتي لم تكن بعد قد حصلت على الاعتراف بها كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، وأسس فرع الاتحاد العام لطلبة فلسطين في فرنسا عام 1968، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الرسمية

اتهمه الموساد بالمسؤولية غير المباشرة عن عملية ميونخ، وهي عملية احتجاز رهائن إسرائيليين، حدثت أثناء دورة الأولمبياد الصيفية المقامة في ميونخ في ألمانيا من 5 إلى 6 ايلول سنة 1972، نفذتها منظمة "أيلول الأسود"، وكان مطلبهم حينذاك الإفراج عن 236 معتقلاً في السجون الإسرائيلية، معظمهم من العرب بالإضافة إلى "كوزو أوكاموتو" من الجيش الأحمر الياباني.

انتهت العملية بمقتل 11 رياضياً إسرائيلياً واستشهاد 5 من منفذي العملية، وشرطي وطيار مروحية ألمانيين، واعتقال 3 منفذين، أطلقت ألمانيا سراحهم في 29 تشرين الأول سنة 1972، إثر عملية خطف لطائرة تعود لشركة "لوفتهانزا" الألمانية، كانت متوجهة من بيروت إلى ألمانية الاتحادية.

في كتابه، "حياتي من النكبة الى الثورة" يكتب نبيل شعث: أصدرت غولدا مائير رئيسة وزراء الاحتلال قرارها بتصفية أعلام المثقفين، والكتاب الفلسطينيين، عبر الرسائل، والطرود، والسيارات الملغومة، وقتل كل من تقول الموساد الإسرائيلي أن له علاقة بأيلول الأسود، واقرت خطة ارهابية لذلك.

مائير أطلقت على تلك العملية اسم "غضب الرب"، بعد أن شكلت لها لجنة خاصة، عرفت باسم اللجنة (x)، بقيادتها، وبمشاركة موشي ديان، وكلفت قتلة الموساد بتنفيذها بقيادة الجنرال أهارون ياريف، وتولى رئيس الموساد في زامير القيادة المركزية للعمليات، ومايكل هاراري القيادة الميدانية.

كان هدف العملية الانتقام من قتلة الرياضيين الاسرائيليين في ميونخ، وانطلقت في تشرين الأول عام 1972 مستهدفة قادة منظمة التحرير الفلسطينية، وأعضاء منظمة أيلول الاسود، وبخاصة اولئك الذين ساهموا بالإعداد، أو التنفيذ، واستمرت العملية مدة 20 عاما، اعتبر اغتيال الشهيد عاطف بسيسو في باريس، آخر أهدافها.

في النهاية، لم تنجح اسرائيل بقتل أي من قادة أيلول الأسود، فقد فشلت محاولة اغتيال محمد داود عودة (أبو داود)، أو صلاح خلف أبو إياد، وكان عاطف بسيسو هو الوحيد من المشاركين في عملية ميونيخ الذي تم اغتياله بعد عشرين عاما في باريس، كما انه ليس صحيحا انهم نجحوا في اغتيال الفدائيين الناجين من عملية ميونيخ، فعملية غولدا مائير لم تقتل الا شخصيات سياسية، وثقافية، لا علاقة لها بالعملية، أو كان لها دور ثانوي في قيادة منظمة التحرير.

 وقد أكد ذلك الكاتب الاسرائيلي كلاين، كما أكده كتاب جوناس "الانتقام" الذي بني عليه فيلم "سبيلبيرج" الشهير "ميونيخ"، حاولت اسرائيل في البداية تجسيد فكرة الانتقام بإطلاق 11 طلقة على كل ضحية فلسطينية اغتالوها، تمثل عدد الرياضيين الذين قتلوا في العملية، ولكن الهدف الإسرائيلي الحقيقي كان استخدام ميونخ ذريعة لاغتيال قادة الثورة الفلسطينية، ومثقفيها، وبث الرعب في القلوب، بإشاعة فكرة ان اسرائيل قادرة على الوصول الى أي قائد فلسطيني، والقضاء عليه في أي مكان يذهب اليه.

في 17 تشرين الأول عام 1972 سقط وائل زعيتر الشهيد الأول في الهجمة الارهابية الاسرائيلية بإحدى عشرة رصاصة أطلقها قتلة الموساد الأحد عشر في ظهره أمام مصعد بنايته.

وزعيتر لم تكن له علاقة بأيلول الأسود، أو عملية ميونخ، كان شاعرا ومفكرا ووطنيا فلسطينيا، جند الأدباء الإيطاليين، وفي مقدمتهم البرتو مورافيا، الذي حضر معه ندوة في الكويت للدفاع عن الشعب الفلسطيني.

 وفي 22 تشرين الثاني 1972 انفجرت عبوة ناسفة في وجه أحمد وافي "أبو خليل"، ممثل فتح ومنظمة التحرير في الجزائر، ثم حسين أبو الخير الممثل في قبرص، وباسل القبيسي ومحمود بوضيا في باريس وفي9 آذار 1973 استشهد محمد الأسود (جيفارا غزة) أحد اهم قادة الجبهة الشعبية في غزة، وفي 10 نيسان 1973 استشهد ثلاثة من كبار منظمة التحرير، وهم: كمال عدوان، وكمال ناصر، وأبو يوسف النجار.

وحسب ما ورد في كتاب شعث، كانت مهمة الهمشري التحدث والاجتماع بكل من يعنيهم شأن القضية الفلسطينية، لم يكن له حراس، ولا يشعر أن أحدا يراقبه. دعاه أحد الصحفيين الايطاليين لتناول فنجان قهوة بالقرب من منزله في الضفة اليسارية، ووجه له أسئلة مريحة، ثم افترقا بعد ساعتين، التقى به للتأكد من عنوانه ورقم هاتفه، والصحفي هو أحد مقاتلي وحدة قيسارية، طلب هراري قائد وحدة قيسارية مساعدة وحدة كيشت التابعة للموساد، الموساد اتهم الهمشري بالتورط في تفجير طائرة سويس اير في 11 شباط 1970، والتي كانت في طريقها من زيوريخ إلى تل أبيب،وأنه شريك غير مباشر في محاولة اغتيال ديفيد بن غوريون في الدنمارك 1969، وتمويله لخلية ميونيخ بالأسلحة والعتاد.

وبحسب كتاب "حروب الظلال الإسرائيلية وسياسة الاغتيالات" الصادر عن دار الجليل: عندما كان ذلك الصحفي يجالس الهمشري، كان مقاتلو كيشت يقفون خارج شارع دالسيه بينما كانت خلية المراقبة تتابع زوجته الفرنسية ماري كلود وابنته أمينة التي لم تتجاوز عامها الأول، وعندما أعلنت خلية كيشت أنها بعيدة عن البيت، اقتحم أعضاء الخلية الشقة، كان هذا الاقتحام الثاني للشقة، حيث قاموا في الاقتحام الأول بتصويرها من جميع الجوانب، ثم قام مقاتلو قيسارية بتحليل الصور، وأكدوا على أن أفضل وسيلة لتصفية الهمشري هي زرع عبوة ناسفة، فقد أشارت الصور الى أن الهمشري اعتاد العمل في زاوية معينة من الشقة بجوار طاولة الكتابة، وفي ساعات الصباح تخرج زوجته وابنته من الشقة، ويبقى هو وحده، وقد قام أحد خبراء الموساد بوضع لوح متفجرات بلاستيكي دقيق تجت جهاز التليفون، وقد أعدت العبوة بحيث يتم تفعيلها باستخدام اشارت رمزية الكترونية يتم التقاطها من قبل هوائي صغير، والذي يقوم بدوره بإرسال تيار كهربائي الى المادة المتفجرة، وكان القتلة يريدون فقط سماع صوته لمعرفة أنه في البيت، وكان أقصى مدى لجهاز الارسال الذي سيبث الرمز الالكتروني خمسمائة متر في خط هوائي دون عوائق.

وبعد أن تأكد خبير المتفجرات أن كل شيء في مكانه الذي كان عليه، خرج من الشقة، دون أن يترك أيه أثار، وفي صبيحة اليوم التالي، الموافق الثامن من كانون الأول، وبعد بضع دقائق من الساعة الثامنة خرجت ماري كلود، ومعها أمينة.

كان هراري وزمير وعدد من الطاقم التنفيذي ينتظرون في شقة سرية على بعد قليل من شقة الهمشري، وقد أفاد طاقم المراقبة أن الهمشري عاد إلى سريره في أعقاب خروج زوجته للعمل، فأدار الصحفي رقم هاتف الهمشري، وسمعه يرن ثلاث مرات، وعندما سمع صوتا يقول: هلو: فقال الصحفي: هل من الممكن أن أتحدث مع الدكتور الهمشري؟ فرد الهمشري قائلا: إنه يتكلم، فقام أحد أعضاء الطاقم بضغط رمز الكتروني، فقطع الانفجار الهدوء الباريسي السائد، ما أدى الى إصابة الهمشري بجروح خطيرة، وتدمير الشقة كليا.

التعليقات