المورد المفقود و رومانسية التشويه

المورد المفقود و رومانسية التشويه
د. محمود عبد المجيد عساف

25/12/2017 


أشارت الدراسات التحليلية لصورة المرأة إلى أن وسائل الإعلام تقدم صوراً متحيزة ضد النماذج التي يحتاج المجتمع إلى تكوين صورة ذهنية صحيحة حيالها من خلال مجموعة السمات والصفات التي تنسبها وسائل الاعلام للمرأة من خلال ما تقدمه من مضامين وبرامج حولها.

ولما كانت الصورة الإعلامية صورة مصنعة تتضمن عمليات معقدة تعتمد في تأثيرها على نظام ثقافي لصناعة رموز الرسالة الإعلامية، والتي تظهر كأحد مخرجات المضامين الإعلامية كالإعلانات والمواد الترفيهية كالدراما والأفلام، فإن الصورة الذهنية التي تتمثل في الناتج النهائي للانطباعات الذاتية عند الأفراد والجماعات إزاء شخص معين أو نظام معين أو نظام ما أو شعب أو جنس بعينه تؤثر على موقعه الاجتماعي. 

فعلى سبيل المثال في مجتمعنا الفلسطيني المرأة تظهر في الأعمال الدرامية في الإطار الخاص، ونادراً ما يتم تقبلها في الحياة العامة، ومكانها العائلة وتهتم بالزوج والأطفال، ودورها الأساسي رعاية الأسرة، ناهيك عن دورها النضالي والصمودي في تقبل التضحية بأبنائها أو زوجها، على عكس ما في الأعمال السينمائية العربية التي تظهر كرمز للرغبة وإن كان شكلاً.

ويكاد يجمع المهتمون بشئون الإعلام أن صورة المرأة المقدمة في وسائل الإعلام العربي قد أساءت للمرأة، وقدمتها في أرخص صورة ممكنة، وكانت أداة للعرض والدعاية، واعتبروا أن ظهور المرأة في مشاهد خادشة للحياء هو أقصر الطرق للشهرة، كما تم استهداف المرأة عبر صيغ وأساليب مختلفة، فنادت بخلع الحجاب تارة، وتباكت على أحوالها تارة أخرى، فأظهرها على أنها فارغة من العقل والحكمة ، ووصفها بالجهل والسعي وراء الرغبات الشهوانية حتى أصبحت مجرد عاطفة بربرية بلا نزعة تربوية، سواء كان من خلال بعض الروايات أو المسلسلات والأفلام العربية أو المدبلجة، وقد يكون ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، فقد أجرت منظمة اليونسكو دراسة لمعرفة تأثير المواد الإعلامية  على صورة المرأة ، توصلت إلى أنه من خلال عينة (500) فيلم طويل أن موضوع الحب والجريمة والجنس شكل (72%) من صورة المرأة، وأن (68%) من عينة أفلام أخرى ثبت أنها تشارك في مشاهد الجريمة والعنف ومعالم الانحراف والخلع غير المبرر.

وعلى ما سبق، وكما معلوم بالاتفاق أن واجب الدفاع عن قضايا المرأة وتحسين صورتها يقع على جميع الأمة من الإعلاميين وغيرهم، ما دامت الشريعة والقانون قد أقرت بل أوجبت العمل الإعلامي الحر، واضعة إياه في مرتبة عليا من مراتب الجهاد في سبيل كلمة الحق والموعظة الحسنة، وجب التصدي لهجوم الإعلام على مكانة المرأة، لمكانتها وخطورة الأثر الذي يتركه وعيها على المجتمع .

وباعتبار المرأة مورداً لكثير من مؤشرات التنمية المادية وغير المادية من وجهة نظري، فإن الإعلام مطالب اليوم بتخصيص رسائل إعلامية ناضجة عن المرأة في مستويات وأشكال مختلفة حقيقية، لا تؤثر على بنات جنسها في الواقع، وذلك بالتركيز على قصص النجاح والنماذج الراقية بمفهوم الرقي، لا نماذج الابتداع، بعيدا عن الخلاعة من ناحية، والتقوقع من ناحية أخرى، وكذلك التأكيد على أن تعليم المرأة وسيلة لرقيها ورقي تفكيرها، وليس ضرورة للعمل كما تراه بعض النساء مكملاً لشخصيتها، وأن تسهم برامج المرأة في توجيهها إلى العمل بما لا يؤثر على أوضاعها الأسرية، ويدمجها بتوافق مع المجتمع غير النموذجي، والبعد عن طلب الحق في حال التقصير بالواجب .

التعليقات