الحقيقة والكذب بالمعنى الأخلاقي

الحقيقة والكذب بالمعنى الأخلاقي
بقلم د يسر الغريسي حجازي

الحقيقة والكذب بالمعنى الأخلاقي

"الحقيقة والكذب هما مجرد اتفاقيات اجتماعية" 
نيتشه
السؤال الأول الذي يجب أن نسأل أنفسنا فيه هو: هل نحن متأكدين من القيم التي ورثناها؟ هل قمنا بتعديل هذه القيم؟ ولماذا نحن ما زلنا نعتمد عليها, مع العلم أن مفاهيمها لا تتناسب مع المتطلبات الاخلاقية, و الاجتماعية الحالية؟ هذه الاتفاقية الاجتماعية ينظر إليها, على أنها حقيقة السياق الاجتماعي, والثقافي, وما تمثله من تماسك اجتماعي، ومدي تاثيره علي السلام العادل بين أفراد المجتمع.

ان الكذبة الأولي التي سمعناها جميعا عندما كنا صغارا : "ان لم تكن منضبط، فإن الغول العظيم سيأتي قريبا ليبتلعك". والسؤال الأول الذي القيناه علي والدينا هو:" كيف وصلت إلى هذا العالم؟" وكان هناك العديد من الإجابات على ذلك، إما: " أن الله قد أرسلنا هدية الوالدين"، أو:" أن في يوم من الأيام, انفتحت وردة في البستان لتقدم طفلا جميلا لأمهاتنا", هذا اذا ما تم توبيخنا، او عقابا حتي. وغيرها من قصص سندريلا، والجمال النائم، والذئب السئ الذي ابتلع كل اطفال القرية. كما انه تم اختراع كل شيء من حولنا لتوضيح الشر، والاشباح، والمرتجل، والسخيف، والغير متوقع، وقصص السعادة الخيالية بدون صعوبات، مع اب،وام، و ابناء مثاليين. وفي المدرسة نحصل علي نفس االفكرىة، لنكن لما نعود الي البيت، نتصادم مع تلك الانتقاد الرهيب.كما ان كل واحد منا، قام خلال طفولته بتلفيق اكاذيب الي والديه، تحت ذريعة اللعب، او تجنب العقاب. في علم النفس، يظهر مفهوم الكذب بطريقة واعية من ستة الي سبعة سنوات، وهو ما يسمي عصر التفكير  للأطفال.
لماذا قد كذب أطفالنا علينا ؟ في الحقيقة، تعلموا الكذب من خلال إخبارنا لهم الخرافات, والقصص المرعبة لتخويفهم، وهم الان يطلقوا علينا الأكاذيب البريئة و التي حسب رايهم لا تؤذي, ولا تخيف أحدا. والحقيقة هي أننا اخترعنا الكذبة لبناء واقعنا، ورؤيتنا للأخلاق. بل ان الترتيب الذي نظمناه لا يتوافق على الإطلاق مع واقع المنطق، ولا حتى على المبادئ الدينية. فهو نظام اجتماعي  متناقض تماما, ويساهم في تشويه مبادئ الصورة التجميلية التي أراد أجدادنا الحاقها بمجتمعاتنا لغاية الان. أن قول الحقيقة من خلال الأكاذيب, هو بمثابة حفر في بئر من الماء، لأن القيم الغير عقلانية تنهار في نهاية المطاف، والقيم الكاذبة يمكن أن تساهم في ظواهر اجتماعية مثل العنف, والتطرف، والأمراض النفسية مثل الشيزوفرانيا. بعيدا عن النظام الاجتماعي، يقوموا الناس بخلق اكاذيب ليتظاهروا في مقام غير مقامهم, ليشعروا بمتعة, ويعيشوا التفوق علي الاخرين, والهيبة المخادعة. ونكذب أيضا خوفا من الاستهزاء من قبل الآخرين، لأننا تعلمنا أن نظهر أننا الأفضل في كل شيء، وأنه ليس لدينا الحق في إظهار مشاعرنا الضعيفة، ومخاوفنا، وأخطائنا، خوفا من فقدان احترام الآخرين، والناس من حولنا.

لذلك لا تستغربوا من مجتمعنا الذي فقد الصدقية بمجرد عدم الاعتراف بالخطئ، ورفضه للاعتذار، والبحث عن اعذار حتي يبرر موقفه. كم مرة اعدمنا أبرياء و نحن نعرف انهم لا يرتكبوا الجريمة؟ وكم مرة لا يعترف المجرم بارتكاب جريمته، بل يحاول تبريرها؟ في الواقع، تعتمد مجتمعاتنا على تجميل صورة المرء أمام الآخرين، مما يعني أننا استغلينا الواقع و استولينا علي مبادئه. يعتبر نيته، الفيلسوف الالماني،والخبير اللغوي أنه قد تم برمجتنا وفقا لتمثيل نفسي مع خلال صورة مزدوجة حاملة وجهتان، واحدة تحمل صورة حقيقية، والاخري تحمل صورة مضللة عن ذاتنا. وهكذا، يتم تعريف واقعنا من خلال مفاهيم جامدة وغير قابلة للتغيير. نحن نريد دائما أن نعرف الحقيقة، ولكن في سرية تامة, حتي لا نصيب بخيبة الامل, والاذاء النفسي. عندما نتفق على أن الحقيقة هي الاعتراف بالخطأ، فنكتسب مهارة السيطرة على الذات, ونبعد من الأكاذيب، واخفقاته. ويستجيب العلم أيضا لجدارة الحقيقة، والأخلاق الموالية، في حين ان الخداع يغرقنا في الخوف من كشف الحقيقة, وخيبة الأمل. وبالتالي, إن معرفة الحقيقة هي التقدم، وقيمة تختص بتنظيم اجتماعي جيد على أساس التفاهم الجماعي، فضلا عن الاحترام المتبادل. كما يمكن ان تكون حجة الكذب غريزة للحفاظ على الأنا العليا. علي سبيل المثال, اراد رجلا أن يقضي مسائه مع أصدقائه، في حين كانت زوجته في العناية المركزة بعد وقوع حادث. وفضل أن يقول، إنه قضى طوال الليل في مراقبة زوجته في وحدة العناية المركزة بالمستشفى. كذب حتى لا يتم انتقاده من قبل عائلته وأقاربه.
ويكمن ان يقوموا الجنود بالكذب خلال عملهم في الجيش, وذلك بتبرير حماية أنفسهم ورفاقهم. كما يكذبوا اصحاب محلات السوبر ماركت في المنتجات التي يبيعونها، علي انها طازجة وهي في الحقيقة منتهية الصلاحية . كذلك الأمهات التي تخبرن أطفالهن بعدم التحدث إلى الجيران بسبب سمعتهم المشبوهة، وذلك بسبب حسدهن وغيرتهن لوضعهم الاجتماعي. ويكذبوا المعلمون علي طلابهم من خلال إخبارهم بأن العولمة خطيئة، وأن الشبكات الاجتماعية هي الطريق إلى الجحيم. في حين  أن كل واحد من هؤلاء المعلمين لديه العديد من الحسابات على شبكات التواصل. 

إن ممارسة الأكاذيب تساهم  في غرز خلافات, ونشر التنمية والاختلاف في الراي، والعداء الاجتماعي. كما ان الإنكار للحقيقة، يساهم في خلق شخصية مزدوجة عند الانسان. وقد لوحظ ان المجتمعات التي تمارس الهيمنة الأبوية القوية، تعتبر ان اخفاء الحقيقة تخدم احتياجات المجتمع, وعلي سبيل المثال، تبرير الكذب عند فئة الاخوان المسلمين، في فتاويهم الدينية والمتناقضة مع كل الأديان، علي ان الانسان يجبر للكذب الذي يخدم المصلحة العامة.
و ينظر في المجتمعات التقليدية أن الانسان في حاجة الي اخفاء الحقيقة في سبيل التعايش وتجنب المشاكل حسب رايهم. لكن اخفاق الحقيقة،  من شيمه ان ينشر الصور النمطية, وان يكبح المشاعر، وان يولد أشياء سلبية اكبر من الكذب بكثير، مما يفسر انتشار الامراض النفسية, والعنف المتزايد, والتفكك في النسيج الاجتماعي, وعدم الاحترام, وقلة الرحمة. 
كما يمكن ان يقول اللص أنه سرق مال الدولة، خوفا من يصبح فقيرا. كما يكذب السياسي لكسب ثقة الناس، لكي يخسر مكانته في المجتمع بسبب ان الكذب حبله قصير. هل نكذب في وعي كامل؟ نعم نحن نقوم بممارسة الكذب خلسة، ويمكن  تمييز الكذب من خلال المواقف, والانطباعات البديهية. ان الكذب يبني عالما هشا، مع سيطرة كاملة بدون حدود. يتم اخضاع الناس، و تنظيم الخبرة، و إنشاء دول بالكامل علي اساس الكذب. كما ان معدل الأكاذيب لدى البالغين عالميا، بمتوسط مرتين في اليوم (25٪ من التفاعلات الاجتماعية). هناك ابحاث تؤكد ان الرجال يجلبون الكذب مباشرة لهم، في حين أن النساء تمارس الأكاذيب لامور إنسانية. 
وفقا لفريج (2000)، هناك أنواع من الكاذبين منهم:1) المتلاعب الذي ينظر إليه على أنه مرور؛2) والماكر الملح, وهو معاد للمجتمع؛3) والممثل الذي يمكن أن يلعب العديد من الأدوار ويخفي عواطفه، 4)والاعب, الاجتماعي الذي يحب الانبساط، وهو يكذب لجعل نفسه مثير للاهتمام؛ 5)والمجامل وهو حريص, علي ان يكون انطباعه إيجابي للجميع ؛6) والكذاب بشكل مرضي, هو مصاب بمرض نفسي الميتومانيا وهو مزمن علي الكذب. كما ان المجتمعات ذو الطابع السلطوي تعزز الديكتاتورية, والقوالب النمطية, والمحرمات, والكذب المزمن. لهم وجهين، وجه تجميلي لشخص مثالي  أمام الناس، ووجه اخر طاغي، عنيف و نرجسي، واخر  متلاعب. ها هي عادات وتقاليد، اصبحنا نتقنها بامتياز. من منا لا يتذكر كيف كنا نتلقي التعليمات و نحن أطفال؟ حتي لا نصح أمورنا الداخلية مثل حالات المرض، او الطلاق، او مشاكل اخري.  

وكان من المفروض ان يتم تعديل هذه العادات وترك الأبناء في برائتهم، ويفهمون من حالهم ان غير ضروري البوح بما يجري في داخل الاسرة مثلا. لكن اجبار الأطفال علي التقمص بشخصيتين، يؤدي الي التعود علي الكذب، و تلفيق الأتهمات للناس. وذلك ما يفسر ان بالنسبة لهذه العادات،  كل  ما يأتي من الخارج ينقل الفساد الي الاسرة، و الي المجتمع بالكامل، حتى أصبحت نميمة متنقلة بين الناس، وسبب للخداع و النصب، حتي ان لا تفقد مجتمعاتنا السلطوية الأبوية على ابنائها. لا يمكن ان يكون الكذب حلا وقائيا، كما ان  ممارسة الكذب تمنع الناس من العيش في الاحترام, والثقة, والانسجام. لذلك، ان عواقب الكذب مدمرة , وتمنع مواصلة العيش في سلام. 

التعليقات