اللواء المصري: خيارات الفلسطينيين متعددة وواشنطن فقدت مكانتها بالشرق الأوسط

اللواء المصري: خيارات الفلسطينيين متعددة وواشنطن فقدت مكانتها بالشرق الأوسط
اللواء الدكتور محمد المصري
رام الله - دنيا الوطن
أكد مدير المركز الفلسطيني للبحوث والدراسات الاستراتيجية، اللواء محمد المصري، أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المجنون، وغير المحسوب، والقاضي بنقل السفارة والاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، يمثل عملية انتحار سياسي وعزل عن رعاية العملية التفاوضية.

وقال المصري، إن القرار أفقد الولايات المتحدة مكانتها ومكانها في الشرق الأوسط، كما أنه بذلك يتحول إلى عدو للشعب الفلسطيني والمنطقة العربية والإسلامية، ويُعرّض مصالح بلاده وسياساتها، وحتى مواطنيها للخطر والتشويش والتعطيل، لافتاً إلى أنه يفكك منظومة حلفائه العرب المعتدلين.

وأضاف المصري: "إن هذا الحلف سيتفكك نتيجة تقوي الحلف المقابل واستمداد الشرعية من هذا الموقف، إن هذا القرار عملياً يعني إشعال المنطقة، وإعادة الصراع إلى مربعه الأول، لأنه ببساطة ينسف أسس عملية التسوية التي وضع ترامب نهاية لها، إذ على ماذا سيفاوض الفلسطينيون؟".

وأشار إلى أن أي قائد فلسطيني لن يستطيع أن يساوم أو يوافق على ما يُطرح أمريكياً، وأنه على أمريكا وإسرائيل أن تتوقف عن وهم أن العرب والفلسطينيين غير قادرين على الرد، فهذا القرار يتجاوز الخطوط الحمراء كلها، وهذا يعني أن حلفاً فلسطينياً عربياً إسلامياً سيتشكل في عالم الغيب للرد غير المتوقع، إما غداً أو بعد غدٍ.

وشدد على أن الموقف الأمريكي كان نتيجة للضعف العربي، ولكنه سيكون أيضاً واقعاً لتغيير الواقع من أساسه، هذا القرار المجنون ليس نهاية العالم، فلا يمكن لأمريكا أن تحدد عاصمة إسرائيل أو عاصمة فلسطين.

وتابع: "الشعب الفلسطيني أحبط الكثير من الخطط والمؤامرات، وهذه مؤامرة أخرى سنتجاوزها أيضاً، بحكمة القيادة، والتي تمتلك كثيراً من الأوراق، ولديها خططها، وسيفاجأ ترامب وإسرائيل، بأن الشعب الفلسطيني وقيادته الوطنية، وعلى رأسها الرئيس محمود عباس، قادرون على قول كلمتهم، وهي الرفض التام".

ونوه إلى أن القيادة الفلسطينية لن تقبل بعد ذلك التعامل مع هذه الإدارة التي وضعت نفسها في المربع الإسرائيلي كلياً، منوهاً إلى أن الإدارة الأمريكية حوّلت هذه المسألة أيضاً إلى عصا غليظة تهدد بها الفلسطينيين والعرب، وتبتز المواقف منهم، والجديد الآن، هو أن ترامب يستغل مسألة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس للخروج من مأزقه، وخاصة فيما يتعلق بعلاقة مشبوهة بين إدارة ترامب والمخابرات الروسية في مسألة الانتخابات الأمريكية الأخيرة.

واستطرد اللواء المصري: "شهدنا بعد إعلان خبر اتصال ترامب بالرئيس عباس وبقية قيادات المنطقة، أن هناك ردود فعل عربية ودولية محذرة من خطورة هذا التصرف الأرعن، وهذا الأمر يتابع من قِبل القيادة الفلسطينية على صعيد التحركات السياسية والدبلوماسية، أما على المستوى الشعبي الميداني الذي يجب أن يتميز بالتدرجية والاستمرارية والانضباطية، ضمن شعارات متدرجة قابلة للتحقق ومتفق عليها وطنياً، يمكن تغييرها حسب النجاحات أو الظروف".

واستكمل: "هذا يتطلب تنسيقاً شعبياً محكماً لا تجاوز فيه أو تنافس أو اصطياد في الماء العكر، إن هذا الحراك هو الحراك الأكثر أهمية، لأنه يعطي حاضنة شعبية لقرارات القيادة وحماية لها وتأكيداً لشرعيتها وتمثيلها، وهذا المستوى ضروري لإرسال رسالة شعبية واسعة وقوية لكل الأطراف، أن الفلسطينيين يستطيعون – بما يمتلكون من قدرة على الإبداع – أن يفرضوا شروطهم ولو بالحد الأدنى".

وقال: "لابد من الاستفادة من هذه التجربة، لأننا رأينا تراجعات وانكشاف ظهر ومزايدات، الأمر الذي جعل من هذه الهبّة ذات نتائج قليلة، وثم الاختلاف عليها، وثم التعامل معها بطرق مختلفة، إلى درجة أنها تخامدت وانتهت إلى حدٍ بعيد، الآن، ما أقصده هو أن يكون الرد على الخطوة الأمريكية إذا حصلت، بطريقة مختلفة، أعني، أن يكون الحراك الشعبي منسقاً من جهتين: الأعلى والأسفل، حتى لا تكون هناك قراءات مختلفة أو شعارات مختلفة أو انكشاف لظهر أي طرف مشارك".

وبين المصري، أنه يجب على القيادة الفلسطينية تغيير الوسائل لا تغيير الأهداف، حيث إن الهدف هو الدولة، فإن من الممكن تغيير أدواتها، ومن أدواتها، السلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وأكمل: "يمكننا أن نعيد الأمور إلى مربعاتها الأولى، أي أن نتقدم إلى العالم، بما فيه إسرائيل، باعتبارنا دولة تحت الاحتلال لا سلطة تحت الاحتلال، مع ما يتطلب ذلك من تغيير في العلاقة مع المحتل من جهة، ومع المجتمع الدولي من جهة أخرى، ومع الإقليم العربي من جهة ثالثة، أي بدل أن نفكر في حل أو تفكيك ما تم إنجازه على يد السلطة الوطنية، فإننا نقوم بالصعود إلى أعلى درجة أخرى، أي نصعد إلى كوننا دولة تحت الاحتلال بما يضمن لنا هذا الوضع القانوني من امتيازات سياسية ونضالية وحقوقية".

وقال: "إن هذه خطوة تُصعّب على أي طرف أن يتجاوز حقوقنا وأهدافنا، كما يجعل من الصعب التلاعب فيما تم الاتفاق عليه، من خلال تقديم حلول وخطط خارج أرض فلسطين التاريخية، فالكلام عن سيناء أو غير ذلك، إنما هو استخفاف بكل شيء".

وأكمل: "هذا اقتراح أراه مناسباً؛ لأنه يتضمن أيضاً رؤية بديلة، وبرنامجاً وطنياً متفقاً عليه، ما أقترحه يجنبنا الفراغ أو العبث أو اللاجدوى، ويحصن قرارنا، ويحمينا أمام العالم، وسنجد جبهة عربية ودولية تدعمنا، هذا تصعيد للموقف الفلسطيني وتقوية له، هذا توحيد للموقف لا تشتيتاً له".

وتابع اللواء المصري: "هناك أنظمة قد ترى في قبول ما يطرحه ترامب إنقاذاً لها أو حماية أو مظلة، ولكن في نهاية الأمر، فإن القبول بهذه الخطوة قد يكون مفيداً لهذه الأنظمة على المدى القصير، ولكن ذلك ليس صحيحاً ولا نافعاً على المدى الطويل، لأن ترامب قد تجاوز أحد الخطوط الحمراء العقائدية، التي لا يمكن قبولها".

ولفت إلى أن ترامب وضع نهاية للعملية التفاوضية، ووجه طعنة لفكرة التعايش والشراكة، وفكرة الاعتدال، الذي يحاول ترامب التركيز عليها، عملياً، هو يقوم بتحطيم وحصار وإحراج أقرب حلفائه إليه.

وشدد على أن قبول أي نظام بما يطرحه ترامب لن يؤدي إلا إلى مزيد من الإحراج وربما الاشتباك مع الجماهير، خاصة أن هذه الخطوة الأمريكية ستجعل من الحلف المقابل في المنطقة أكثر شرعية.

وأضاف: "أنا شخصياً لا أعتقد أن نظاماً عربياً قد يوافق على الخطوة الأمريكية، وخاصة إخوتنا في الأردن، الذين سيفقدون كل شيء إذا تم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، سيفقدون الدور والمبرر والتأثير، وسيكونون أكبر الخاسرين، خاصة وأنهم شركاء أصيلون معنا، فضلاً عنا طبعاً، ولهذا، فإن التنسيق الأردني الفلسطيني يجب أن يكون على أعلى مستوى في هذه الحالة، كذلك المصريين، فهم سيتضررون كثيراً من هذه الخطوة، لأنها تمس تأثيرهم ودائرة نفوذهم وتفقدهم بوابة شرعية كاملة في المنطقة، وهم المرتبطون بالقضية الفلسطينية تاريخياً، وكذلك في السعودية".

واستكمل: "لا أعتقد أن أحداً من العرب يرضى بذلك، حتى لو كان البعض يخسر من هذا الموقف، ولكن نحن نتحدث هنا عن القدس، ويجدر أن يقف المرء موقفاً رفيعاً دينياً ونضالياً بما يتعلق بالقدس".

وتابع: "بالتأكيد، هناك المحافل الدولية، هناك المحاكم الجنائية الدولية، وهناك الهيئات الأخرى التي تكفل لنا ما يلي: الحضور السياسي، التنافس القانوني، القدرة على الحركة، التموضع الدولي، القدرة على عدم التجاوز من قِبل أي طرف، ولهذا، فإن هناك 22 ملفاً دولياً تستطيع القيادة الفلسطينية، أن تقدمها إلى الهيئات الدولية، بحيث تجعل من عملية شطبنا أو إلغائنا عملية مستحيلة، أكثر من ذلك، فإن ما أقترحه حول التصرف كدولة تحت الاحتلال – بما يشمل ذلك المزايا القانونية المختلفة – سيجعلنا أقدر على التنافس والحضور والحركة، مما يدفع المجتمع الدولي للاعتراف بنا كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، وهذا ما تعمل عليه القيادة الآن".

وأكمل: "المصالحة هنا ضرورية للرد على أية خطوة أمريكية، والاتصالات التي جرت بين الرئيس والأخ هنية أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك، أن ساعة الحسم تقرب المسافات، وتلغي الفروق في المواقف، ومن هنا أقول إن من الخطأ الشديد أن نختلف على عدد الكرفانات أو عدد أفراد الشرطة على المعابر عندما يتعلق الأمر بالقدس، المصالحة يا أخي ضرورية جداً، وهي أحد الردود اللازمة للرد على هذه الخطوة الأمريكية المجنونة أو المغامرة أو المقامرة، وليس هناك ما يمنع المصالحة، لابد من حلول مبدعة، على قدر المسؤولية، وعلى قدر اللحظة التاريخية".

ولفت إلى أنه لا معنى لنقاش السلاح الآن ونحن تحت الاحتلال، هذا موضوع يتم نقاشه في الغرف المغلقة وحسب المصلحة الفلسطينية، لنتحدث عن أمن الناس وأمن الوزارات وأمن الشارع، وهذا يمكن التوصل إلى حل له، يمكن الإدماج أو التدريج أو التدريب أو التوظيف من جديد، هناك حلول، برأيي أن التأخر في المصالحة يلحق بنا ضرراُ كبيراً قد لا يمكن إصلاحه.

وقال: "هناك ضغوط، هناك مخاوف، ولكن نحن على مفترق طرق، إما أن نكون أو لا نكون، وبالتالي يجب الارتقاء لمستوى ما يواجهنا من مخاطر وتهديدات، وهذا ما لمسته من ردود الفعل من كافة فصائل العمل الوطني، لابد من القرار، لابد من الحسم في مسألة المصالحة، حتى لو كان هناك ضغوط ومخاوف".

وأكمل: "لابد من الاتفاق على خطة تكون مقبولة على الأطراف جميعاً، نتفق على سقف نستطيع تحقيقه، لا نخدع فيه جماهيرنا ولا نوقعهم فيما لا يقدرون عليه، هذا يتطلب الصبر والوضوح والإيمان بمبدأ الشراكة والتعاون، نحن اليوم أمام اجتهادين فلسطينيين، بينهما من القواسم المشتركة ما يمكّنهما من خلق جبهة عريضة قوية وقادرة على الرد على أي خطط أو مبادرات سخيفة أو سفيهة".

واستطرد: "هناك ضغوط، وهناك من هو مستفيد من الانقسام، ويخاف على مصالحه الفردية أو الحزبية، وأن المصالحة هي عملية تغيير كبيرة ستكنس كل الذين يعطلون المصالحة، الرئيس أبو مازن اتخذ قراراً، ووجّه الحكومة بالذهاب إلى قطاع غزة، ورئيس الحكومة وجّه الوزراء، ولديهم الرغبة والإرادة لحل كافة المشاكل".

وأكد أنه يتوجب على الفصائل أن تلتقط الفرصة، ولا تبقى منتظرة حتى تغيير الوزارة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية المنشودة من طرفهم، فليعملوا مع حكومة الدكتور رامي الحمد الله، وليسهلوا عملها ويساعدوها في بسط سيادة القانون وتمكينها، لكي تنجز ما هو مطلوب منها بعيداً عن المناكفة.

وقال: "أنا استمعت لموقف كافة الفصائل، وجميعها تدعم موقف الرئيس أبو مازن في رفضه لقرار ترامب، وهذا أيضاً موقف يبنى عليه، وجل جهدنا يجب أن يركز على وحدة موقفنا الرافض، ووحدتنا هي عنصر قوتنا".

التعليقات