رصيف يسرق طفولتها.. ابتسام تبيع السجائر في غزة
خاص دنيا الوطن- سوزان الصوراني
أشار لها بيده بلطافة محببة، فاتجهت نحوه واستلمت المبلغ، أعادت الفائض وقدمت له نصف العلبة كما طلب منها، وقال بجرأة واضحة ضاحكاً: "أنا أصلاً كل يوم بشتري من هنا وفي هذا الوقت مخصوص عشان بتكون موجودة".
بدت على ملامحها طفولة جميلة، سرق صندوق السجائر براءتها، ابتسام في التاسعة من عمرها، تقف وحدها أحياناً وتجاور أخاها أحياناً أخرى، تقف على ناصية الطريق في أحد مفترقات مدينة دير البلح في المنطقة الوسطى في قطاع غزة، لكي تجني ما يُقسّم لهم من قوت يومهم من خلال بيع السجائر لرجال تختلف نظراتهم، ولا سيما المارة.
"أبويا عيّان عمل عملية، وأنا بوقف مع أخويا عشان بس يخلص الدخان أروح على الدار أجيبله غيره، كيف يسيب البسطة ويروح هو يجيب؟" بهذا المبرر أجابت ابتسام على سؤالي لها عن سبب جلوسها إلى جانب عربة السجائر.
فهل تخاف ابتسام من الرجال؟ وهل حدثها أحدهم بشيء؟
في الوقت الذي نجد فيه أصنافاً مختلفة من الرجال، بأخلاق وتربية ودين بمستويات، فخروج طفلة في الصف الرابع الابتدائي لبيع السجائر، قد يشكل خطراً واضحاً على طفولتها أولاً ومستقبلها ثانياً، فقالت الطفلة في ذات السياق: "محدش بيكلمني بعطيه وخلص، وهي أخويا عندي"، تحتمي الفتاة بأخيها الذي يكبرها بعام، وذلك على عكس ما قالته ضيفة التقرير، وكررت: "أنا بس بآجي عشان أبويا عامل عملية أما في المدرسة بضل في الدار".
بدت على ملامحها علامات تردد وخوف فطلبنا منها العودة واتجهنا نحو البيت، لم تتردد أم عبد الله في استقبال الضيوف وأجابت بنفس الإجابة على ذات السؤال: " زوجي عمل عملية دعامة في القلب والظرف أجبرنا نشغل ابني على عربة الدخان وخليت أخته توقف معاه، ابني شخصيته ضعيفة وأخته أقوى منه وبتحكيلي كل شي وبس لساعة أو ساعتين وأنا عارفة وين مكان بنتي"، وفي اليوم التالي كانت ابتسام تجاور أخاها في ساعة متأخرة من المساء.
وتابعت قولها: "ماكانت تقعد قبل يوم العملية يعني يوم السبت، ممنوع...ابني لحاله بيريح أبوه وقت الغدا بس"، وأحدهم شاهدها وقت الظهيرة قبل السبت...!
صندوق السجائر الدخل الوحيد لعائلة أم عبد الله، فلا يمكن أن يُترك مكان زوجها فارغاً، فاضطرت لإخراج فتاتها لتجاور أخاها، ولكن ابتسام وجدت في مكانها شيئاً مختلفاً وأصبحت تجاوره أوقاتاً أخرى أيضاً لاسيما وقت الظهيرة.
" بنتي قوية وقد حالها، ومستعدة لو مين ماكان يكون قالها تعالي بتضل في مكانها"، يبدو أن علامات الثقة والاعتماد كانت الدافع الأقوى لأم عبد الله لسماحها لابنتها للوقوف على العربة.
اعتبر الأخصائي النفسي إياد الشوربجي عمالة الأطفال مشكلة تعرضهم لإساءات مختلفة، وخاصة كونها في شارع عام، وعندما تكون فتاة فإن الحساسية تزيد بشكل أكبر بناءً على جمهور السلعة، فتعامل ابتسام مع فئة الشباب يرجح انزلاقها في وحل الاستغلال الجنسي بنسبة كبيرة.
وأوضح الشوربجي في حديث لـ "دنيا الوطن": "عمل الفتاة في بيع السجائر يشكل خطورة على سمعة الطفلة والأهل، باتجاهها إلى ما نطلق عليه –العمالة الهامشية- وسيترك أثراً واضحاً على نفسية الطفلة وأسرتها بما يمثل السمعة أو شرف العائلة في مجتمع شرقي لا يرحم".
واعتبر الأخصائي النفسي اختيار الوالدين طفلتهما لتكون بديلاً عن والدها لتبيع السجائر تعاملاً سيئاً مع الموقف وتصرفاً خاطئاً، يدلل على (الاستهتار) الواضح في شخصية الفتاة وعدم إدراكهم مدى الخطورة التي ستقع فيها باعتبارها حالة غريبة عن المجتمع الفلسطيني تلفت الأنظار.
تقوم وزارة العمل في قسم التفتيش باتباع جدول يومي لتفتيش منشآت العمل بغرض الإصحاح، يليها زيارات متابعة للتأكد من الإصحاح، تقوم بهذه العملية خمس دوائر موجودة في كافة المديريات، بحسب ما أوضحه نائب مدير عام التفتيش وحماية العمل المهندس شادي حلس لـ "دنيا الوطن".
أما فيما يخص عمالة الأطفال في الشارع، والتي تعد حالة ابتسام واحدة منها فذكر حلس: "مسؤولية وزارة العمل تكمن في التفتيش على المنشآت أما العمل في الشوارع فهو يقع على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة الداخلية ونقوم بدورنا كعضو في شبكة حماية الطفولة بدراسة الحالة، فالشارع يخرج عن نطاق قانون العمل الذي يتحدث عن العمل في المنشأة، وهو ما تسير عليه الوزارة".
"يحظر القانون الفلسطيني العمل لمن هم دون الـ15 عاماً كما نصت المادة 14 من قانون الطفل، ويسمح لمن هم 15-17 عاماً بشروط معينة".
بنص القانون، أشار المحامي والناشط القانوني كارم نشوان إلى اعتبار عمالة الطفل شكلاً من أشكال التسول بغض النظر عن جنسه؛ حفاظاً على صحته وأحقيته في التعليم، كون العمل يساهم في حرمانه من التعليم والاتجاه نحو نماء جسمي ونفسي بشكل سيئ.
وأضاف نشوان في اتصال هاتفي لـ "دنيا الوطن": "هناك قانون ولكننا نفتقد لتطبيقه، إضافة إلى قصور وغياب واضح لدور وزارة الشؤون الاجتماعية و وزارة الداخلية في الحد من انتشار عمالة الأطفال".
من ناحيتها، أوضحت وزارة الداخلية، بأن ملاحقتها لعمالة الأطفال مازالت مستمرة ولا إنكار للعدد الواضح بحكم الظروف الصعبة التي يمر بها المجتمع الفلسطيني وبالتحديد في قطاع غزة على حد تعبيره، واعداً بإيجاد الحل الأنسب كون الأمر يختلف هذه المرة عن أي عمالة لأي طفل آخر.
ويذكر، وبحسب النتائج الأساسية الصادرة عن "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني" في 16 شباط 2017 في تقرير "مسح القوى العاملة في فلسطين للعام 2016" جاءت نسبة عمالة الأطفال على النحو الآتي:
3.9% من الأطفال (10-17 عاماً) عاملين، بواقع 5.3% في الضفة الغربية، و1.9% في قطاع غزة.

أشار لها بيده بلطافة محببة، فاتجهت نحوه واستلمت المبلغ، أعادت الفائض وقدمت له نصف العلبة كما طلب منها، وقال بجرأة واضحة ضاحكاً: "أنا أصلاً كل يوم بشتري من هنا وفي هذا الوقت مخصوص عشان بتكون موجودة".
بدت على ملامحها طفولة جميلة، سرق صندوق السجائر براءتها، ابتسام في التاسعة من عمرها، تقف وحدها أحياناً وتجاور أخاها أحياناً أخرى، تقف على ناصية الطريق في أحد مفترقات مدينة دير البلح في المنطقة الوسطى في قطاع غزة، لكي تجني ما يُقسّم لهم من قوت يومهم من خلال بيع السجائر لرجال تختلف نظراتهم، ولا سيما المارة.
"أبويا عيّان عمل عملية، وأنا بوقف مع أخويا عشان بس يخلص الدخان أروح على الدار أجيبله غيره، كيف يسيب البسطة ويروح هو يجيب؟" بهذا المبرر أجابت ابتسام على سؤالي لها عن سبب جلوسها إلى جانب عربة السجائر.
فهل تخاف ابتسام من الرجال؟ وهل حدثها أحدهم بشيء؟
في الوقت الذي نجد فيه أصنافاً مختلفة من الرجال، بأخلاق وتربية ودين بمستويات، فخروج طفلة في الصف الرابع الابتدائي لبيع السجائر، قد يشكل خطراً واضحاً على طفولتها أولاً ومستقبلها ثانياً، فقالت الطفلة في ذات السياق: "محدش بيكلمني بعطيه وخلص، وهي أخويا عندي"، تحتمي الفتاة بأخيها الذي يكبرها بعام، وذلك على عكس ما قالته ضيفة التقرير، وكررت: "أنا بس بآجي عشان أبويا عامل عملية أما في المدرسة بضل في الدار".
بدت على ملامحها علامات تردد وخوف فطلبنا منها العودة واتجهنا نحو البيت، لم تتردد أم عبد الله في استقبال الضيوف وأجابت بنفس الإجابة على ذات السؤال: " زوجي عمل عملية دعامة في القلب والظرف أجبرنا نشغل ابني على عربة الدخان وخليت أخته توقف معاه، ابني شخصيته ضعيفة وأخته أقوى منه وبتحكيلي كل شي وبس لساعة أو ساعتين وأنا عارفة وين مكان بنتي"، وفي اليوم التالي كانت ابتسام تجاور أخاها في ساعة متأخرة من المساء.
وتابعت قولها: "ماكانت تقعد قبل يوم العملية يعني يوم السبت، ممنوع...ابني لحاله بيريح أبوه وقت الغدا بس"، وأحدهم شاهدها وقت الظهيرة قبل السبت...!
صندوق السجائر الدخل الوحيد لعائلة أم عبد الله، فلا يمكن أن يُترك مكان زوجها فارغاً، فاضطرت لإخراج فتاتها لتجاور أخاها، ولكن ابتسام وجدت في مكانها شيئاً مختلفاً وأصبحت تجاوره أوقاتاً أخرى أيضاً لاسيما وقت الظهيرة.
" بنتي قوية وقد حالها، ومستعدة لو مين ماكان يكون قالها تعالي بتضل في مكانها"، يبدو أن علامات الثقة والاعتماد كانت الدافع الأقوى لأم عبد الله لسماحها لابنتها للوقوف على العربة.
اعتبر الأخصائي النفسي إياد الشوربجي عمالة الأطفال مشكلة تعرضهم لإساءات مختلفة، وخاصة كونها في شارع عام، وعندما تكون فتاة فإن الحساسية تزيد بشكل أكبر بناءً على جمهور السلعة، فتعامل ابتسام مع فئة الشباب يرجح انزلاقها في وحل الاستغلال الجنسي بنسبة كبيرة.
وأوضح الشوربجي في حديث لـ "دنيا الوطن": "عمل الفتاة في بيع السجائر يشكل خطورة على سمعة الطفلة والأهل، باتجاهها إلى ما نطلق عليه –العمالة الهامشية- وسيترك أثراً واضحاً على نفسية الطفلة وأسرتها بما يمثل السمعة أو شرف العائلة في مجتمع شرقي لا يرحم".
واعتبر الأخصائي النفسي اختيار الوالدين طفلتهما لتكون بديلاً عن والدها لتبيع السجائر تعاملاً سيئاً مع الموقف وتصرفاً خاطئاً، يدلل على (الاستهتار) الواضح في شخصية الفتاة وعدم إدراكهم مدى الخطورة التي ستقع فيها باعتبارها حالة غريبة عن المجتمع الفلسطيني تلفت الأنظار.
تقوم وزارة العمل في قسم التفتيش باتباع جدول يومي لتفتيش منشآت العمل بغرض الإصحاح، يليها زيارات متابعة للتأكد من الإصحاح، تقوم بهذه العملية خمس دوائر موجودة في كافة المديريات، بحسب ما أوضحه نائب مدير عام التفتيش وحماية العمل المهندس شادي حلس لـ "دنيا الوطن".
أما فيما يخص عمالة الأطفال في الشارع، والتي تعد حالة ابتسام واحدة منها فذكر حلس: "مسؤولية وزارة العمل تكمن في التفتيش على المنشآت أما العمل في الشوارع فهو يقع على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة الداخلية ونقوم بدورنا كعضو في شبكة حماية الطفولة بدراسة الحالة، فالشارع يخرج عن نطاق قانون العمل الذي يتحدث عن العمل في المنشأة، وهو ما تسير عليه الوزارة".
"يحظر القانون الفلسطيني العمل لمن هم دون الـ15 عاماً كما نصت المادة 14 من قانون الطفل، ويسمح لمن هم 15-17 عاماً بشروط معينة".
بنص القانون، أشار المحامي والناشط القانوني كارم نشوان إلى اعتبار عمالة الطفل شكلاً من أشكال التسول بغض النظر عن جنسه؛ حفاظاً على صحته وأحقيته في التعليم، كون العمل يساهم في حرمانه من التعليم والاتجاه نحو نماء جسمي ونفسي بشكل سيئ.
وأضاف نشوان في اتصال هاتفي لـ "دنيا الوطن": "هناك قانون ولكننا نفتقد لتطبيقه، إضافة إلى قصور وغياب واضح لدور وزارة الشؤون الاجتماعية و وزارة الداخلية في الحد من انتشار عمالة الأطفال".
من ناحيتها، أوضحت وزارة الداخلية، بأن ملاحقتها لعمالة الأطفال مازالت مستمرة ولا إنكار للعدد الواضح بحكم الظروف الصعبة التي يمر بها المجتمع الفلسطيني وبالتحديد في قطاع غزة على حد تعبيره، واعداً بإيجاد الحل الأنسب كون الأمر يختلف هذه المرة عن أي عمالة لأي طفل آخر.
ويذكر، وبحسب النتائج الأساسية الصادرة عن "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني" في 16 شباط 2017 في تقرير "مسح القوى العاملة في فلسطين للعام 2016" جاءت نسبة عمالة الأطفال على النحو الآتي:
3.9% من الأطفال (10-17 عاماً) عاملين، بواقع 5.3% في الضفة الغربية، و1.9% في قطاع غزة.


التعليقات