المصالحة والسلام العام

المصالحة والسلام العام
بقلم د يسر الغريسي حجازي 

02.10.17

المصالحة والسلام العام 


 "اذا لم يكن لدينا سلام، فذلك لأننا نسينا الي من ننتمي". الأم تيريزا


يبقي السلام في الأبعاد الاجتماعية كجزء من العدالة, والتقدم. فالسلام يعني التنمية العامة, والاجتماعية, والحقوق المدنية. ويعتمد البقاء على قيد الحياة،و القضاء على جميع أشكال العنف, والصراع, والحرب. إنه النضال الحقيقي من أجل السلام الوطني, ورفاه السكان. ان السلام يدمج السلام البشري الداخلي, و الذي يتضمن الارتياح, والحقيقة،وسبب الوجود. ويشمل تلك الطموحات, وخطة تحقيق بيئة قائمة على الحقوق المدنية. انما الأهداف الحضارية لا يمكن تحقيقها في بيئة قمعية ,ومسيئة للحقوق المدنية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن السلام هو التوسع الذي يديم التنمية البشرية، و هو إرساء سيادة القانون, وبقاء شعوبه. بعد أكثر من 10 سنوات من الانقسام بين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وحركة حماس، التي تسيطر على قطاع غزة، تبرز علامة التغير في التوجه السياسي, وتاتي محاولة أخيرة لتحقيق المصالحة بين الطرفين ,ويتم ذلك تحت رعاية الدولة المصرية بقيادة الرئيس السيسي.  

ومن المفترض أن يعقد السيد الحمد الله مع العديد من المسؤولين عدة لقاءات لتشكيل الوحدة الفلسطينية, ولجان عمل متعددة، وإعداد نقل السلطة بين حماس التي تسيطر عسكريا على قطاع غزة منذ عام 2016, والسلطة الفلسطينية. ويتم نقل السلطة تحت اشراف وفد من الأمن المصري.  

لقد فهمت الاطراف المتنازعة, أن الوحدة الفلسطينية هي الحل الوحيد لتحقيق دولة فلسطينية حرة, وإقناع الساحة الدولية بذلك. كما استغلت اسراييل  الانقسام الفلسطيني وغياب حكومة فلسطينية متماسكة, ولعبت دورا سائدا في انتشار المستوطنات في الضفة الغربية, والقدس الشرقية، و في تدهور الوضع الاقتصادي, والإنساني الكارثي في قطاع غزة. لقد أدرك الجميع أن غزة هي القلب النابض لدولة فلسطينية ذات سيادة كاملة. لن يكون ابدا دولة فلسطينية دون الإمكانات الاقتصادية, والثروات التي يملكها قطاع غزة, كعاصمة اساسية لدولة فلسطين المستقبلية. وعلى مدى عشر سنوات، تعطلت حكومة السلطة الفلسطينية، مما ادي الي اضعاف الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية في غزة, والضفة الغربية، والقدس، و عجزت الساحة الدولية  امام الاعمال العدوانية، والافتراء التي تقوم به إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني الاعزل, و ذلك من خلال مصادرة اراضيهم وبناء سلسلة مستوطنات حول ما تبقي من المناطق الفلسطينية. 

وبالنسبة إلى المليوني نسمة في غزة، تكمن الأولوية في رفع الحصار الظالم عن حركة سكانها. حيث ان قطاع غزة المكتظ , عاش الرعب, والقتل, والتشريد من ثلاث حروب قامت بها حركة حماس ضد إسرائيل منذ عام 2008. ويخضع سكان غزة من عشرة سنوات, لعقوبات الحصار الإسرائيلي ومن جهة الحدود المصرية. حيث أن حماس غير معترف بها من قبل الساحة الدولية. كما تعاني غزة من قلة المياه, بسبب انقطاع الكهرباء المتواصل, وذات التأثير الضار علي صحة الفلسطينيين والوضع إلانساني المنهار، بالاضافة الي الضائقة الاقتصادية, والبطالة التي تزيد عن 40٪. ان حركاتي حماس وفتح ,هما الطرفان الأقوى في السلطة الفلسطينية، وسعت حماس دون جدوى إلى الاعتراف الدولي بها, في محاولتها للاستعداد لدولة مستقلة في قطاع غزة تحت حكمها, ولكن فشلت بسبب ان منظمة التحرير الفلسطينية هي الراعي الوحيد، والشرعي للقضية الفلسطينية, وتمثلها السلطة الشرعية الوحيدة, والتي يقودها الرئيس عباس. وأعرب كل من الأحزاب السياسية اليوم عن ثقتهم في امكانية فرصة المصالحة السياسية. هل حماس على استعداد حقا لتقاسم السلطة؟ وعلى وجه الخصوص، التخلي عن السيطرة علي قطاع غزة، والتنازل عن امتيازات السلطة؟ ونعتقد جميعا أن هناك إرادة قوية من حركة حماس في تحقيق الوحدة الفلسطينية، و توفير الاحتياجات الأساسية للشعب الغزي. وبالنسبة إلى السيد هنية، زعيم حركة حماس، فإن الوحدة بين غزة والضفة الغربية هي أساس المصالحة، والإفراج عن عبئ المسؤوليات تجاه سكان غزة. 

وبالنسبة للسلطة الفلسطينية، يجب على حكومة السيد الحمدلله أن تمارس مسؤولياتها بحرية, ودون تدخل من حركة حماس. يتبين ان حماس الآن أقوى مع بروزالسيد السنوار زعيمها الجديد، الذي يخطط للدخول إلى المشهد السياسي, والمؤسساتي, تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية. وجاء هذا التغيير كتكتيك سياسي بعد رفض الاعتراف الدولي بحركة حماس كشريك سياسي في القضية الفلسطينية، خاصة من إسرائيل، والولايات المتحدة. كما أدى نجاح حماس في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية عام 2006 إلى إضعاف حكومة الوحدة الوطنية, بسبب ان المنظمات الدولية ,و الأمم المتحدة,والاتحاد الأوروبي رفض التعاون مع رجال حركة حماس التي ليست لها برنامج سياسي، انما هي حركة مقاومة. وساعد ذلك على انتزاع بعض المسؤوليات من رجال حماس في حكومة الوحدة الوطنية. الشيء الذي رفضته حركة حماس في الحكومة, و التي قامت بعدها بالسيطرة على قطاع غزة في عام 2007, مما أسفر عن مقتل العشرات والتسبب في اعاقة كثير من شباب فتح,  واضرار مادية جسيمة, ووضع الحصار الاقتصادي, والسياسي, على مليوني مدني, فقط بذنب انهم سكان قطاع غزة. 

ان اللقاءات الفلسطينية المكثفة التي يقوم بها السيد الحمد الله، بتكليف من الرئيس عباس في غزة, تاتي من اجل تحقيق عودة الحكومة في قطاع غزة في لحظة وحدة تاريخية , للإعلان عن المصالحة الفلسطينية. وكدليل على حسن النية، قامت حركة حماس بتفكيك لجنة إدارة غزة قبل خطاب الرئيس عباس أمام الجمعية العامة، من أجل تعزيز موقف الرئيس في طلبه للحصول على اقامة دولة فلسطينية مستقلة. و أعرب السيد السنوار استعداد حركة حماس, علي التنسيق الكامل مع السلطة الفلسطينية، لشغل مناصبهم في الوزارات، وأن حركة حماس ستقوم بمعاقبة أولئك الذين, سيحاولون وضع العراقيل أمام المصالحة الوطنية . كما ان جاء هذا التغييرالمفاجئ من حركة حماس بسبب تفاقم المشاكل الاقتصادية, والانسانية الكارثية, ووضع حركة حماس في واقع مرير، و عدم قدرتها على ادارة قطاع غزة, وخوف من خسارة شعبيتها والتي اهتزت الأواني الاخيرة من قبل سكان غزة. 

وهذا اعتراف من حركة حماس بفشلها في إدارة قطاع غزة، واستيعابها لاستحالة الاعتراف بحركة حماس دوليا، كحكومة فلسطينية شرعية, بديلة عن منظمة التحرير الفلسطينية. لقد كانت حياة غزة كابوسا تحت سلطة حماس من الناحية الاقتصادية, والسياسية, والاجتماعية، ناهيك عن عدد حالات الانتحار بين الشباب العاطلين عن العمل، وعدد حالات الطلاق، ومدمني المخدرات، وقتل النساء والتراجع في حقوقهن، وشهداء ومعاقين الحروبب. ليس فقط أن شعب غزة غير قادر على السفر, والخروج والدخول, من والي قطاع غزة، كان عليهم ان يتحملوا الاهانات وتلقيبهم بانهم حمساويين، وغير مرغوب فيهم في كل مكان، وان يعيشوا أيضا ثلاثة حروب مروعة، كانوا الضحايا المباشرين لها، بسبب استهداف المدنيين من قبل الجيش الاسرائيلي، ولا يزال اطفال, ونساء, ورجال غزة يعانون من آثار الحروب وقساوة الحصار من كل الجيهات. ومن الواضح أن الزعيم الجديد لحماس, السيد السنوار اختار العودة إلى العمل المؤسساتي والدخول الي منظمة التحرير الفلسطينية من بابها الكبير, للعمل كسياسي، والذهاب إلى الانتخابات من أجل أن يفوز بالسلطة بطريقة شرعية، وحسب نظام واتفاقيات منظمة التحرير. 

نعتقد اليوم انه تغيير تاريخي, و استراتيجي لحركة حماس التي اجبرت علي قبول التعايش السياسي, وتحمل مسؤولياتها امام الشعب الفلسطيني. إن استعداد الزعيم سينوار لتسليم حكومة الحمد الله إدارة غزة، يثبت أنه يعترف بأخطاء حماس في السيطرة العسكرية على قطاع غزة, واستعداد حركة حماس لممارسة مسؤوليتها السياسية, والاجتماعية, والاقتصادية. صحيح أن حالة غزة أصبحت مخيفة لحركة حماس، حيث لا تتجاوز الكهرباء أربع ساعات يوميا، وتخفيضات المياه، وحظر تنقل السكان، و تداول المخدرات بشكل خطير، وازدياد الجرائم, والتاخير في إعادة اعمار غزة ، والنقص في الغاز الطهي ,والوقود، وارتفاع معدل البطالة الي 44٪، وإغلاق حدود رفح مع مصر، والضرائب المفروضة على سكان غزة، وعدم القدرة على تغطية رواتب موظفيها. وقد أصبحت هذه الأعباء كابوسا لحركة حماس, التي تعترف بشكل غير مباشر بسوء فهمها للسيطرة على قطاع غزة. في الواقع، حركة حماس تغير الآن موقفها وتريد تنظيم نفسها في المؤسسة السياسية. و تسعى إلى أن تصبح شريكا سياسيا مع حركة فتح، المؤسسة لمنظمة التحرير الفلسطينية، والي حل مشاكل قطاع غزة من حيث البنية التحتية، انصاف سكانها الذين ظلموا من الجهتين, ثم التوجه إلى الانتخابات العامة. 

وتاتي هذه المصالحة لإنقاذ مليوني شخص في غزة, تمت معاقبتهم على نحو وحشي, وغير عادل من قبل الانقسام الفلسطيني، في حين أن الضفة الغربية لم تعاني من أي ضرر من هذا الانقسام, بسبب ان التجنيد والاستثمارات المالية, والاقتصادية, والمشاريع السكانية, وفرص التوظيف, والتقنيات،والمستحقات تم تنفيذها في الضفة الغربية, وذلك لمدة 10 سنوات. ان الحصيلة ثقيلة علي السلطة الفلسطينية التي تكبدت حوالي 30 مليار خسارة،  وهدم البنية التحتية لقطاع غزة بالكامل ، والركود الاقتصاديي الظالم علي غزة. لذلك، تقدم حركة حماس دعمها الكامل للوحدة الفلسطينية,  وتمد يديها الي المصالحة الوطنية. ومن المحتمل أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق بشأن عدة نقاط حاسمة في فك الصراع. لا تزال هناك تحديات, وعقابات, و لا تريد حراكتي حماس وفتح التعامل معها على الفور، بما في ذلك ملف  44،500 الف موظف مدني لحركة حماس من بعد 2007، وملف الامن بما يخص تفكيك جيش حماس واستيعابهم في الاجهزة الأمنية.

كل هذا يتوقف على إرادة حركتي حماس وفتح, التي يمكن أن تتوصل إلى حلول موثوقة, في سبيل مصلحة الوطن, وابنائه, وثوابته. ويمكن تطبيق النموذج السويسري لإدراج موظفين حركة حماس في ميزانية الحكومة، ويمكن توزيع جنود حماس في أجهزة امن السلطة. مما يعني سلاح واحد فقط، وهو تحت مسؤولية السلطة. وبالتالي, لا يوجد مشاكل فيما يتعلق بنشر قوات الأمن التابعة للرئيس عباس على الحدود المصرية  الفلسطينية. و أعربت حماس عن موافقتها على ذلك. سوف يساعد ذلك على رفع الحظر المفروض على حركة الأشخاص والبضائع في غزة، والمصالحة امر ضرورى, ستقدرها منظمة الامم المتحدة, والولايات المتحدة,  والاتحاد الأوروبي, وحتي اسرائيل التي تخشي من تفشى الوضع الانساني الي اراضيها, كما انها تفضل الهدوء مع جيرانها. وفي الزيارة الأخيرة لجيسون غرينبلات، المبعوث الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط، تتطلع الي الوضع الانساني المنهار لقطاع غزة, وذلك يمرافقه الجنرال الاسرائيلي يوآف مردخاي، واعرب علي ضرورة عودة السلطة الفلسطينية  إلى المعابر الحدودية، لرفع الخناق على قطاع غزة..

بالنسبة لإسرائيل، إن أهمية الوحدة بين حراكتي فتح وحماس, تتمحور حول تفاصيل اتفاق المصالحة, وأنشطة جيش حماس, وضرورة أمن إسرائيل. ان حراكتي حماس و فتح الآن, عازمتان على تحقيق المصالحة الوطنية, بسبب ان اليأس والخراب يسيطران على عملية السلام مع إسرائيل, و الحالة الإنسانية الكارثية في قطاع غزة. ولا يزال شعب غزة الأكثر تضررا من هذا الانقسام السياسي المريب، والذي يخشي من أن تتعثر المصالحة الفلسطينية مرة أخرى. أما الأحزاب السياسية الفلسطينية الأخرى، فقد أعربت معظمها عن حماستها للمصالحة الفلسطينية الجديدة من رغم ان لم يكون لها دورا في تحقيق المصالحة عدة مرات. وهي عملية قد تستغرق وقتا طويلا لحل جميع المعضلات بتفاصيلها، والوصول أخيرا, إلى الانتخابات العامة, والرئاسية, والتشريعية. 

نحن بحاجة إلى فهم الزناد الذي جعل حراكتي حماس وفتح تتحرك نحوي مجري سياسي جديد، وذلك بسبب وضوح المسؤولية البيئية والسياسية، والإنسانية, والاجتماعية, التي تقع علي مسؤولية القيادة الفلسطينية في غزة بالذات. و سيكون ثمن حكومة الوحدة الوطنية, اقناع الولايات المتحدة واسرائيل باستعداد حكومة الوحدة المقبلة علي بناء مؤسسة قائمة علي الإصلاح الكامل، والقانون، والشفافية في ادارة مؤسساتها، وهويتها لإقامة دولة فلسطينية مستقلة علي أساس النزاهة والديمقراطية. ذلك التحدي الأصعب.بدون السلام، لن يتم مباركة صانعو القرار, لأنهم سيدمرون كل شيء من حولهم. بعد عشر سنوات من القسوة والعذاب, والحرمان لسكان غزة، انه درس لتعليم المسؤولية الاجتماعية،والسياسية بقيمه الإنسانية بكل المعاني, والذي جعل صناع القرار يدركون أن الانقسام الفلسطيني ,قد كلف تعاسة مليوني غزاوي خلال 10 سنوات من البؤس, واليأس, والدمار . إن المسار الحقيقي للوحدة السياسية, هو اقامة دولة ذات انسجام داخلي، وعدالة, وأمن لجميع مواطنيها. 

التعليقات