كيمياء السعادة

كيمياء السعادة
بقلم د.ي. الغريسي حجازي
 27.12.17

كيمياء السعادة

يجب على الموسيقار ان يعزف، وعلي الفنان أن يرسم، وعلي الشاعر أن يكتب. ما يمكن أن يكون الرجل، يجب أن يكون ".
-ابراهيم ماسلو-

السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن: لماذا نحن غير قادرين على السعادة؟ كيف يمكن العثور عليها، وأين يجب البحث عنها؟ يجب اولا أن نبدأ في فهم كيفية تلقين العقل من قبل ما يعيشه البشر. نحن نتاثر مباشرة من أنشطتنا اليومية، وعواطفنا تشير الي تفاعلاتنا الكيميائية ومهاراتنا في التفكير المعرفي.
وقد وصف المفكر محمد الغزالي أحد أهم المراجع الإسلامية والروحية في الكتابات الإسلامية الشهيرة، بأنه "دليلا على الإسلام". لقد أمضى حياته في قراءة وتأمل كتابات إسلامية منذ بداية الإسلام ،وفي الأراضي الإسلامية. وكان الغزالي يحاول تفسير طبيعة العالم دون آثاره الخارجية، وقال في اقتباسه الشهير: "من خلال اكتشاف العلم، أسمع ارتفاع الضوء في القلب عند تنقيته. تضيء العديد من الحقائق الخلط، وعندما يحدث 
هذا، هناك حقيقة أن المعرفة تنشأ ... وكذلك التأمل دون أدنى شك ".
 
كان الغزالي على يقين من أن الصوفيون ليسوا أشخاصا يناقشون، ولكن الناس البليغين الذين يبشرون بدرجة عالية من المعرفة العلمية والروحية. ومع ذلك، فإن بقية المعرفة وفقا له، لا تكتسب من خلال الاستماع، بل من خلال "الذوق والإدراك الروحي".
في حين أن الدماغ، هو المكان الذي تحدث فيه التفاعلات الكيميائية. وتتأثر هذه الإجراءات من خلال بيئتنا (الغذاء، والأنشطة البدنية، وما إلى ذلك)، والتي بدورها تمنح تعديل العواطف والسلوكيات، والقدرات المعرفية ،وحتى ما نفكر به! وهي الناقلات  والمعدلات العصبية، مثل هرمونات  الدوبامين ،و السيروتنين،و الاوسيتوسين، والاندورفين،وهي تؤثر بشكل كبير علي حياتنا.
تعتمد السعادة على حالتنا المزاجية، واستعابنا لفهم السعادة. ما نحتاج إلى معرفته ،هو أن حالتنا العاطفية يتم شرحها من الناحية الفسيولوجية ، عن طريق التفاعلات الكيميائية، من خلال مستوى الأدرينالين الذي يمكن أن ينخفض أو العكس، علي حسب الانفعال العاطفي، و الإجهاد الشديد و ارتفاع ضغط الدم، و ضربات القلب التي يمكن ان تتسارع بسرعة هائلة في حالة القلق، او الخوف الشديد. هذه العلامات تؤهب لمواجهة عاطفية قوية ،أو خطر وشيك. انه شعور قوي جدا يمكن ان يسبب في فقد الوعي، وهي نتيجة آلية كيميائية في الجهاز العصبي لدينا.
وفقا لإليزابيث غريمود (2017)، يجتاز دماغنا التيار الكهروحراري الذي من خلاله يتم تبادل الخلايا العصبية مع المواد الكيميائية، التي تؤثر على مزاجنا، وعواطفنا، ومواقفنا. كما ان سلوكنا الغير معقول في بعض الأحيان، ياتي نتيجة اصرارنا علي تثبيت مواقفنا، الغير صحيحة، و الاجهاد في تحقيق طموحاتنا مهما كان الثمن، حتي لو كانت غير معقولة. ونحن لهذا 
الغرض، منتجي السعادة، ولكن أيضا المخترعين لكلمة سوء الحظ.

ان العوامل التي تعزز السعادة، تحدد أربعة عناصر هرمونية، منها الدوبامين: التي تساعدنا على إيجاد الدافع، لتحقيق أهدافنا، ومتعة النجاح. عندما نكون في حالة شك، نفقد الحماس لدينا،مما يخفظ مستوى الدوبامين لدينا. وأجريت اختبارات على الفئران الذين يعانون من انخفاض الدوبامين، والتي أظهرت أن الفئران كانت تكتفي بالقليل من الطعام ولم تكن تبحث عن غيرها من الاكمال، في حين ان الفئران الذين يتمتعون  بمستويات عالية من الدوبامين، كانت  أكثر حماسة، وأكلت المزيد من الطعام. ومع ذلك، تفرز السيروتونين في البشر عندما يشعر بفائدة بمجرد وصوله إلى تأمين حياته. كما ان الاندورفين ترمز إلى رفاه البشر، و تجذب الموجات الإيجابية حول البشر، بسبب انها تمنح شعور الاطمئنان للجميع. ان الرياضة، على سبيل المثال،فهي تعزز هذا الهرمون. اما الضحك، فهو يقوم بتحرير الاندروفين بسهولة أكبر ،وباسرع وقت.
ان السيروتونين تقوم بتنظيم مزاجنا. يتم إنتاج السيروتونين عند تقدير الشخص، مثل شكر الموظف لجهوده ونجاحه في العمل. ان الاكتئاب أو الإرهاق هما نتيجة عدم الحصول علي الرضا سواء في العمل، او في الازواج، أو في الأسرة. كما ان قلة السيروتونين، تعزز الاستثارة ونوبات الغضب. كما ان السيروتونين تفرز بسهولة من خلال ممارسة الرياضة البدنية، والتعرض لأشعة الشمس، او بالحصول علي التقدير للانجازات الشخصية على جميع المستويات.
ان الأوكسيتوسين هو الهرمون الاجتماعي، ويفرز خلال الاجتماعات مع الأصدقاء، أو في المجتمع من خلال الضحك، والمرح،و الانبساط،
والدعم من الأصدقاء قبل حدث، مثل عملية جراحية أو امتحان مهم.كما ان المجاملات و تبادل الهدايا، والجوائز، والمديح يساعد على بناء الثقة، والشعور بالأمن، و التضامن. والأفضل من ذلك، أن تقوم بعناق و تقبيل أطفالك، وشريك حياتك، ورعايتهم يساعد على إفراز الأوكسيتوسين وتقوية العلاقة الأسرية، والزوجية، والصدقات.
إن لم يحصل ذلك، قد نشعر بالانعزال والاكتئاب. ويصف الأطباء مضادات الاكتئاب، وذلك لغرض رفع إنتاج السيروتونين في المريض. ومع ذلك، ان الذكريات الجيدة في الماضي هي أفضل وسيلة لرفع السيروتونين لدينا، على سبيل المثال مشاهدة صور الأحداث السعيدة مع العائلة والأصدقاء، و الازواج.
كما ان تذكر الأوقات السعيدة، أو نجاحات الماضي، يساعد على تعزيز السيروتونين لدينا، ومحاربة الإجهاد، والحزن. والتعرض للشمس لمدة نصف ساعة على الأقل في اليوم، واللعب مع الحيوانات الأليفة، يساعد أيضا في رفع مستويات السيروتونين، وتعزيز جهاز المناعة لدينا.
أكما ان تكريس بعض الوقت للراحة، والاستلقاء و التشمس، وكذلك المشي والتمتع برؤية الطبيعة،والبحر،وغروب الشمس، يساعد أيضا على الاسترخاء وتحقيق السعادة. كما ان نماذجنا الإدراكية،
مثل العين، والدماغ، والتصوير الفوتوغرافي، ترمز الي التصميم المثالي
لتخيل أفضل الصور الذهنية، مثل بدء حلم في اليقظة خلال الاسترخاء يحمل لحظات السعادة التي نحلم بها.
والأفضل من ذلك، بعض الأبحاث تثبت أن خيالنا هو ابعادي، و يمكننا فحص 
وإضافة شكل جديد، وألوان أخرى، وجعله يبدو جذابا و جميلا.
هذا ما يعادل صورة ثلاثية الأبعاد والتي تمنح رؤية وهمية. ان العكس صحيح أيضا، والعلاقات السلبية في الازواج، و مع من حولنا، يمكن أن تنتج مشاعر الإحباط وانعدام الأمن، والخوف، والقلق. هذه الموجات السلبية تعمل فعلا علي اضعاف تقدير الذات، والثقة بالنفس. على سبيل المثال، بعض الناس في العمل أو في الحياة اليومية، يختبئون وراء التلاعب على الآخرين، في سبيل زعزعة استقرارارهم. هذه العلاقات السامة تشجع السلوك العدواني وعدم الراحة علي جميع المتواجدين، حتي ان لم يعنيهم الشيء. وفي الخلاصة ان الحياة جهاد متواصل، وتحديات يجب مواجهتها بعنفوان وامل. لان الموجات السلبية تقتل الانسان الذي يعيش في داخلنا. لذلك اكثروا من  الكلام الطيب، والاطمئنان، والسعادة، ويصنع الانسان الكريم في داخلنا،

التعليقات