معاكسة السائقين للفتيات هل أصبحت عادة أم وقاحة؟
خاص دنيا الوطن- أحلام عفانة
إساءات ومعاكسات متكررة تتعرض لها الفتيات من قبل السائقين بوسائل النقل العام في قطاع غزة، حتى أصبحت اليوم ظاهرة يومية، حيث يحاول السائق مضايقة الفتاة بأي وسيلة اعتقاداً بأنها فريسة سهلة له، ما يضطر غالبية الفتيات إلى الصمت خوفاً من الفضيحة.
ويختلف سائقو السيارات في طريقة إساءتهم ومضايقتهم للفتيات منهم الثرثار، والمتطفل في الحديث وكثير الأسئلة ومتعدد النظرات.
فها هي الفتاة الجامعية ألاء تعاني من مضايقات متكررة، وأفصحت لـ "دنيا الوطن" عن أبرز المواقف التي تعرضت لها قائلة: "كنت في طريقي إلى المنزل عائدة من الجامعة، وإذ بالسائق فتح حديثاً معي كي يعرف أين أسكن فلم أعبّره بأي كلمة، حتى أصرّ على معرفة حالتي الاجتماعية عندها قلت له أنني متزوجة ولدي ثلاثة أطفال، لكنه لم يصدقني مستمراً في إصراره حتى أرشدته إلى عنوان خاطئ حين تمكنت من النزول من السيارة".
وروت أسماء البالغة من العمر (30 عاماً) قذارة ما تعرضت له في إحدى المواقف، حيث لم يترك السائق كلمة مسيئة إلا وتحدث بها، كما أنه تغزل بها بألفاظ خادشة للحياء، وفي موقف آخر أوضحت: "كان السائق يراقبني في كل دقيقة من خلال المرآة وينظر إلي بنظرات مريبة جعلتني أشعر بالخوف، حتى طلب مني دون خجل قبول عزومته بأن يفسحني، ما كان مني سوى أن أنزل من السيارة في منتصف الطريق".
وسردت شيماء البالغة من العمر (24 عاماً) أحدث المواقف التي تعرضت لها قائلة: "عندما نزل جميع من كان في السيارة وإذ بالسائق الخمسيني يقول لي: "هل تعرفين اللوز الأخضر؟ أنت تشبهينه في زكاوته" ما أصابني بصدمة كبيرة جعلتني أفتح باب السيارة أثناء سيرها في منتصف الطريق حتى أنزل، وركبت سيارة أخرى حتى أُكمل طريقي بهدوء، إلا أن السائق حاول أن يحشر أنفه فيما لا يعنيه وأراد أن يعرف ماذا بي وما سبب نزولي من السيارة السابقة بشكل متهور، ما دفعني إلى إحراجه وإلزامه الصمت".
وأشارت الفتاة العاملة مها إلى أنها تتجنّب اللجوء إلى السيارات الفارغة من الركاب، نظراً لأن ذلك يعطي السائق جرأة في الحديث والتطفل، إلا أنها لم تسلم من الإساءات والمعاكسات المتكررة حيث قالت: "وما إن انتظر السائق نزول جميع الركاب حتى قال لي: "مالك تعبانة أنا بدي أريحك"، فتظاهرت وكأنني لم أسمع ما قاله إطلاقاً وطلبت منه أن ينزلني فوراً".
وذكرت أفنان: "حينما أخرج لقضاء مشوار يحتاج إلى مواصلتين فعندما أنزل من السيارة الأولى، إذ بجميع السائقين المتوقفين في الشارع يزعجونني بإصرارهم على أن أركب معهم وأنا لا أريد الانتظار طويلاً في السيارة، نظراً لأنني مستعجلة، وسواء رفضت عرضهم أو لم أرد عليهم فيقومون جميعاً بالتعليق ورمي الكلام القبيح".
وأوضحت فدوى البالغة من العمر (37 عاماً): "واجهت الكثير من المشاكل مع السائقين بحكم عملي وخروجي بشكل متكرر، ومن ضمن المواقف التي حدثت أمام عيني، أن السائق قام بفتح موضوع مع الفتاة التي تجلس بجواري كي تتحدث معه، لكنها لم تعطه أي اهتمام ولعدم إجابتها على كلامه قام بإنزالها من السيارة في مكان بعيد عن الذي أرادت الذهاب إليه".
وأضافت فدوى: "في إحدى الأيام كنت متوجهة مع شقيقتي وأطفالها للتسوق، وتسعيرة مواصلة المكان المتوجهين إليه معروفة، فقمت بإعطاء السائق وانتظرت الباقي، وحينما اقتربنا من المكان ذكرته بالباقي، وإذا به ينظر لي من المرآة والشرار يتطاير من عينيه ويقول: "أي باقي بل بالعكس أنا أريد منك بزيادة"، وبعد جدال قام برمي الباقي بوجهي وشتمني بألفاظ مسيئة، ما دفعني إلى تسجيل رقم سيارته والتوجه لأقرب مفترق للشرطة وتقديم شكوى ضده، وبدورهم قاموا بالاتصال على المركز لتحرير مخالفة غيبية على السائق".
بدوره، أكد المتحدث الإعلامي باسم الشرطة الفلسطينية المقدم أيمن البطنيجي، على أن المضايقات موجودة في الشارع الغزي بشكل كبير، لكن أكثر من 90% من الفتيات يخجلن من تقديم شكوى أو حتى التحدث بما حصل معهن للناس المحيطين بهن.
وبالحديث عن سبب صمت الفتاة في حال تعرضها للإساءة، لفت البطنيجي إلى أن السبب وراء ذلك هو انعدام الثقافة في المجتمع الفلسطيني، وخوف الفتاة من تقديم شكوى منعاً لإحداث المشاكل ولحفاظها على نفسها وسمعتها، موضحاً أنه من الأصل حين تتعرض الفتاة لإساءة أو مشكلة أو مضايقة داخل السيارة أن تمنع هذا الأمر من خلال تقديم شكوى رسمية للشرطة.
ووافقه الرأي رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة الأزهر بغزة ناصر مهدي، أن صمت الفتاة يعود إلى ثقافة المجتمعات التقليدية حيث إن مثل هذه القضايا تمس شرف وسمعة الفتاة، أو بسبب خوف الفتاة من بعض الافتراءات المعينة التي تشوه سمعتها وبالتالي تقوم بإخفاء ما يحدث معها.
وشدد مهدي على أن هذا التصرف يساعد بشكل كبير على استمرار هذه الظاهرة، لكن لو تم ردع من يقوم بالإساءة بشكل مباشر من خلال اعتراض الفتيات أو تسجيل بعض الشكاوي في هذا الخصوص، من المؤكد أن يقلل من انتشار الظاهرة، نظراً لأن صمت الفتيات يعزز استمراريتها.
ونصح أستاذ علم النفس في جامعة الأقصى بغزة د. فضل أبو هين، الفتاة بأنه إذا حدث الخطأ أن تفصح عنه، لأنه إذا صمتت فهذا يعني التمادي وقبولها لهذا الأمر، كما يؤدي إلى زيادة انتشار الظاهرة، لذلك يجب عليها أن تتكلم وتفصح للشرطة وللأهالي وأن توبّخ الشخص نفسه بتعديه حدود الأدب والأخلاق، موضحاً أنه إذا قامت الفتاة بهذا التصرف السليم، فهذا يؤدي إلى انحسار الظاهرة وقلّتها.
ففي حال شعرت الفتاة بالخطورة أو التحرش أو الإساءة والتعدي بالألفاظ المسيئة، شدد البطنيجي على ضرورة تواصل الفتاة مع الرقم المجاني (100) للإبلاغ عن رقم السيارة التي كانت تستقلها أو الإبلاغ عن أوصاف السائق الذي قام بالإساءة، مشيراً إلى أن الشرطة مستعدة أيضاً لقبول الشكوى من خلال الهاتف دون أن تتقدم الفتاة بشكل شخصي لمركز الشرطة، وذلك منعاً للإحراج.
وأوضح البطنيجي أنه عندما تصل الشرطة شكوى بهذا الخصوص، يتم البحث والتحري عن الشخص الذي يقوم بمثل هذه الأفعال، وتقوم الشرطة باعتقاله ومخالفته وتحويله للنيابة العامة بتهمة الإساءة في السمعة أو التعدي باللفظ أو التحرش بشكل أو بآخر.
وحول أسباب هذه الظاهرة، بيّن أبو هين، أن التعرض للفتيات يأتي دائماً من عدة نقاط أهمها، أولاً: ضعف الوازع الديني والأخلاقي عند كثير من السائقين، حيث إن أي إنسان يتربى على الأخلاق يصبح لديه حصانة داخلية تمنعه عن الخطأ، ثانياً: إتيان كثير من السائقين من مناطق بعيدة لا يعرفون قيم وعادات وتقاليد أهل المنطقة التي يعملون فيها، فمثلاً يأتي كثير من السائقين من مناطق بعيدة إلى غزة التي يعتبرونها بلد الانفتاح واللامنطق واللاأخلاق، ويقومون بفعل ذلك تجريباً لكل ما يسمعونه عنها.
ومن جهة أخرى، تساءل مهدي قائلاً: "لماذا يتم الاتهام للسائقين فقط، فهناك بعض الفتيات أيضاً لا يضعن ضوابط للحديث، فبطريقة سلوكهن يتحدثن بخصوصيات خاصة بصوت عالٍ داخل السيارة وهناك من يُتِحْن للسائق المشاركة في الحديث، أو يقُمْن بحركات تعطي إيحاء للسائق بأن يتحدث معها أو يتحركش بها"، مشدداً على أن الإشكالية بشكل تبادلي، فسلوك بعض الفتيات هو الذي يساعد بشكل كبير على تعرضهن للإساءة من قبل السائق ويعطي صورة أو انطباعاً بأن هذه الفتاة هي من تدفع السائق للقيام بذلك بإرادتها.
هذا ما أكده أبو هين، أنه لا يمكن استثناء الفتيات حيث هناك بعض الفتيات من يبدأن بهذا الأمر فلا يمكن أن يكون فعل إلا إذا كان هناك سبب، وبالتالي قد تقوم بعض الفتيات من خلال النظرات أو الكلمات وبعض الملاحظات أو الحركات وبعض الأفعال باستدراج الشباب لمعاكستهن، وعندها يعتقدن أنهنّ يقعن ضحية لكن قد يكنّ هنّ أسباب هذه المشكلة التي يقعن فيها.
أما بالنسبة لآثار هذه الظاهرة، قال أبو هين كلما زادت هذه الظاهرة وشعر الإنسان أنه مراقب في كل لحظة، كلما أثر على نفسيته من توتر وعدم راحة وضيق وعصبية، في حين هناك بعض الفتيات يشعرن بالراحة والهدوء والطمأنينة لهذه المعاكسة لشعورها بأنها أصبحت إنسانة مرغوبة ومطلوبة والجميع يتحدث معها وأن لها قيمة في المجتمع.
ونوّه أبو هين إلى أن المضايقة تأتي من الضيق ومن النتائج السلبية التي تتركها على الإنسان، حيث إن هذه الظاهرة لها آثار على صعيد الحاضر والمستقبل فهي تمس سمعة الفتاة ومكانتها وذاتها وأخلاقها، ما يشكل خطراً عليها.
وبشأن الحلول المقترحة لهذه الظاهرة، شدد مهدي على ضرورة وضع معايير لمهنة القيادة تحدد طبيعة ومواصفات السائق من خلال عدة معايير أبرزها، أولاً: معيار محدد لعمر السائق في كل نوع مركبة على حدة، ثانياً: معيار الحالة الاجتماعية، فكون السائق أعزباً أو متزوجاً له تأثير كبير في هذا الموضوع.
وأشار مهدي إلى أن كثير من الدول تضع أجهزة للمراقبة داخل السيارة في هذا المجال، من خلال تحديد هوية السائق (الاسم ورقم الهوية ورقم المركبة) حتى يتم التعرف على هذا السائق في حال وقوع أي مشكلة، وذلك بالتبليغ عنه من خلال هذه المعلومات.
من جهته، شدد أبو هين على ضرورة فرض قانون حازم يعاقب من يقوم بالإساءة، حتى يكون رادعاً لهم للحد من هذه الظاهرة السلبية التي تتأثر بها شرف وأخلاق الفتاة (التي تمس قضايا شرف وأخلاق)، ولمنع حدوث أي مشاكل اجتماعية بين العائلات تؤدي إلى تفككها.
ولفت أبو هين إلى ضرورة تسليط الإعلام الضوء على هذه القضية، كي يفتح الأعين من قبل المسؤولين والشرطة والأهالي والفتيات أنفسهنّ، نظراً لأنه قد تتعرض بعض الفتيات إلى الإساءة وتقوم بإخفائها خوفاً منها أو بحكم العيب في المجتمع، مشدداً على ضرورة التنبيه إلى هذا الأمر الذي ليس بالهيّن حتى لا يؤخذ بنطاق السلبية ويتفشى بشكل غير مدروس.
وبدروه، أكد مهدي، على أنه إذا لم يتم وضع حدود وشروط لظاهرة معينة من خلال معايير وضوابط تضعها الجهات المسؤولة، من المؤكد أن تنتج عنها الكثير من الإشكاليات، مشيراً إلى أن مهنة القيادة أصبحت متاحة لأي شخص يريد أن يمتهنها دون أي ضوابط أو معايير محددة، حيث إنه بالغالب يكون السائقون من شرائح غير متعلمة ومن بيئات وفئات عمرية مختلفة.
وأضاف مهدي: "لا نستطيع تعميم هذه الظاهرة على كافة السائقين بل على مجموعة منهم خاصة فئة الشباب أو الذين يعانون مشكلات عاطفية أو نفسية، وإلى غير ذلك من مشكلات".
في حين، نوّه البطنيجي إلى أنه من الصعب أن تقوم الشرطة خاصة في الفترة الأخيرة، بإعداد جيش من السائقين يتناسب مع محافظة المجتمع على العادات والتقاليد وأيضاً على الأخلاق والدين في ذات الوقت.
وقال البطنيجي إنه في الماضي كان للسائقين برامج توعية وتثقيف وتدريب على الحديث بشكل لائق ولبق مع الجمهور، لكن اليوم اختلط الأمر فأصبحت السيارات الخاصة تسوق على الخط نظراً لصعوبة الوضع الاقتصادي في قطاع غزة.
وحمّل البطنيجي وزارة النقل والمواصلات كافة المسؤولية لعدم متابعة وتنظيم أمور السير من خلال تحديد خطوط وطرق سير معينة لكافة السائقين في كافة محافظات الوطن وتحذيرهم من عدم تجاوزها، ما خلق أزمة كبيرة في الأمن لدى الشرطة لعدم قدرتها التعرف على أوصاف السائقين بسرعة كبيرة في حال وقعت جريمة في طريق معين.
وشدد البطنيجي على أنه لو قامت وزارة النقل والمواصلات بتحديد عدد السائقين الذين يسوقون على كل خط باتجاه محدد حتى على لون السيارة ونوعها، يصبح هناك ضبط، كما يمنع أي شخص أن يسوق في خط ليس مندرج اسمه ضمن المواصفات المحددة.
إساءات ومعاكسات متكررة تتعرض لها الفتيات من قبل السائقين بوسائل النقل العام في قطاع غزة، حتى أصبحت اليوم ظاهرة يومية، حيث يحاول السائق مضايقة الفتاة بأي وسيلة اعتقاداً بأنها فريسة سهلة له، ما يضطر غالبية الفتيات إلى الصمت خوفاً من الفضيحة.
ويختلف سائقو السيارات في طريقة إساءتهم ومضايقتهم للفتيات منهم الثرثار، والمتطفل في الحديث وكثير الأسئلة ومتعدد النظرات.
فها هي الفتاة الجامعية ألاء تعاني من مضايقات متكررة، وأفصحت لـ "دنيا الوطن" عن أبرز المواقف التي تعرضت لها قائلة: "كنت في طريقي إلى المنزل عائدة من الجامعة، وإذ بالسائق فتح حديثاً معي كي يعرف أين أسكن فلم أعبّره بأي كلمة، حتى أصرّ على معرفة حالتي الاجتماعية عندها قلت له أنني متزوجة ولدي ثلاثة أطفال، لكنه لم يصدقني مستمراً في إصراره حتى أرشدته إلى عنوان خاطئ حين تمكنت من النزول من السيارة".
وروت أسماء البالغة من العمر (30 عاماً) قذارة ما تعرضت له في إحدى المواقف، حيث لم يترك السائق كلمة مسيئة إلا وتحدث بها، كما أنه تغزل بها بألفاظ خادشة للحياء، وفي موقف آخر أوضحت: "كان السائق يراقبني في كل دقيقة من خلال المرآة وينظر إلي بنظرات مريبة جعلتني أشعر بالخوف، حتى طلب مني دون خجل قبول عزومته بأن يفسحني، ما كان مني سوى أن أنزل من السيارة في منتصف الطريق".
وسردت شيماء البالغة من العمر (24 عاماً) أحدث المواقف التي تعرضت لها قائلة: "عندما نزل جميع من كان في السيارة وإذ بالسائق الخمسيني يقول لي: "هل تعرفين اللوز الأخضر؟ أنت تشبهينه في زكاوته" ما أصابني بصدمة كبيرة جعلتني أفتح باب السيارة أثناء سيرها في منتصف الطريق حتى أنزل، وركبت سيارة أخرى حتى أُكمل طريقي بهدوء، إلا أن السائق حاول أن يحشر أنفه فيما لا يعنيه وأراد أن يعرف ماذا بي وما سبب نزولي من السيارة السابقة بشكل متهور، ما دفعني إلى إحراجه وإلزامه الصمت".
وأشارت الفتاة العاملة مها إلى أنها تتجنّب اللجوء إلى السيارات الفارغة من الركاب، نظراً لأن ذلك يعطي السائق جرأة في الحديث والتطفل، إلا أنها لم تسلم من الإساءات والمعاكسات المتكررة حيث قالت: "وما إن انتظر السائق نزول جميع الركاب حتى قال لي: "مالك تعبانة أنا بدي أريحك"، فتظاهرت وكأنني لم أسمع ما قاله إطلاقاً وطلبت منه أن ينزلني فوراً".
وذكرت أفنان: "حينما أخرج لقضاء مشوار يحتاج إلى مواصلتين فعندما أنزل من السيارة الأولى، إذ بجميع السائقين المتوقفين في الشارع يزعجونني بإصرارهم على أن أركب معهم وأنا لا أريد الانتظار طويلاً في السيارة، نظراً لأنني مستعجلة، وسواء رفضت عرضهم أو لم أرد عليهم فيقومون جميعاً بالتعليق ورمي الكلام القبيح".
وأوضحت فدوى البالغة من العمر (37 عاماً): "واجهت الكثير من المشاكل مع السائقين بحكم عملي وخروجي بشكل متكرر، ومن ضمن المواقف التي حدثت أمام عيني، أن السائق قام بفتح موضوع مع الفتاة التي تجلس بجواري كي تتحدث معه، لكنها لم تعطه أي اهتمام ولعدم إجابتها على كلامه قام بإنزالها من السيارة في مكان بعيد عن الذي أرادت الذهاب إليه".
وأضافت فدوى: "في إحدى الأيام كنت متوجهة مع شقيقتي وأطفالها للتسوق، وتسعيرة مواصلة المكان المتوجهين إليه معروفة، فقمت بإعطاء السائق وانتظرت الباقي، وحينما اقتربنا من المكان ذكرته بالباقي، وإذا به ينظر لي من المرآة والشرار يتطاير من عينيه ويقول: "أي باقي بل بالعكس أنا أريد منك بزيادة"، وبعد جدال قام برمي الباقي بوجهي وشتمني بألفاظ مسيئة، ما دفعني إلى تسجيل رقم سيارته والتوجه لأقرب مفترق للشرطة وتقديم شكوى ضده، وبدورهم قاموا بالاتصال على المركز لتحرير مخالفة غيبية على السائق".
بدوره، أكد المتحدث الإعلامي باسم الشرطة الفلسطينية المقدم أيمن البطنيجي، على أن المضايقات موجودة في الشارع الغزي بشكل كبير، لكن أكثر من 90% من الفتيات يخجلن من تقديم شكوى أو حتى التحدث بما حصل معهن للناس المحيطين بهن.
وبالحديث عن سبب صمت الفتاة في حال تعرضها للإساءة، لفت البطنيجي إلى أن السبب وراء ذلك هو انعدام الثقافة في المجتمع الفلسطيني، وخوف الفتاة من تقديم شكوى منعاً لإحداث المشاكل ولحفاظها على نفسها وسمعتها، موضحاً أنه من الأصل حين تتعرض الفتاة لإساءة أو مشكلة أو مضايقة داخل السيارة أن تمنع هذا الأمر من خلال تقديم شكوى رسمية للشرطة.
ووافقه الرأي رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة الأزهر بغزة ناصر مهدي، أن صمت الفتاة يعود إلى ثقافة المجتمعات التقليدية حيث إن مثل هذه القضايا تمس شرف وسمعة الفتاة، أو بسبب خوف الفتاة من بعض الافتراءات المعينة التي تشوه سمعتها وبالتالي تقوم بإخفاء ما يحدث معها.
وشدد مهدي على أن هذا التصرف يساعد بشكل كبير على استمرار هذه الظاهرة، لكن لو تم ردع من يقوم بالإساءة بشكل مباشر من خلال اعتراض الفتيات أو تسجيل بعض الشكاوي في هذا الخصوص، من المؤكد أن يقلل من انتشار الظاهرة، نظراً لأن صمت الفتيات يعزز استمراريتها.
ونصح أستاذ علم النفس في جامعة الأقصى بغزة د. فضل أبو هين، الفتاة بأنه إذا حدث الخطأ أن تفصح عنه، لأنه إذا صمتت فهذا يعني التمادي وقبولها لهذا الأمر، كما يؤدي إلى زيادة انتشار الظاهرة، لذلك يجب عليها أن تتكلم وتفصح للشرطة وللأهالي وأن توبّخ الشخص نفسه بتعديه حدود الأدب والأخلاق، موضحاً أنه إذا قامت الفتاة بهذا التصرف السليم، فهذا يؤدي إلى انحسار الظاهرة وقلّتها.
ففي حال شعرت الفتاة بالخطورة أو التحرش أو الإساءة والتعدي بالألفاظ المسيئة، شدد البطنيجي على ضرورة تواصل الفتاة مع الرقم المجاني (100) للإبلاغ عن رقم السيارة التي كانت تستقلها أو الإبلاغ عن أوصاف السائق الذي قام بالإساءة، مشيراً إلى أن الشرطة مستعدة أيضاً لقبول الشكوى من خلال الهاتف دون أن تتقدم الفتاة بشكل شخصي لمركز الشرطة، وذلك منعاً للإحراج.
وأوضح البطنيجي أنه عندما تصل الشرطة شكوى بهذا الخصوص، يتم البحث والتحري عن الشخص الذي يقوم بمثل هذه الأفعال، وتقوم الشرطة باعتقاله ومخالفته وتحويله للنيابة العامة بتهمة الإساءة في السمعة أو التعدي باللفظ أو التحرش بشكل أو بآخر.
وحول أسباب هذه الظاهرة، بيّن أبو هين، أن التعرض للفتيات يأتي دائماً من عدة نقاط أهمها، أولاً: ضعف الوازع الديني والأخلاقي عند كثير من السائقين، حيث إن أي إنسان يتربى على الأخلاق يصبح لديه حصانة داخلية تمنعه عن الخطأ، ثانياً: إتيان كثير من السائقين من مناطق بعيدة لا يعرفون قيم وعادات وتقاليد أهل المنطقة التي يعملون فيها، فمثلاً يأتي كثير من السائقين من مناطق بعيدة إلى غزة التي يعتبرونها بلد الانفتاح واللامنطق واللاأخلاق، ويقومون بفعل ذلك تجريباً لكل ما يسمعونه عنها.
ومن جهة أخرى، تساءل مهدي قائلاً: "لماذا يتم الاتهام للسائقين فقط، فهناك بعض الفتيات أيضاً لا يضعن ضوابط للحديث، فبطريقة سلوكهن يتحدثن بخصوصيات خاصة بصوت عالٍ داخل السيارة وهناك من يُتِحْن للسائق المشاركة في الحديث، أو يقُمْن بحركات تعطي إيحاء للسائق بأن يتحدث معها أو يتحركش بها"، مشدداً على أن الإشكالية بشكل تبادلي، فسلوك بعض الفتيات هو الذي يساعد بشكل كبير على تعرضهن للإساءة من قبل السائق ويعطي صورة أو انطباعاً بأن هذه الفتاة هي من تدفع السائق للقيام بذلك بإرادتها.
هذا ما أكده أبو هين، أنه لا يمكن استثناء الفتيات حيث هناك بعض الفتيات من يبدأن بهذا الأمر فلا يمكن أن يكون فعل إلا إذا كان هناك سبب، وبالتالي قد تقوم بعض الفتيات من خلال النظرات أو الكلمات وبعض الملاحظات أو الحركات وبعض الأفعال باستدراج الشباب لمعاكستهن، وعندها يعتقدن أنهنّ يقعن ضحية لكن قد يكنّ هنّ أسباب هذه المشكلة التي يقعن فيها.
أما بالنسبة لآثار هذه الظاهرة، قال أبو هين كلما زادت هذه الظاهرة وشعر الإنسان أنه مراقب في كل لحظة، كلما أثر على نفسيته من توتر وعدم راحة وضيق وعصبية، في حين هناك بعض الفتيات يشعرن بالراحة والهدوء والطمأنينة لهذه المعاكسة لشعورها بأنها أصبحت إنسانة مرغوبة ومطلوبة والجميع يتحدث معها وأن لها قيمة في المجتمع.
ونوّه أبو هين إلى أن المضايقة تأتي من الضيق ومن النتائج السلبية التي تتركها على الإنسان، حيث إن هذه الظاهرة لها آثار على صعيد الحاضر والمستقبل فهي تمس سمعة الفتاة ومكانتها وذاتها وأخلاقها، ما يشكل خطراً عليها.
وبشأن الحلول المقترحة لهذه الظاهرة، شدد مهدي على ضرورة وضع معايير لمهنة القيادة تحدد طبيعة ومواصفات السائق من خلال عدة معايير أبرزها، أولاً: معيار محدد لعمر السائق في كل نوع مركبة على حدة، ثانياً: معيار الحالة الاجتماعية، فكون السائق أعزباً أو متزوجاً له تأثير كبير في هذا الموضوع.
وأشار مهدي إلى أن كثير من الدول تضع أجهزة للمراقبة داخل السيارة في هذا المجال، من خلال تحديد هوية السائق (الاسم ورقم الهوية ورقم المركبة) حتى يتم التعرف على هذا السائق في حال وقوع أي مشكلة، وذلك بالتبليغ عنه من خلال هذه المعلومات.
من جهته، شدد أبو هين على ضرورة فرض قانون حازم يعاقب من يقوم بالإساءة، حتى يكون رادعاً لهم للحد من هذه الظاهرة السلبية التي تتأثر بها شرف وأخلاق الفتاة (التي تمس قضايا شرف وأخلاق)، ولمنع حدوث أي مشاكل اجتماعية بين العائلات تؤدي إلى تفككها.
ولفت أبو هين إلى ضرورة تسليط الإعلام الضوء على هذه القضية، كي يفتح الأعين من قبل المسؤولين والشرطة والأهالي والفتيات أنفسهنّ، نظراً لأنه قد تتعرض بعض الفتيات إلى الإساءة وتقوم بإخفائها خوفاً منها أو بحكم العيب في المجتمع، مشدداً على ضرورة التنبيه إلى هذا الأمر الذي ليس بالهيّن حتى لا يؤخذ بنطاق السلبية ويتفشى بشكل غير مدروس.
وبدروه، أكد مهدي، على أنه إذا لم يتم وضع حدود وشروط لظاهرة معينة من خلال معايير وضوابط تضعها الجهات المسؤولة، من المؤكد أن تنتج عنها الكثير من الإشكاليات، مشيراً إلى أن مهنة القيادة أصبحت متاحة لأي شخص يريد أن يمتهنها دون أي ضوابط أو معايير محددة، حيث إنه بالغالب يكون السائقون من شرائح غير متعلمة ومن بيئات وفئات عمرية مختلفة.
وأضاف مهدي: "لا نستطيع تعميم هذه الظاهرة على كافة السائقين بل على مجموعة منهم خاصة فئة الشباب أو الذين يعانون مشكلات عاطفية أو نفسية، وإلى غير ذلك من مشكلات".
في حين، نوّه البطنيجي إلى أنه من الصعب أن تقوم الشرطة خاصة في الفترة الأخيرة، بإعداد جيش من السائقين يتناسب مع محافظة المجتمع على العادات والتقاليد وأيضاً على الأخلاق والدين في ذات الوقت.
وقال البطنيجي إنه في الماضي كان للسائقين برامج توعية وتثقيف وتدريب على الحديث بشكل لائق ولبق مع الجمهور، لكن اليوم اختلط الأمر فأصبحت السيارات الخاصة تسوق على الخط نظراً لصعوبة الوضع الاقتصادي في قطاع غزة.
وحمّل البطنيجي وزارة النقل والمواصلات كافة المسؤولية لعدم متابعة وتنظيم أمور السير من خلال تحديد خطوط وطرق سير معينة لكافة السائقين في كافة محافظات الوطن وتحذيرهم من عدم تجاوزها، ما خلق أزمة كبيرة في الأمن لدى الشرطة لعدم قدرتها التعرف على أوصاف السائقين بسرعة كبيرة في حال وقعت جريمة في طريق معين.
وشدد البطنيجي على أنه لو قامت وزارة النقل والمواصلات بتحديد عدد السائقين الذين يسوقون على كل خط باتجاه محدد حتى على لون السيارة ونوعها، يصبح هناك ضبط، كما يمنع أي شخص أن يسوق في خط ليس مندرج اسمه ضمن المواصفات المحددة.

التعليقات