خطاب الأزمة أم أزمة الخطاب؟

خطاب الأزمة أم أزمة الخطاب؟
بقلم / د.محمود عبد المجيد عساف

عضو الشبكة العربية للرأي والثقافة والغعلام

إن أبرز ملامح الوجع في هذا المجتمع المكلوم ما يحمله النسيج المجتمعي من تفكيكات، وخلخلة في نظمه الفكرية والثقافية، حيث نعيش فيه أسرى حالة حصار مزدوجة: أولها حصار الذوات لنفسها نتيجة عوامل ومتغيرات داخلية شكلت بيئة مضطربة متسمة بأزمات مفتوحة، وثانيها: حصار خارجي يرتبط بصورتنا في عيون العالم الخارجي والآخرين .

ولعل المؤسف، أن يكون هناك ثمة ظواهر تجتاحنا الآن وتنذر بخطر ما هو قادم، ومن هذه الظواهر تشكيل القيم حسب المصالح، وانحسار الفائدة في المصالح الضيقة، وغياب الدهشة عند الانتهاك لحقوق الآخرين سواء لدى الصفوة أو عوام الناس المثقلين بهموم العيش اليومي، إلى الحد الذي قد تجزم فيه أن البعض يعيش في كوكب آخر.

إن ما آلت إليه الأحوال في هذا المجتمع بعد سنوات من الضياع والتلاشي والتفتت، جعلت الناس مسيرين لنظام من العقائد والأهواء السياسية والفكرية، مما ساعد على انتشار السلبية واليأس والإحباط، وانتشار ما نسميه (خطاب الأزمة)، وهو ما قد يكون ناتج عادة عن فقدان الأمل والثقة في أصحاب القرار، وقدرتهم على تحقيق الحد الأدنى مما وعدوا به، فأتقنوا أزمة الخطاب من خلال خطاب الأزمة .

وبتحليل بسيط، ورؤية ليست معمقة بالقدر الكافي يلاحظ القارئ أن خطاب الأزمة (خطاب اليأس) يستخدمه رجال السياسة بهدف امتلاك حيز الحضور المجتمعي، والاستفادة من الأعصاب المرهقة في الوقت الذي يطرحون من خلاله التغيير بهدف الاستفادة من الوتر الذي يشتهي الشد.

كما أن حالة الاستحواذ على المصالح، لم تجعل ترويح خطاب الأزمة (اليأس) من أولويات رجال السياسة فقط بل امتد إلى الأكاديميين والمثقفين، من خلال تمثل حالة الولع الجامح بمسح الجوخ من جهة، والعويل والهجاء عوضاً عن مكابدة المشاق في تغيير الواقع والمنافسة الشريفة من جهة أخرى، فيكونون المصدر الأول لأزمة الخطاب دون تطور يذكر .

يقول أندريه تاركوفسكي: (إن أكثر الناس حرية هم الذين لا يطالبون الحياة بشيء، ولا يلزمون غيرهم بمطالب ومسؤوليات من اختصاصهم)، وهذا القول يوضح مدى العبودية – عبودية المال والجاه- التي تطغى على من يجب أن يكونوا دعاة للحرية، فيمعنون في الفساد السياسي والاجتماعي والمهني معلنين رايات البراءة والكفاءة والوطنية، ويتحول الكسالى والمتسلقين إلى كفاءات راح ضحيتها الكثير من المصالح العامة، والنتيجة: انهيارات في الصورة الذهنية، سلوك مراوغ يخالف القول، أكاذيب وفقدان للقيم في حياتنا، صخب في الكلمات المزورة، واغتيال للعقول.

ورغم تغلغل حالة اللامبالاة والسلبية، والشعور باللاجدوى في حياة البسطاء، إلا أن هذه الحالة لم تحرك قلوب المستغلين، ولم تردعهم عن استغلالهم لخطاب الأزمة (ترويج اليأس) للوصول إلى أهدافهم الضيقة، واعتبروها طريقة مشروعة للصعود إلى القمة.

إنها الغوغائية يا سادة... الغوغائية التي تقوم على هجاء الواقع والاستثمار فيه، واللجوء إلى التبسيط، وإفقاد الناس القدرة على التحليل والتشخيص الدقيق لمكونات المشكلة، فيتربع أصحابها على المجد ويتسورون بإطارات الوطنية، والنخبوية، ويموت الآخرون تفكيراً بلقمة العيش .

التعليقات