رحيل رمز وطني

رحيل رمز وطني
نبض الحياة 

رحيل رمز وطني

عمر حلمي الغول 

شاءت أميركا ان تلقي بظلال ثقيلة على رحيل القامة الوطنية الكبيرة عبد المحسن قطان، فلم يكد يوارى جثمانه الثرى في الرابع من ديسمبر/ كانون أول الحالي حتى أعلن دونالد ترامب إعترافه المشؤوم بالقدس عاصمة لإسرائيل الإستعمارية، فتراجعت كل الأخبار والأحداث للخلف، تاركة المشهد لزهرة المدائن والدفاع عنها أمام التغول الأميركي، وإنحيازه الأعمى لجانب إسرائيل الإستعمارية.

مع ذلك بعض الرموز الوطنية والقومية والعالمية، ممن زرعوا في التربة الوطنية جذورهم، ورفعوا عاليا إسم أوطانهم، وإنحازوا للإنسان كقيمة عالية أمثال الفقيد الراحل ابو هاني لا يسدل الستار على رحيلها بمجرد مواراة أجسادها الثرى، لإن سجلهم ناصع ومدون بأحرف من ذهب في تاريخ شعوبهم. لذا لم يستطع ترامب ولا جريمته النكراء ضد القدس العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية المحتلة التغطية على رحيل الفارس عبد المحسن القطان، الذي ربطته علاقة وثيقة جدا بالقدس عندما إنتقل من يافا مسقط رأسه إلى الكلية العربية في القدس، التي كان يديرها المربي والعلم الفلسطيني خليل السكاكيني، وكان القطان في عمر الخامسة عشر تقريبا عام 1944. لاسيما وانه ولد في نوفمبر 1929. 

ثم تتالت فصول النكبة الفلسطينية بعد العام 1948، وتركت بصماتها القوية على الكل الفلسطيني وخاصة اللاجئين إن كان في الوطن او الشتات، ومنهم عبد المحسن وعائلته، التي رحلت للأردن، وكان آنذاك في بيروت يدرس بالجامعة الأميركية العلوم السياسية، ثم حول بعد النكبة لإدارة الأعمال، بعد ذلك إنتقل للتدريس في الكويت، ثم إنتقل للإقامة في لندن. وكان وهو في الكويت اسس شركة "الهاني للإنشاءات والتجارة"، التي أمست إحدى اهم شركات المقاولات في الكويت. لكن إنغماس المناضل عبد المحسن بالعمل لتأمين لقمة العيش لشخصه وإسرته، لم تمنعه من مواصلة النضال الوطني والقومي، فإنتمى لحزب البعث، والأهم كان من الرواد الأوائل المؤسسين لمنظمة التحرير، وشارك مع الرئيس الأول للمنظمة، الراحل الوطني أحمد الشقيري في زيارة الصين الشعبية عام 1964، وفي عام 1969 إنتخب رئيسا للمجلس الوطني، الذي سرعان ما ترك منصبه نتيجة الخلاف مع ممثلي بعض الفصائل، لكنه بقي حتى العام 1990 عضوا في المجلس الوطني. الذي تركه لإسباب تتعلق بالحرب العراقية على الكويت، كون ابو هاني يحمل الجنسية الكويتية، والأهم لرؤيته وفهمه للحرب وتداعياتها. 

في نهاية التسعينيات من القرن الماضي عاد للوطن الفلسطيني، وزار مسقط رأسه في يافا. وكان القطان أسس مؤسسة ثقافية تربوية في لندن، أعطاها إسم عائلته، أنشأ لها فروع في رام الله وغزة، وتركز إهتمامها على بناء الإنسان، وصقل معرفته وثقافته. كما ساهم في رعاية وتأسيس العديد من المؤسسات المعرفية والبحثية السياسية والأكاديمية. ولم يبخل يوما في الدفاع عن الوطن الفلسطيني، وأعطى دون تردد لكل مركز او مؤسسة او جامعة إرتأى أنها تشكل منبرا واعدا في بناء الإنسان الفلسطيني او العربي، لإن بوصلته ومرشده في الحياة مقولة " من زرع حصد"، لذا كان معنيا بالزراعة وإنتاج إنسان من طراز جديد. 

الرجل الذي لم التقيه يوما، ولم يحصل لي شرف التعرف عليه، إستحق مني الوفاء لسجله المضيء، ورثاءه كما يليق بالرموز الوطنية الشجاعة والمعطاءة. لاسيما وأن أمثال ابو هاني لا يحتاج لإن تعرفه شخصيا حتى تكتب عنه، وتوفيه حقه، وتخلد ذكراه، فالرجل بسجله الناصع خالد في سجل الشعب الوطني. وسيبقى نبراسا وهاديا لكل وطني وقومي بما قدم وأسهم على مدار سني حياته ال88. 

[email protected]

[email protected]       

التعليقات