فيديو: الحقيبة المدرسية التي تعمل بدوام كامل يومياً

فيديو: الحقيبة المدرسية التي تعمل بدوام كامل يومياً
جانب من التقرير
خاص دنيا الوطن
تستمر المعاناة في غزة وتتواصل فصولها وحلقاتها، فهنالك كل يوم قصة جديدة ومأساة مختلفة، والسبب هو الوضع الكارثي التي وصلت إليه غزة مؤخراً، والذي بدوره أوصل الحال بإحدى الأسر المعدمة في شمال قطاع غزة إلى أن يتشارك الأخ وأخته حقيبة مدرسية واحدة، فما إن يعود الأخ من مدرسته ظهراً، حتى تكون أخته في انتظاره على أحر من الجمر ليأخذ منها الحقيبة الوحيدة التي يتملكونها، وهي حقيبة قديمة بالية.

 

وضع عائلي معدم

في بيت متواضع لا تتجاوز مساحته الخمسين متراً تعيش عائلة عوض في وضع لا يحتمله عقل ولا منطق فالمكان لا يصلح لعيش القطط، فكيف به يصلح لعائلة تتكون من خمسة أفراد (ثلاثة أطفال ووالديهم) حيث لا باب لدورة المياه (الحمام) ولا جدران صحية ولا أثاث ولا أرضية تقيهم حر الصيف أو برد الشتاء، كما أن السقف عبارة عن "زينقو" قديم عفا عليه الزمان.

وللتفصيل أكثر، بسمة طالبة في الصف الرابع الابتدائي في مدرسة تابعة لوكالة الغوث (الأونروا) فرع شمال غزة تنتظر أخاها رامي الطالب في الصف الثالث الابتدائي كي يعطها حقيبة المدرسة فتستلمها منه وتذهب بها إلى مدرستها بعد الظهيرة في مشهد ينفطر له القلب من الألم والحسرة.

حول هذا الموقف، تقول والدة بسمة (أم خالد عوض 33 عاماً) لمراسلة "دنيا الوطن": "لدي ولدان وابنة، وضعنا المادي صفر، زوجي مريض فهو لا يرى بسبب مشكلة في شبكية العين، منذ خمس سنوات، أصبح غير قادر على الرؤية بإحدى عينيه الأمر الذي دفع صاحب السيارة التي كان يعمل عليها إلى الاستغناء عنه بالإضافة إلى كونه يعاني من مرض السكر وارتفاع ضغط الدم".

وتضيف ونبرة الحزن تسيطر على ملامحها وصوتها: "نعيش على كوبونة المؤن، قدمنا للشؤون الاجتماعية لكن حتى الآن لا رد منهم، أحياناً أضطر إلى بيع أكياس الحليب أو قنينة السيرج لأصرف على أولادي وأوفر لهم احتياجاتهم خاصة مصروف المدرسة".

تلك الحقيبة تلخص القصة 

فيما يتعلق بالحقيبة والتي هي بطلة الأحداث ومحور المعاناة، تقول عوض: "الحقيبة هي حقيبة رامي ابني وهي ليست جديدة بل قديمة وبالية ولكن بسبب الظروف ووضعنا المادي المتدني تضطر بسمة ورامي لتبادل هذه الحقيبة صباحاً ومساءً وهذا الوضع مؤذٍ لهما، فأحياناً يدب بينهم الخلاف على الحقيبة".

"كنا نأمل أن تسلمهم المدرسة حقائب مدرسية جديدة ولكن للأسف لحتى الآن لا جديد، أنا بالكاد أوفر لهم مصروف المدرسة التي يذهبون إليها مشياً على الأقدام قاطعين مسافات كبيرة للوصول إليها"، على حد قولها.

وتختم الأم حديثها بالقول: "أشعر بالشكوى في عيون بسمة فهي كل يوم تخبرني عن صديقاتها اللواتي يرتدين "مريول" مدرسة جديد وكأنها تلعن هذا الواقع فما ذنبها أن تعيش هذه الظروف وما العمل خاصة وأن الشتاء على الأبواب؟".

أما رامي صاحب الحقيبة والذي يذهب إلى المدرسة مشياً على الأقدام فتضطر والدته إلى إحضاره من المدرسة بنفسها خوفاً عليه سواء من التأخر على أخته أو خوفاً عليه من أي مكروه قد يحدث له، خاصة وأنها توصيه بالعودة إلى البيت بأسرع وقت ممكن كي تتمكن أخته من الوصول إلى المدرسة في الوقت المناسب للطابور.

يذكر أن وزن بسمة لا يتجاوز العشرين كيلو والتي تعاني من سوء التغذية الواضح للعيان وهي طفلة خجولة حساسة يتملكها نوع من الخوف من الغرباء ولا تفضل الحديث كثيراً.

المعلمة تعلق 

أما معلمة بسمة (فضلت عدم ذكر اسمها) فتقول حول هذه الحالة: "منذ بداية الفصل الدراسي لاحظت أن بسمة دائماً وحيدة ومنطوية وتبكي لأتفه سبب وبناءً على ذلك أرسلت لوالدتها طلب بالحضور وبعد لقائي بوالدتها أدركت حجم المعاناة التي تعيشها بسمة مع عائلتها لدرجة أنها تتبادل الحقيبة مع أخيها، فهي حالة شديدة الخصوصية والتي توليها المدرسة الكثير من الرعاية والاهتمام في حال توافر المساعدات".

حول نسبة اقتناء الطلبة لحقائب جديدة هذا الفصل ومدى تأثرهم بالظروف الأخيرة توضح المعلمة: "لدي ما يقارب الأربعين طالباً، أربعة منهم فقط لديهم حقائب مدرسية جديدة أما الباقي فكلها حقائب الفصل الدراسي السابق وهذا الأمر مؤذٍ جداً لنفسية الأطفال ومدى تركيزهم في الفصل ناهيك عن قدوم الكثير من الطلاب إلى المدرسة مشياً على الأقدام وبلا مصروف أو إفطار وكل هذا يقلل من تحصيلهم الدراسي للأسف".

"من المواقف التي ألاحظها أن الطالبة الفقيرة تقضي وقت الحصة كله وهي تنظر إلى الطالبة التي ترتدي مريولاً جديداً وحذاءً جديداً أو مطرة (حافظة ماء) أو حقيبة جديدة وبالتالي الطالبة، دون وعي منها، تسرح بعيداً عن جو التعليم"، على حد قولها. 

نفسياً.. ماهي تداعيات هذه الأمر؟   

يعلق الأخصائي النفسي والاجتماعي محمد حلس من المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات على الموضوع بقوله: "بلا شك أن الوضع الاقتصادي السيئ يؤثر سلباً على الأطفال في مرحلة المدرسة، وذلك في عدة محاور: المحور الأول محور النمو فعدم توفر الاحتياجات الأساسية للطفل، وخاصة المأكل والمشرب يؤثر بشكل سلبي على نمو الطفل ونمو خلايا الدماغ عنده، مما يؤثر على مستوى التفكير والذكاء لديه".

ويضيف: "أما المحور الثاني محور التعليم فإن فقدان الطفل لأدنى احتياجاته الأساسية من ملابس مدرسية وشنطة ومصروف يجعل الطالب مشغولاً بمن حوله، ويفكر بأقرانه وبذلك تتدنى دافعية التعلم عند هذا الطفل وفي بعض الأحيان نجد حالات التسرب المدرسي وعمالة الأطفال ممن لديهم انعدام في المستوى الاقتصادي ورغبتهم في تلبية احتياجاتهم كغيرهم من الطلاب بغض النظر عن الوسيلة".

ويختم تعليقه بالقول: "من الجانب النفسي فتظهر لديهم سلوكيات خاطئة كالسرقة والعدائية تجاه الآخرين ولكننا في الوقت نفسه لا ننفي الحقيقة الماثلة هنا فأحياناً قد يخرج من بين هؤلاء الأطفال نخبة من المتفوقين فلكل قاعدة شواذ".

بعد هذا كله يطلبون من الطالب أن يقف في الطابور المدرسي ويقدم تحية العلم على أنغام أغنية "موطني..موطني" فأي علم وأي وطن هذا الذي نعطيه التحية، وقد تجرد الطالب في ظله -نتيجة الظروف- من الكثير من القيم والكرامة والحياة الكريمة! وأي علم هذا الذي سيتقبله الطالب وهو بلا قوت أو وضع عائلي مستقر؟

التعليقات