غزة: التنازل عن الأبناء.. صفقة يجيزها الشرع ويوثقها القانون ولكن؟
خاص دنيا الوطن
"تزوجت ابن عمي، وكان عمري وقتها 20 عاماً، كان الضرب والإهانة شركاء حياتي معه، طلبت الطلاق، وتنازلت عن كامل حقوقي بما فيه حضانة بناتي الثلاث لأحصل على حريتي"، هكذا بدأت الثلاثينية (ع. أ) حديثها لمراسلة "دنيا الوطن" في طرحها لتجربتها القاسية مع التنازل عن الأطفال مقابل الطلاق.
وبشيء من التفصيل حول ما يحدث في هذا الموضوع، الذي يضع الزوجة في غزة بين أمرين أحلاهما مر، بين أن تتنازل عن فلذات كبدها مقابل الحصول على حريتها للخلاص من جحيم علاقة زوجية قاتلة.
من أجل الحرية
تسرد (ع. أ) قصتها المريرة بنبرة صوت يملؤه الأسى وتقول: "بعد أسابيع قليلة من الزواج، بدأ ابن عمي يضربني ضرباً مبرحاً لأتفه الأسباب نزولاً عند رغبة أمه في إهانتي وعندما استمر الأمر تركت بيت الزوجية، ومكثت في بيت أهلي وفي كل مرة أعود أدراجي أملاً في حياة أفضل".
وتضيف: "في خضم هذه المشاكل أنجبت ابنتي الأولى والثانية وأثناء حملي في الطفلة الثالثة، تركت بيت الزوجية بلا رجعة وقررت الانفصال، وحينها ساوموني على أن أتنازل عن كامل حقوقي الزوجية بما في ذلك حضانة بناتي مقابل حصولي على الطلاق".
"قبلت الأمر، وفي اليوم الذي أنجبت فيه طفلتي الثالثة، تنازلت عنهن جميعاً، وسلمتهن لوالدهن وبعدها توجهت إلى المحكمة للتنازل عن كل شيء وهذا ما تم"، على حد قولها.
وتستكمل حديثها بدمعة ترقرقت في عينها بالقول: "حرموني أشوفهم.. وكثيراً ما أفكر في التوجه لجهة تلزم طليقي بالسماح لي برؤيتهن، ولكنني أخشى من نظرتهن، خاصةً وأنني تنازلت عنهن حينما كانوا في أمس الحاجة لحضن الأم".
العشرينية أمل قد واجهت نفس المصير في اضطرارها إلى التنازل عن أطفالها مقابل الحصول على الطلاق، وحول هذا الألم تقول: "بسبب مشاكلي المستمرة مع زوجي طلبت الطلاق وحينها كان ابني وابنتي في حضانتي، لكنهم خيروني بين حصولي على الطلاق، وبين تنازلي عن أطفالي، فقررت التنازل عنهم وعن بقية حقوقي".
وتضيف: "بعدما أنهيت دراستي الجامعية، وحصلت على عمل قررت أنني أريد استعادة أطفالي، إذ أصبحت قادرة على إعالتهم ولكنني قوبلت برفض تام من قبل طليقي، رفعت دعوى في المحكمة لاسترداد الأطفال، خاصةً وأنهم ما يزالوا تحت السن القانوني لحضانة الأم، ودخلت في دوامة من المحاكم وتأجيل الجلسات".
"وهنا كانت الكارثة، إذ نصحني البعض من المحكمة ألا أتعب نفسي في المطالبة بهم عبر المحكمة، وذلك كوني موظفة وأمي موظفة فمن الذي سيقوم بتربيتهم، مؤكدين لي أن القضية لن تكون لصالحي بحجة أنني لست أهلاً للاهتمام بهم، وهنا تنازلت عن الفكرة، لكن يعلم الله وحده النار المشتعلة داخلي، خاصةً وأنني لا أراهم كثيراً بعد قرار التنازل".
تنازل الزوج عن الولد لتتنازل عن حقوقها
لا يقتصر التنازل على الأولاد من طرف الزوجة فقط، والتي هي أغلب الحالات في قطاع غزة، لكن للقصة زاوية أخرى يتنازل فيه الزوج عن ابنه سعياً وراء الحصول على طلاق خال من أي التزامات تجاه الزوجة، وهنا أيضاً تتنازل الزوجة عن حقوقها لكن لا تتنازل عن أمومتها.
تقول (ف- أ)، (24 عاماً) عن تجربتها مع التنازل: "قررت الانفصال عن زوجي، فطلب مني التنازل عن كافة حقوقي الشرعية، فواجهته بشرط ألا وهو أن يتنازل عن ابنه البالغ 3 سنوات، وفعلاً هذا ما حصل".
وتوضح مجريات هذا التنازل، والذي يمثل حالات قليلة مقارنة مع تنازل الأم: "طلبت الطلاق فعرض علي أهل زوجي الإبراء العام أي أن أتنازل عن كل حقوقي وفعلاً تنازلت، ولكن في المقابل كان شرطي لهذه التنازلات، هو تنازل زوجي عن طفلي حتى يبلغ سن العشرين".
"توجهنا للقاضي، فرفض توثيق الاتفاق قائلاً: إنه لا يوثق في المحكمة الشرعية بل إن الأمر يتم عند محامٍ، وهناك تم صياغة اتفاق تنازل، وابني حالياً يزور أبيه مرة واحدة كل أسبوعين"، على حد قولها.
للقانون كلمة
معتز الخضري محامي نظامي، يعلق على الأمر بقوله: "التنازل عن الأبناء يتم بعيداً عن الشرع، لكن يقبله القانون، إذ إن هذا الحق بالحضانة هو أمر شخصي ولأسباب معينة يحق لأحد الأطراف (الزوج أو الزوجة) التنازل، والتي غالباً ما تكون من طرف الزوجة لأسباب معينة كضائقة مالية أو ظروف خاصة مثل قرار الزواج مرة أخرى".
وحول ماهية هذا العقد يؤكد الخضري: "لا يكون العقد تنازلاً بين طرفين بل عقد اتفاق بصيغة نوع من الدين، وفيه شرط جزائي بأن يفرض مبلغ مالي في حال أخل أحد أطراف ببنود الاتفاق".
"يتم الاتفاق بعيداً عن المحكمة، ويكون التنازل هو تنازل عن رعاية وتربية فقط، وليس تنازلاً عن نسب"، على حد قوله.
ويؤكد: يحق للزوجة التراجع عن هذا التنازل بينما لا يحق الأمر للزوج، فالطفل ليس سلعة تباع وتشترى فالإشكالية تحدث في الرجوع عن التنازل، لذلك الشرع لا يمنح الزوج حق الرجوع عن التنازل، وفي حال التراجع تتم المطالبة بالقضية في الشق المدني من المحاكم النظامية".
وهنا يكفل القانون للمتنازل حق المشاهدة حتى لو امتنع الطرف الآخر، فالتنازل يكون تنازلاً عن الرعاية وحق التربية فقط.
هل يجوز شرعاً؟
يجيب عن هذا السؤال الدكتور حسن الجوجو رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي رئيس المحكمة العليا الشرعية بقوله: "نعم شرعاً يحق للزوج أو الزوجة التنازل عن الأبناء، فالزوجة إن تنازلت لا يلغى حقها في الحضانة، أما الزوج إن تنازل فإنه يلغى حقه، ولا يمكنه التراجع لأن الحضانة مستفادة من قبل النساء".
ويضيف: "الزوجة تتراجع ما دامت أهلاً لذلك، حتى لو كان هناك اتفاق أو تنازل".
إذاً هي صفقة التنازل الإجباري في سبيل الحصول على الحرية من واقع أليم، تضطر فيه الأم إلى التخلي عن أطفالها سواء للحصول على الطلاق أو بسبب عدم قدرتها على إعالتهم أو قد يكون الأمر طمعاً في زواج آخر قد يجنبها نظرة المجتمع إلى المطلقة، ولكن يبقى هذا التنازل، وصمة في القلب للأم من جهة وللأولاد من جهة أخرى.
"تزوجت ابن عمي، وكان عمري وقتها 20 عاماً، كان الضرب والإهانة شركاء حياتي معه، طلبت الطلاق، وتنازلت عن كامل حقوقي بما فيه حضانة بناتي الثلاث لأحصل على حريتي"، هكذا بدأت الثلاثينية (ع. أ) حديثها لمراسلة "دنيا الوطن" في طرحها لتجربتها القاسية مع التنازل عن الأطفال مقابل الطلاق.
وبشيء من التفصيل حول ما يحدث في هذا الموضوع، الذي يضع الزوجة في غزة بين أمرين أحلاهما مر، بين أن تتنازل عن فلذات كبدها مقابل الحصول على حريتها للخلاص من جحيم علاقة زوجية قاتلة.
من أجل الحرية
تسرد (ع. أ) قصتها المريرة بنبرة صوت يملؤه الأسى وتقول: "بعد أسابيع قليلة من الزواج، بدأ ابن عمي يضربني ضرباً مبرحاً لأتفه الأسباب نزولاً عند رغبة أمه في إهانتي وعندما استمر الأمر تركت بيت الزوجية، ومكثت في بيت أهلي وفي كل مرة أعود أدراجي أملاً في حياة أفضل".
وتضيف: "في خضم هذه المشاكل أنجبت ابنتي الأولى والثانية وأثناء حملي في الطفلة الثالثة، تركت بيت الزوجية بلا رجعة وقررت الانفصال، وحينها ساوموني على أن أتنازل عن كامل حقوقي الزوجية بما في ذلك حضانة بناتي مقابل حصولي على الطلاق".
"قبلت الأمر، وفي اليوم الذي أنجبت فيه طفلتي الثالثة، تنازلت عنهن جميعاً، وسلمتهن لوالدهن وبعدها توجهت إلى المحكمة للتنازل عن كل شيء وهذا ما تم"، على حد قولها.
وتستكمل حديثها بدمعة ترقرقت في عينها بالقول: "حرموني أشوفهم.. وكثيراً ما أفكر في التوجه لجهة تلزم طليقي بالسماح لي برؤيتهن، ولكنني أخشى من نظرتهن، خاصةً وأنني تنازلت عنهن حينما كانوا في أمس الحاجة لحضن الأم".
العشرينية أمل قد واجهت نفس المصير في اضطرارها إلى التنازل عن أطفالها مقابل الحصول على الطلاق، وحول هذا الألم تقول: "بسبب مشاكلي المستمرة مع زوجي طلبت الطلاق وحينها كان ابني وابنتي في حضانتي، لكنهم خيروني بين حصولي على الطلاق، وبين تنازلي عن أطفالي، فقررت التنازل عنهم وعن بقية حقوقي".
وتضيف: "بعدما أنهيت دراستي الجامعية، وحصلت على عمل قررت أنني أريد استعادة أطفالي، إذ أصبحت قادرة على إعالتهم ولكنني قوبلت برفض تام من قبل طليقي، رفعت دعوى في المحكمة لاسترداد الأطفال، خاصةً وأنهم ما يزالوا تحت السن القانوني لحضانة الأم، ودخلت في دوامة من المحاكم وتأجيل الجلسات".
"وهنا كانت الكارثة، إذ نصحني البعض من المحكمة ألا أتعب نفسي في المطالبة بهم عبر المحكمة، وذلك كوني موظفة وأمي موظفة فمن الذي سيقوم بتربيتهم، مؤكدين لي أن القضية لن تكون لصالحي بحجة أنني لست أهلاً للاهتمام بهم، وهنا تنازلت عن الفكرة، لكن يعلم الله وحده النار المشتعلة داخلي، خاصةً وأنني لا أراهم كثيراً بعد قرار التنازل".
تنازل الزوج عن الولد لتتنازل عن حقوقها
لا يقتصر التنازل على الأولاد من طرف الزوجة فقط، والتي هي أغلب الحالات في قطاع غزة، لكن للقصة زاوية أخرى يتنازل فيه الزوج عن ابنه سعياً وراء الحصول على طلاق خال من أي التزامات تجاه الزوجة، وهنا أيضاً تتنازل الزوجة عن حقوقها لكن لا تتنازل عن أمومتها.
تقول (ف- أ)، (24 عاماً) عن تجربتها مع التنازل: "قررت الانفصال عن زوجي، فطلب مني التنازل عن كافة حقوقي الشرعية، فواجهته بشرط ألا وهو أن يتنازل عن ابنه البالغ 3 سنوات، وفعلاً هذا ما حصل".
وتوضح مجريات هذا التنازل، والذي يمثل حالات قليلة مقارنة مع تنازل الأم: "طلبت الطلاق فعرض علي أهل زوجي الإبراء العام أي أن أتنازل عن كل حقوقي وفعلاً تنازلت، ولكن في المقابل كان شرطي لهذه التنازلات، هو تنازل زوجي عن طفلي حتى يبلغ سن العشرين".
"توجهنا للقاضي، فرفض توثيق الاتفاق قائلاً: إنه لا يوثق في المحكمة الشرعية بل إن الأمر يتم عند محامٍ، وهناك تم صياغة اتفاق تنازل، وابني حالياً يزور أبيه مرة واحدة كل أسبوعين"، على حد قولها.
للقانون كلمة
معتز الخضري محامي نظامي، يعلق على الأمر بقوله: "التنازل عن الأبناء يتم بعيداً عن الشرع، لكن يقبله القانون، إذ إن هذا الحق بالحضانة هو أمر شخصي ولأسباب معينة يحق لأحد الأطراف (الزوج أو الزوجة) التنازل، والتي غالباً ما تكون من طرف الزوجة لأسباب معينة كضائقة مالية أو ظروف خاصة مثل قرار الزواج مرة أخرى".
وحول ماهية هذا العقد يؤكد الخضري: "لا يكون العقد تنازلاً بين طرفين بل عقد اتفاق بصيغة نوع من الدين، وفيه شرط جزائي بأن يفرض مبلغ مالي في حال أخل أحد أطراف ببنود الاتفاق".
"يتم الاتفاق بعيداً عن المحكمة، ويكون التنازل هو تنازل عن رعاية وتربية فقط، وليس تنازلاً عن نسب"، على حد قوله.
ويؤكد: يحق للزوجة التراجع عن هذا التنازل بينما لا يحق الأمر للزوج، فالطفل ليس سلعة تباع وتشترى فالإشكالية تحدث في الرجوع عن التنازل، لذلك الشرع لا يمنح الزوج حق الرجوع عن التنازل، وفي حال التراجع تتم المطالبة بالقضية في الشق المدني من المحاكم النظامية".
وهنا يكفل القانون للمتنازل حق المشاهدة حتى لو امتنع الطرف الآخر، فالتنازل يكون تنازلاً عن الرعاية وحق التربية فقط.
هل يجوز شرعاً؟
يجيب عن هذا السؤال الدكتور حسن الجوجو رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي رئيس المحكمة العليا الشرعية بقوله: "نعم شرعاً يحق للزوج أو الزوجة التنازل عن الأبناء، فالزوجة إن تنازلت لا يلغى حقها في الحضانة، أما الزوج إن تنازل فإنه يلغى حقه، ولا يمكنه التراجع لأن الحضانة مستفادة من قبل النساء".
ويضيف: "الزوجة تتراجع ما دامت أهلاً لذلك، حتى لو كان هناك اتفاق أو تنازل".
إذاً هي صفقة التنازل الإجباري في سبيل الحصول على الحرية من واقع أليم، تضطر فيه الأم إلى التخلي عن أطفالها سواء للحصول على الطلاق أو بسبب عدم قدرتها على إعالتهم أو قد يكون الأمر طمعاً في زواج آخر قد يجنبها نظرة المجتمع إلى المطلقة، ولكن يبقى هذا التنازل، وصمة في القلب للأم من جهة وللأولاد من جهة أخرى.

التعليقات