مرايا الحب

مرايا الحب
بقلم د يسر الغريسي حجازي

03.01.18

مرايا الحب

"كل السعادة التي لا يمكن تقاسمها ليست السعادة الحقيقية".

أنطوان كلود غابرييل؛ كنز الأفكار    

 (1852)

هل نواجه ظاهرة اجتماعية جديدة مفرطة؟ لماذا نحن بحاجة إلى إعطاء الهدايا لأطفالنا في كل وقت؟ ماذا يحتاجون ابنائنا حقا؟ لقد عاش والداينا بحرية أقل بكثيرمما نحن عليه الان، وبدون تكنولوجيا. لكنهم يقولون ان ايامهم كانت أكثر سعادة، ومتطلباتهم في التمتع بحياتهم كانت أقل بكثير من رغباتهم. هل اليوم فقدنا ابنائنا واهم ما بنوه اهالينا من قيم و اخلاق؟، و كيف يمكن تلبية رغباتهم واقناعهم بالتقليل من استعمال التكنولوجيات؟ الا انها تغطى معظم اوقاتهم وفي اي وقت من النهار. عندما نعلم أننا نقاتل الزمان،وننضال بشراسة ونجهد كثيرا للوصول الي تزويد الدخل الشهري، ونرتعب كثيرا من عدم القدرة على تغطية جميع نفقاتنا التي أصبحت بمثابة طائفة مقدسة، لا يمكننا الاستغناء عنها

 في حين أن والدينا عاشوا في ظروف أكثر بساطة، وكانت مشترياتهم أقل بكثير مما يكسبوه، وتمكنوا من شراء منزل الأسرة، والمصاريف الاخري. وها نحن نقاتل ضد هذه الظاهرة المقيتة ليلا ونهارا، ولن نفكر إلا في المال، وإلى النقطة التي لم نعد نعرف فيها أولوياتنا، مثل: شراء أحدث طراز للهواتف المحمولة لأبنائنا، أو توفير المال لشراء ما تحتاجه كل الاسرة؟ وكلما كسبنا المزيد من المال، كلما هدرنا المزيد دون معرفة كيف أو لماذا؟ هناك دائما أحد من الابناء الذي يطلب منا المال، مرارا وتكرارا، لأي سبب من الأسباب. هل أصبحنا عبيد رغبات عائلية لا تتوقف أبدا؟ أم أننا أمام معتقدات جديدة؟ لإعطاء المال لأطفالنا في مقابل 

حبهم لنا؟ نحن بحاجة إلى أن نعرف لماذا لدي أبنائنا ضرورة إلى إنفاق المال ,او لأية ذريعة؟ ولكن ما المتعة التي يجدوا هناك؟ كما ان هذه النفقات في نهاية المطاف تلقي حذفها في معظمها في سلة المهملات، أو في اي زاوية من المنزل 

في الواقع، لم نعد قادرين على العثور على نقاط التفاهم مع أبنائنا، الذين يعتقدون أننا كبرنا في السن و لم نفهم احتياجاتهم ولا رغباتهم، أو ان حياتهم صعبة بما فيه الكفاية, لاجبارهم علي حضور المناسبات العائلية: مثل الزيارات الرسمية لشخص مريض، أو لحضور عشاء عائلي مع أصدقاء العائلة. مما يدفعنا الي برم اتفاق مع ابنائنا، مثل:إذا جلست معنا اليلة مع ضيوفنا، ساعطيك مكافأة وزيادة في المال على مصروف جيبك الشهري 

يجب علينا أيضا أن نعرف لماذا، أطفالنا لا يريدون حضور الاحتفالات ذو الطابع الديني، لمجرد التعامل مع أصدقائهم. لماذا أطفالنا يفضلون  أن يقضوا اوقات مملة في بيوت أصدقائهم، و ليس مع الاسرة؟ وكانه هناك حاجة دائمة إلى الخروج , وطريقتهم في الخروج ميكانيكية وكان هناك شيئا معينا يدفع بهم الي نزوات مقلقة, كما انها لا تفارقهم. على سبيل المثال، أبنائنا لا ينظرون الي الزواج وفقا عاداتنا مثل تاسيس اسرة، بل بالأحرى يريدون شراكة اخري تنبني علي الحقوق وتقاسم الادوار. وهذا مفهوم اخر لحالة الزواج تلغي المفاهيم البالية, وتجلب ثقافة جديدة, ومعني جديد للحب, والقيم, والأخلاق 

وداعا لتقاليدنا الجميلة الداعية لجمع شمل الأسرة. انها حقيقة و واقع، و عدم قدرة على وقف هذه الظاهرة، التي صفعت كل القوانين والعادات التي كنا نخضع اليها مثل العسكر علي جبهة النضال في سبيل الوئام الاسري, والاجتماعيي, والسياسي. نحن نخاف حتي من إيذاء أبنائنا, وإفساد مرحهم. في حين كنا نعاقب كثيرا وبشدة من قبل والدينا, الذين كانوا غالبا يردون علينا بكلمة لا. لقد تعلمنا احترام الأوامر العائلية, والاتفاقيات ,والاسمتاع بالقليل ما لدينا. على المستوى النفسي، هل نحن أمام احتياجات عاطفية اخري؟ نعم بلا شك, انها مطالب للحب و احتياجات عاطفية جديدة يحتاجونها ابنائنا، تماما مثل احتياجاتنا الفسيولوجية للأغذية. نحن في الواقع أمام مرايا الروح التي تطالب بالمزيد من التواجد والمرافقة و، و نحن في بعض الأحيان غير قادرين على منحها. كما ان العناق ليس كافيا، ولا حتى الدعم النفسي، وهناك أكثر من ذلك 

كل شيء يرمز إلى المادة، وطعم الاشياء الفاخرة والتي تمنحنا سعادة خاطفة, و مزيد من الطمع والعبودية لاشياء ليس لها معني. انها بمجرد متعة سريعة الزوال وغير حقيقية. هل المال له روح؟ نفسا؟ لا طبعا, انه لا يتنفس, ولا يتحرك. انه بدون روح  وعديم الجدوى، وقابل للزوال, ودون الأخلاق. ذلك ما لزم ان نعلمه لابنائنا

كل شيء يرمز إلى المادة، وتكلفة الترف الذي ينزع منا الروح والسعادة ويمنحنا فقط المزيد من الضرر. ان الماديات مجرد متع غير واضحة، وتعمل علي الادمان و فقد القيمة والقيم. هل المال له روح او نفسا؟ طبعا لا فهو عديم الجدوى، وشيطان يعمل علي زوال الانسانية والمحبة

الام هي الوحيدة التي يمكنها تعلم أطفالها الاستمتاع بنعم الحياة، ومنحهم الحضن الدافيء، والثقة بالنفس، والشعور بأنه يمكن الاعتماد عليها. ان أطفالنا بحاجة إلى الدفئ والاستقرار، و إلى السلام العائلي. فإن البيئة الأسرية المعادية, تعزز انعدام الأمن لدى الأطفال، والإحباط خاصة خلال فترة المراهقة. إن عادات الاكل الجماعي, واهتمام الوالدين بتقسيم الواجبات المنزلية بين افراد الاسرة, امر مهم لأنه يعطي إيقاعا للحياة الأسرية. كما ان مرافقة الطفل تمنحه الاعتيادد على الاستقرار، والامن الأسري، و طعم الحياة. والاهم, اظهار المودة لأطفالنا، واحاطتهم بالحب والرعاية, تبني لديهم الطمأنينة والفكر الإيجابي حول ما يجدوه صعب في تحقيقه. ومع ذلك، ان الاعتراف بتقدمهم ومواهبهم، هو خطوة نحو نجاحهم في حياتهم. ولكن أيضا, يجب علينا ان نبعد من الدراما, وتجنب رشقات الغضب النارية في الأسرة, حتي لا تجعل ابنائكم يريدون قضاء المزيد من الوقت خارج البيت.

السعادة التي تنبع من المال تذهب أسرع من رائحة العطور. كما ان تقاسم السعادة الحقيقية، يفترض، ويخلق القيم الجوهرية التي تعزز المعتقدات الأصيلة

التعليقات