شاهد بالفيديو: ثلاثة شبان في غزة من مهنة التمريض إلى "الطوبار"
خاص دنيا الوطن
لقد أضحت غزة مؤخراً مسرحاً للكثير من التناقضات التي نلمسها يومياً في تفاصيل حياتنا، فغزة المنكوبة والمحاصرة، قد قلبت موازين المنطق والمعقول في كل شيء، فطفلها لم يعد طفلاً وبحرها لم يعد بحراً ومنظومتها الكلية لم تعد سوى معادلة آيلة للسقوط في أي وقت.
ومن خلل هذه المنظومة أن يتحول خريج الجامعة بين ليلة وضحاها من مقاعد الدراسة إلى صفوف البطالة، الأمر الذي لا يقبله عقل ولا منطق، وهذا ما تمثله قضية هذا التقرير، إذ تحول ثلاثة شبان (كنموذج لغيرهم من آلاف الحالات) من مهنة التمريض إلى مهنة الأعمال الشاقة "الطوبار" في معاناة لا تشبه سوى تفاصيل واقع الحياة في غزة.
الممرض إيهاب.. عامل "طوبار"
إيهاب أبو شاويش وماجد عبد الرازق وخالد عليان شبان تخرجوا من الجامعة في مجال المهن الطبية، وللأسف فقد تبدد الحلم الذي كان يراودهم في ارتداء روب التمريض الأبيض ومزاولة مهنتهم التي سهروا ليال طوال من أجلها، فلم يكن بانتظارهم سوى قلة فرص العمل وانعدام الأفق في حياة كريمة فما كان منهم إلا أن بحثوا عن لقمة العيش أيا كانت وبأي ثمن فكان "الطوبار" باستقبالهم.
في حسرة وانكسار يقول الممرض إيهاب أبو شاويش (30 عاماً) متزوج ولديه طفلان: "تخرجت عام 2008 من تخصص التمريض العام ونتيجة قلة الفرص وكثرة الالتزامات الحياتية المطلوبة مني كأب اضطررت إلى العمل في "الطوبار" بعد أن تقطعت بي أسباب العيش بحياة كريمة نتيجة ظروف قلة العمل في غزة".
"منذ سبع سنوات وأنا أعمل في "الطوبار" لأحصل في اليوم على 40 شيقلاً وبما أن العمل في هذه المهنة ليس منتظماً فأنا أعمل ثلاثة إلى أربعة أيام شهرياً، وهنا الكابوس ألا يكفي أنني لا أعمل في مجالي بل أيضاً لا أحصل على ما يكفي بيتي كأجرة يومية".
وهنا المفارقة، فإيهاب الذي من المفترض أن يكون في منظومة الأطباء ويعالج الناس أصبح مريضاً بحاجة إلى من يعالجه بسبب العمل في الطوبار.
"نتيجة عملي في "الطوبار" أصبح لدي ثلاثة غضاريف في ظهري، مسببة ألماً شديداً يزداد حين أعمل نتيجة حمل الأشياء الثقيلة كما وأعاني من خشونة في مفصل الحوض، أعيش حالياً على المسكنات كي أتمكن من العمل ولا أمد يدي إلى أحد، الأمر الذي تسبب لي في قرحة في المعدة نتيجة تناول هذه المسكنات بكميات كبيرة، فماذا أفعل؟" على حد قوله.
ويختم أبو شاويش حديثه بتنهيدة قائلاً: "مش عارفين وين نروح، دقينا كتير أبواب لكن عالفاضي، أريد عملاً أريد عملاً يليق بشهادتي التي كلفتني الكثير من الوقت والنقود والأمل، يكفينا تسول".
ماجد من سكرتير مهن طبية إلى "طوبرجي"
أما ماجد عبد الرازق (24 عاماً) فلم يكن حاله أفضل لأنه هو الآخر اضطر إلى العمل في "الطوبار والحديد" كي لا يكون عالة على مجتمعه وأهله.
يقول ماجد: "تخرجت عام 2013 بمعدل 76% من تخصص سكرتير سجل طبي، وحالياً أعمل في الطوبار، أحصل في اليوم على 40 شيقلاً من الصباح إلى العشاء، والدي مريض وليس للعائلة أي دخل آخر".
ويضيف وهو مطأطئ رأسه إلى الأرض: "كل ما درسناه عالفاضي، ليتني لم أدرس التمريض، ليتني تعلمت صنعة طالما أن الوضع في غزة لا يحتاج شهادات".
ولا تقف المعاناة إلى هنا بل تزداد حين تؤثر مهنة الطوبار على أصحابها صحياً، فماجد تفاقمت لديه أعراض "الرباط الصليبي" في قدمه نتيجة العمل في "الطوبار" والحديد، الأمر الذي يضطره إلى ارتداء ضاغط طبي "مشد" كي يستطيع الوقوف والعمل.
وحول لقبه الذي يصف بها نفسه حين يتعامل مع الآخرين يقول عبد الرازق: "أنا ممرض طوبرجي أرفع بلوك وبلاط، أعمل في القصارة والدهان ورفع الرمل والحديد وحفر المجاري أحياناً".
معاناة صيفاً وشتاءً
حول المعاناة الفعلية لمهنة الطوبار وما يتحمله العامل من مشقة سواء صيفاً حيث الحر الشديد أو شتاءً حيث برودة الجو يقول عبد الرازق: "نتحمل الأمرين نتيجة العمل بالطوبار في هذه الأيام من الصيف حيث الحر الشديد، الأمر الذي يصيبنا بالصداع أو بضربة الشمس، بالإضافة إلى أن الأمر ليس أفضل شتاءً إذ ما أصعب أن تلدغ أيدينا "قرصة الحديد" نتيجة شدة برودته، الأمر الذي يصيبنا بالحساسية، وانتشار الحبوب على الجلد التي تصل أحياناً إلى التهابات شديدة وسيلان الدم".
ممرض بين "الطوبار" وبيع الخضار
أما الشاب خالد عليان (28 عاماً) متزوج ومعه طفلان فيقول: "أحمل شهادة بكالوريوس في التمريض، إذ تخرجت عام 2011، حتى الآن لم أعمل في مجالي وبعد أن طرقت كل الأبواب استسلمت للأمر الواقع، وبدأت أبحث عن فرص عمل أخرى فعملت في الطوبار والقصارة والزراعة بل وبائعاً للخضار على "عربة حمار"، حالياً لا يوجد شغل طوبار، لذلك قررت أن أعمل كعامل في دكان أتقاضى منها 25 شيقلاً على 12 ساعة من العمل المتواصل".
أما فيما يتعلق بوضعه المادي فيضيف عليان: "أسكن في بيت العائلة في غرفة على السطح، رغم أن العمل ليس عيباً لكن أيضاً صعب على الإنسان الذي يحمل شهادة أن يعمل في غير مجاله، فأنا تنازلت كثيراً عن كرامتي في سبيل توفير لقمة عيش لعائلتي، بالإضافة إلى أنني قاربت على نسيان دراستي في التمريض نتيجة عدم ممارسة المهنة".
ويقول: "أثناء عملي في الطوبار كانت معاملة المسؤول لنا سيئة جداً فهناك الشتم والإهانة وأحياناً الضرب وفي احدى المرات وأثناء العمل تم ضرب أحد العمال الحاملين لشهادة وللأسف صاحب العمل لا يميز بين حامل الشهادة والعامل العادي".
نقيب الممرضين: 400-500 خريج عاطل عن العمل
الأستاذ خليل الدقران نقيب الممرضين في غزة يعلق على الأمر بقوله: "الخريجون بشكل عام ومنهم خريجو التمريض، اضطروا نتيجة الوضع الحالي من حصار وازدياد أعداد الخريجين وعدم قدرة الوزارات على استيعاب هذه الأعداد إلى العمل في مهن أخرى كالبناء و"الطوبار" الأمر الذي يسبب لهم نوعاً من الإحباط النفسي والاجتماعي".
ويضيف إحصائياً: "في العام المنصرم تخرج من كلية التمريض 500 من حملة البكالوريوس وحملة الدبلوم وبتخصصات مختلفة (قابلات وفني عمليات)، أما هذا العام وبعد التواصل مع الجامعات يقدر عدد الخريجين من التمريض 700 خريج ومنذ حوالي الشهرين أعلن الديوان العام للموظفين عن مسابقات للعمل فتقدم للمسابقة حوالي 3300 خريج منهم 1200 من حملة البكالوريوس و1800 من حملة الدبلوم و250 قابلة و250 فني عمليات".
"نجح مما سبق 677 ممرضاً من حملة البكالوريوس و1065 من حملة الدبلوم و134 قابلة و158 فني عمليات"، على حد قوله.
وختم القدرة حديثه بالقول: "نطالب وزارة الصحة بزيادة أعداد التوظيف في الممرضين، إذ إن هناك 4000-5000 خريج عاطل عن العمل من مهنة التمريض، كما أن المستشفيات على مستوى قطاع غزة ينقصها حوالي 1000 ممرض وممرضة".
إذاً هي غزة التي قادت الظروف أبناءها إلى شق طريقهم الخاص بهم بعيداً عما يتناسب مع تحصيلهم العلمي بعد سنوات من الجد والتعب فلم تعد الحكمة التي تقول: "من جد وجد" ذات معنى في ظل ما تمر به غزة من أزمات، بل أصبح واقع الحال يقول "من سار على الدرب فشل"، فإلى متى هذا الحال؟
لقد أضحت غزة مؤخراً مسرحاً للكثير من التناقضات التي نلمسها يومياً في تفاصيل حياتنا، فغزة المنكوبة والمحاصرة، قد قلبت موازين المنطق والمعقول في كل شيء، فطفلها لم يعد طفلاً وبحرها لم يعد بحراً ومنظومتها الكلية لم تعد سوى معادلة آيلة للسقوط في أي وقت.
ومن خلل هذه المنظومة أن يتحول خريج الجامعة بين ليلة وضحاها من مقاعد الدراسة إلى صفوف البطالة، الأمر الذي لا يقبله عقل ولا منطق، وهذا ما تمثله قضية هذا التقرير، إذ تحول ثلاثة شبان (كنموذج لغيرهم من آلاف الحالات) من مهنة التمريض إلى مهنة الأعمال الشاقة "الطوبار" في معاناة لا تشبه سوى تفاصيل واقع الحياة في غزة.
الممرض إيهاب.. عامل "طوبار"
إيهاب أبو شاويش وماجد عبد الرازق وخالد عليان شبان تخرجوا من الجامعة في مجال المهن الطبية، وللأسف فقد تبدد الحلم الذي كان يراودهم في ارتداء روب التمريض الأبيض ومزاولة مهنتهم التي سهروا ليال طوال من أجلها، فلم يكن بانتظارهم سوى قلة فرص العمل وانعدام الأفق في حياة كريمة فما كان منهم إلا أن بحثوا عن لقمة العيش أيا كانت وبأي ثمن فكان "الطوبار" باستقبالهم.
في حسرة وانكسار يقول الممرض إيهاب أبو شاويش (30 عاماً) متزوج ولديه طفلان: "تخرجت عام 2008 من تخصص التمريض العام ونتيجة قلة الفرص وكثرة الالتزامات الحياتية المطلوبة مني كأب اضطررت إلى العمل في "الطوبار" بعد أن تقطعت بي أسباب العيش بحياة كريمة نتيجة ظروف قلة العمل في غزة".
"منذ سبع سنوات وأنا أعمل في "الطوبار" لأحصل في اليوم على 40 شيقلاً وبما أن العمل في هذه المهنة ليس منتظماً فأنا أعمل ثلاثة إلى أربعة أيام شهرياً، وهنا الكابوس ألا يكفي أنني لا أعمل في مجالي بل أيضاً لا أحصل على ما يكفي بيتي كأجرة يومية".
وهنا المفارقة، فإيهاب الذي من المفترض أن يكون في منظومة الأطباء ويعالج الناس أصبح مريضاً بحاجة إلى من يعالجه بسبب العمل في الطوبار.
"نتيجة عملي في "الطوبار" أصبح لدي ثلاثة غضاريف في ظهري، مسببة ألماً شديداً يزداد حين أعمل نتيجة حمل الأشياء الثقيلة كما وأعاني من خشونة في مفصل الحوض، أعيش حالياً على المسكنات كي أتمكن من العمل ولا أمد يدي إلى أحد، الأمر الذي تسبب لي في قرحة في المعدة نتيجة تناول هذه المسكنات بكميات كبيرة، فماذا أفعل؟" على حد قوله.
ويختم أبو شاويش حديثه بتنهيدة قائلاً: "مش عارفين وين نروح، دقينا كتير أبواب لكن عالفاضي، أريد عملاً أريد عملاً يليق بشهادتي التي كلفتني الكثير من الوقت والنقود والأمل، يكفينا تسول".
ماجد من سكرتير مهن طبية إلى "طوبرجي"
أما ماجد عبد الرازق (24 عاماً) فلم يكن حاله أفضل لأنه هو الآخر اضطر إلى العمل في "الطوبار والحديد" كي لا يكون عالة على مجتمعه وأهله.
يقول ماجد: "تخرجت عام 2013 بمعدل 76% من تخصص سكرتير سجل طبي، وحالياً أعمل في الطوبار، أحصل في اليوم على 40 شيقلاً من الصباح إلى العشاء، والدي مريض وليس للعائلة أي دخل آخر".
ويضيف وهو مطأطئ رأسه إلى الأرض: "كل ما درسناه عالفاضي، ليتني لم أدرس التمريض، ليتني تعلمت صنعة طالما أن الوضع في غزة لا يحتاج شهادات".
ولا تقف المعاناة إلى هنا بل تزداد حين تؤثر مهنة الطوبار على أصحابها صحياً، فماجد تفاقمت لديه أعراض "الرباط الصليبي" في قدمه نتيجة العمل في "الطوبار" والحديد، الأمر الذي يضطره إلى ارتداء ضاغط طبي "مشد" كي يستطيع الوقوف والعمل.
وحول لقبه الذي يصف بها نفسه حين يتعامل مع الآخرين يقول عبد الرازق: "أنا ممرض طوبرجي أرفع بلوك وبلاط، أعمل في القصارة والدهان ورفع الرمل والحديد وحفر المجاري أحياناً".
معاناة صيفاً وشتاءً
حول المعاناة الفعلية لمهنة الطوبار وما يتحمله العامل من مشقة سواء صيفاً حيث الحر الشديد أو شتاءً حيث برودة الجو يقول عبد الرازق: "نتحمل الأمرين نتيجة العمل بالطوبار في هذه الأيام من الصيف حيث الحر الشديد، الأمر الذي يصيبنا بالصداع أو بضربة الشمس، بالإضافة إلى أن الأمر ليس أفضل شتاءً إذ ما أصعب أن تلدغ أيدينا "قرصة الحديد" نتيجة شدة برودته، الأمر الذي يصيبنا بالحساسية، وانتشار الحبوب على الجلد التي تصل أحياناً إلى التهابات شديدة وسيلان الدم".
ممرض بين "الطوبار" وبيع الخضار
أما الشاب خالد عليان (28 عاماً) متزوج ومعه طفلان فيقول: "أحمل شهادة بكالوريوس في التمريض، إذ تخرجت عام 2011، حتى الآن لم أعمل في مجالي وبعد أن طرقت كل الأبواب استسلمت للأمر الواقع، وبدأت أبحث عن فرص عمل أخرى فعملت في الطوبار والقصارة والزراعة بل وبائعاً للخضار على "عربة حمار"، حالياً لا يوجد شغل طوبار، لذلك قررت أن أعمل كعامل في دكان أتقاضى منها 25 شيقلاً على 12 ساعة من العمل المتواصل".
أما فيما يتعلق بوضعه المادي فيضيف عليان: "أسكن في بيت العائلة في غرفة على السطح، رغم أن العمل ليس عيباً لكن أيضاً صعب على الإنسان الذي يحمل شهادة أن يعمل في غير مجاله، فأنا تنازلت كثيراً عن كرامتي في سبيل توفير لقمة عيش لعائلتي، بالإضافة إلى أنني قاربت على نسيان دراستي في التمريض نتيجة عدم ممارسة المهنة".
ويقول: "أثناء عملي في الطوبار كانت معاملة المسؤول لنا سيئة جداً فهناك الشتم والإهانة وأحياناً الضرب وفي احدى المرات وأثناء العمل تم ضرب أحد العمال الحاملين لشهادة وللأسف صاحب العمل لا يميز بين حامل الشهادة والعامل العادي".
نقيب الممرضين: 400-500 خريج عاطل عن العمل
الأستاذ خليل الدقران نقيب الممرضين في غزة يعلق على الأمر بقوله: "الخريجون بشكل عام ومنهم خريجو التمريض، اضطروا نتيجة الوضع الحالي من حصار وازدياد أعداد الخريجين وعدم قدرة الوزارات على استيعاب هذه الأعداد إلى العمل في مهن أخرى كالبناء و"الطوبار" الأمر الذي يسبب لهم نوعاً من الإحباط النفسي والاجتماعي".
ويضيف إحصائياً: "في العام المنصرم تخرج من كلية التمريض 500 من حملة البكالوريوس وحملة الدبلوم وبتخصصات مختلفة (قابلات وفني عمليات)، أما هذا العام وبعد التواصل مع الجامعات يقدر عدد الخريجين من التمريض 700 خريج ومنذ حوالي الشهرين أعلن الديوان العام للموظفين عن مسابقات للعمل فتقدم للمسابقة حوالي 3300 خريج منهم 1200 من حملة البكالوريوس و1800 من حملة الدبلوم و250 قابلة و250 فني عمليات".
"نجح مما سبق 677 ممرضاً من حملة البكالوريوس و1065 من حملة الدبلوم و134 قابلة و158 فني عمليات"، على حد قوله.
وختم القدرة حديثه بالقول: "نطالب وزارة الصحة بزيادة أعداد التوظيف في الممرضين، إذ إن هناك 4000-5000 خريج عاطل عن العمل من مهنة التمريض، كما أن المستشفيات على مستوى قطاع غزة ينقصها حوالي 1000 ممرض وممرضة".
إذاً هي غزة التي قادت الظروف أبناءها إلى شق طريقهم الخاص بهم بعيداً عما يتناسب مع تحصيلهم العلمي بعد سنوات من الجد والتعب فلم تعد الحكمة التي تقول: "من جد وجد" ذات معنى في ظل ما تمر به غزة من أزمات، بل أصبح واقع الحال يقول "من سار على الدرب فشل"، فإلى متى هذا الحال؟


التعليقات