الحوار الجزائرية تنشر الجزء 11 من سيرة ومسيرة ياسر عرفات

رام الله - دنيا الوطن
وعمل أي شيء، من أجل نسف أوسلو، كان فتح النفق بمثابة نقطة الماء التي طفح معها الكيل، فخرج الشعب إلى الشارع، "يتعذر عليّ تصديق أنه لم يكن على إدراك بما هو مقدم عليه. لقد لعب بالنار عن عمد. هل يسعى للتملص من اتفاقيات أوسلو منذ الآن؟ أم أنه يختبر مدى قدرتنا على التحمل؟".

بهذه الكلمات، قيّم الرئيس عرفات موقف نيتنياهو، وهو ما دأب الأخير على تنفيذه، أما ما نفذّه في إطار اتفاقية أوسلو، فهو فقط إبرام اتفاقية الإنسحاب الإسرائيلي من الجزء الأكبر من الخليل في 15 كانون الثاني (يناير) 1997، حيث جرى استقبال حماسي لعرفات. لكنه في منتصف آذار (مارس) 1997، وجه ضربة أخرى في القدس وقررت حكومته تنفيذ مشروع بناء حي كبير في جبل أبو غنيم، ذلك القرار الذي اعتبره "أرئيل شارون" وزير البنية التحتية تفويضاً مطلقاً له ببناء المستعمرات.

استمرت العمليات التي تقوم بها حركة حماس والجهاد الإسلامي. كان إحدى اعنفها، وقعت في مقهى بتل أبيب، وأخرى يوم 30 تموز (سبتمبر) في سوق القدس، سقط فيها 13 قتيلاً و 170 جريحاً. في 4 أيلول نفذ ثلاثة انتحاريين عملية في قلب القدس أوقعت خمسة قتلى في صفوف المدنيين، وفي كل هذه العمليات كان عرفات يدينها، ويدين إرهاب الدولة الإسرائيلية واجراءاتها، ويصفها بأنها تدمّر عملية السلام

قامت أجهزة الأمن بحملة اعتقالات واحبطت عدة عمليات. كانت حركة حماس والجهاد الإسلامي تسعيان لإحباط التسوية وإحراج عرفات، الذي كان يبذل جهداً لإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين من السجون الإسرائيلية لثنيه عن ممارسة العمليات، بل إنه كسب تأييد بعض قادة من حماس مثل: عماد الفالوجي وطلال سدر وأشركهما في حكومته. ولكن الملك حسين هو الذي أطلق الشيخ ياسين بعد عملية تسميم خالد مشعل من قبل عميلين إسرائيليين.

وفي الدورة الثالثة للمجلس التشريعي الذي أنعقد في آذار (مارس) 1998، دعا عرفات إلى قمة عربية لانقاذ جهود السلام المعرضة للخطر بسبب تزايد المستوطنات. "وعلى رأس هذه الحكومة الإسرائيلية ثمة رجل لا يفى بتعهداته. هدفه الوحيد هو تدمير اتفاقيات أوسلو، التي أصبحت على وشك الإنهيار التام". لكن عرفات كان يدرك آيضاً أن باستطاعته أن يقلب الأوضاع. وإعادة الحياة إلى عملية السلام: وهي "إعلان الدولة الفلسطينية" على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة كافة، بعد انقضاء فترة السنوات الخمس التي تنص عليها اتفاقيات أوسلو، أي في 4 أيار (مايو) 1999، وكان في هذا الإجراء يريد الضغط على إسرائيل. ثارت ثائرة نيتنياهو، محذراً بخطوات قاسية ضد الاتفاقيات، وكذلك حذا حذوه الرئيس الأميركي كلينتون المعارض لأي إجراء أحادي الجانب، فاستقبل عرفات في البيت الأبيض، حيث كان يخشى أن يقدّم الرئيس الفلسطيني على اعلان هذه الخطوة في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 28 أيلول (سبتمبر) 1998. لكن عرفات لم يتطرق لهذا الموضوع، لكنه أبقاه في يده يستخدمه متى شاء ويهدد به.

وفي الفترة ما بين 15 و 23 تشرين الأول (اكتوبر) 1998، عقد مؤتمر "واي ريفر" (ميريلاند) الذي عقد برعاية بيل كلينتون، وبعد مساومات وحوارات حول انتشار القوات الإسرائيلية، وافق عرفات على تسلّم 13% من أراضي الضفة الغربية، وذلك في إطار انسحابين اسرائيليين من ثلاثة كانت مقررة للفترة الانتقالية. إلا أن كلينتون ذكر عرفات بالتزامه الغاء بنود الميثاق الوطني بالقضاء على دوالة إسرائيل.

انعقد المجلس الوطني الفلسطيني في 14 كانون الأول (ديسمبر) 1998 في غزة، ودعي إليه كلينتون، وتم المصادقة على تعديل الميثاق بعد التصويت برفع الأيدي، لم يعترض على التعديل أحد، ابتهج عرفات، وقال: "يريد نيتنياهو تصويتاً على التعديل، ها هو يحصل عليه، جاء الآن دوره لتنفيذ التزاماته". أما نيتنياهو فقد أدرك، متأخراً أن الحدث اتخذ بعداً دولياً، وحوّله عرفات إلى مناسبة تخدم القضية الفلسطينية.

وكان كلينتون قد استقبل استقبالاً حاراً في مطار غزة من قبل الرئيس عرفات شخصياً، وبكل المراسم الرسمية، وعمّت الفرحة جماهير المستقبلين، وتغطت الشوارع بالأعلام الفلسطينية والاميركية.

وفي الاجتماع الذي عقد في اليوم التالي بين كلينتون وعرفات ونيتنياهو، لم يستحسن الأخير ما جاء في كلمة كلينتون في خطابة حول عذابات كل الأطفال "أطفال القتلة، وأطفال الضحايا". ولم يحتمل أن يضع الرئيس الأميركي الكفاح الذي يخوضه الشعبان الفلسطيني والإسرائيلي على السواء.

غادر كلينتون المنطقة، يتملّكه غضب شديد من نيتنياهو، إلاّ أن المعارضة الإسرائيلية كانت أكثر حدّة، ففي 21 كانون الأول (ديسمبر) 1998، قرر الكنيست الإسرائيلي أن يحل نفسه، وحدد 17 أيار (مايو) 1999 موعداً للإنتخابات.

عرفات وباراك ومعضلة القدس

في 17 أيار (مايو) 1999 احتفل بانتخاب مرشّح الحزب العمالي "ايهود باراك" رئيساً لوزراء إسرائيل، وعلى الرغم من أنه عمالي، إلاّ أنه من معارضي اتفاقيات اوسلو من ناحية، ومن الداعين إلى السيادة الكاملة على القدس "العاصمة الأبدية" من ناحية ثانية، ومن الداعين إلى تمديد فترة التباحث في المفاوضات وتطبيقها من ناحية ثالثة. فخلال عهده أقيمت وحدات سكنية جديدة داخل المستعمرات أكثر مما أقيم في عهد نيتنياهو، ما دفع عرفات ليؤكد "أن باراك اسوأ من نيتنياهو". ففي عهده حدث أمران في غاية الأهمية، صعّدا المواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

الأول: إفشاله لقمة كامب ديفيد، التي عقدت برعاية الرئيس الأميركي "بيل كلينتون" وكل طاقم إدارته يوم 11 تموز (يوليو) 2000، والانحياز الأميركي تجاه مسألة القدس، التي كانت العقدة الأساسية في المفاوضات والتي جعلت عرفات يسجّل لكلينتون قوله: "لن أبيع القدس، ولن يسجّل علي التاريخ أنني خائن، أنا رجل سلام وأطمح إلى تحقيق المصالحة التاريخية... أعطوني موافقة رؤساء الدول العربية والإسلامية وشعوبها، سأتخلى عنها أيضاً"، وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللاجئين وحق العودة، وقضية المستعمرات المقامة على الأراضي المحتلة. وخلال خمسة عشر يوماً للقمة، صمد عرفات، حاول كلينتون تقريب وجهات النظر، ما جعل عرفات يقول وهو يغادر غاضباً، إن الموقف الأميركي: "نسخة منمقة عن الاقتراحات الإسرائيلية".

الثاني: سماحه لشارون بتوجيه أكبر إهانة للشعب الفلسطيني بزيارته للقدس، ودخوله الحرم الشريف تحت حراسة مشددة من رجال الشرطة الإسرائيليين في صباح 28 أيلول (سبتمبر) 2000، ما جعل عرفات يعقد مساء ذلك اليوم اجنماعاً للقيادة الفلسطينية في غزة، وقال لهم: "بدأ باراك في تنفيذ فتح الأنفاق التي بدأت في كامب ديفيد، وتتواصل الآن مع دخول شارون إلى الحرم. القدس في خطر، والأقصى في خطر، لقد أبلغتكم اللهمّ إشهد".

كانت هذه قراءة ياسر عرفات، لما ستؤول إليه الأحداث وردات الفعل، فبعد صلاة الجمعة، خرج الشبان الغاضبون وانطلقوا في مظاهرات عنيفة احتجاجية على الزيارة، رموا الشرطة بالحجارة، فردوا بإطلاق الرصاص، ما لبثت المظاهرات أن امتدت إلى جميع مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، وأصبح من الصعب السيطرة عليها.

وهكذا، وخلال فترة "باراك" انطلقت الانتفاضة الثانية، وأدت الممارسات الإسرائيلية من قمع وتنكيل استخدام السلاح فيها، بين فعل وردة فعل. تقوم القوات الإسرائيلية باغتيال أحد الناشطين، فتزداد حدة المواجهة على الحواجز، وقيام العمليات الانتحارية، فتقوم اسرائيل بردة فعل أقوى، من تطويق المدن والقرى، ونشر الحواجز، والاعتقالات، ومنع الناس من الوصول إلى المخيمات، الأمر الذي سهل مهمة  حماس والجهاد الإسلامي. وحتى داخل حركة فتح التي يقودها عرفات، من القيام بالعمليات التفجيرية، داخل الخط الأخضر، وكان عرفات يدين مثل هذه العمليات، في نفس الوقت الذي يدين به إجراءات العدو الاحتلالية، وردود فعلها. الأمر الذي بدت فيه التسوية أبعد احتمالاً من أي وقت مضى، ما ترك فعله على الجانب الإسرائيلي، فهبطت شعبية باراك هبوطاً حاداً جعله يقدم استقالته.  وفي 6 شباط (فبراير)2001 فاز شارون برئاسة الحكومة الإسرائيلية. في اليوم التالي أعلن عرفات، انه يحترم "خيار الشعب الإسرائيلي" وأنه يأمل "مواصلة عملية السلام، المهم هو احترام الاتفاقيات الموقعة مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة".

شارون وحصار عرفات

اتسمت مواقف شارون في البداية بالاعتدال "النسبي"، بهدف انخراط نواب حزب العمل في حكومة الوحدة الوطنية، ولما ضمن ذلك، أطلق عملية تشهير ضد عرفات بأنه وراء الإرهاب، ساعده في ذلك انتخاب "جورج دبيلو بوش" رئيساً للولايات المتحدة، ولقائه معه في 20 آذار (مارس) 2001، كان اللقاء حاراً، فلم تمض بضعة أيام، حتى دعا بوش عرفات إلى "التحدّث بقوة وعلناً، وبلغة الفلسطينيين، لإدانة العنف والإرهابيين، واعتقال المسؤولين عنها". في الوقت الذي اضطر عرفات إلى إصدار دعوة خلال مؤتمر القمة العربي الذي انعقد في عمان في أواخر آذار (مارس) 2001، المطالبة بوقف اطلاق النار، مطالباً بإرسال قوات دولية إلى الأراضي الفلسطينية لحماية السكان المدنيين. في الوقت الذي طالب فيه من البيت الأبيض مباشرة دعمه في العودة إلى المفاوضات. لكن بوش، دعماً لشارون، تجنّب أي لقاء مع عرفات تاركاً الأمر لوزير خارجيته "كولن باول" في الوقت الذي اشتد قمع الانتفاضة أكثر وأكثر.