70 عاما بلا وطن / الشتات الأخير – السويد
70 عاما بلا وطن
الشتات الأخير – السويد
بقلم : قيس مراد قدري
عندما تضيق الأوطان بأهلها وتمتهن كرامة الانسان وتغلق كل الأبواب في وجهه عندها يصبح الاغتراب ضرورة حياتية بحثا عن أمان مفتقد .
الغربة في حد ذاتها مغامرة ومقامرة ولا توجد غربة بلا ثمن ؛ وليس كل من اغترب قد أصاب حظا ؛ فالبعض قد فعل ؛ وكثيرون خاب رجاؤهم ولم يحصدوا الا الخيبة والندم.
الفلسطينيون حالة فريدة في التاريخ . شعب كان يعيش آمنا في وطنه وفجأة وجد نفسه موزعا على الكرة الأرضية بفعل مؤامرة دولية للابقاء على الشرق الأوسط كونه أحد أهم مصادر الطاقة مجزأ ومنقسما وتحت سيطرة القوى الاستعمارية وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة البريطانية وآخرين ممن ساهموا ماديا ولوجستيا في جلب أناس من كل بقاع الأرض ليستوطنوا في فلسطين بدعاوى مثولوجية لا تمت الى الحقيقة بصلة خدمة لمصالحهم وأطماعهم .
أكثر ما يؤلم الفلسطيني هو أن يحرم من جواز سفره كونه الأداة الوحيدة التي تفتح أمامه آفاق حرية التنقل ؛ وهذا ما حدث لي عندما صودر جواز سفري العراقي الخاص الذي منح لي بأمر رئاسي كونه الوثيقة الوحيدة الرسمية التي حملتها لمدة سبعة أعوام وزرت بها الكثير من بلدان العالم وبدونها أصبحت مقيدا وعاجزا عن السفر .
قبرص في تلك الآونة تحولت بفعل الوجود الفلسطيني الكبير بعد الغزو الاسرائيلي للبنان عام 82 الى عاصمة للاعلام الفلسطيني ؛ مع ذلك ورغم كل التسهيلات التي قدمت لنا كان لدينا شعور راسخ أن آفاق مستقبلنا السياسي فيها ضبابي ولا يبشر بطول بقاء ؛ لذا كان لابد من البحث عن مخرج والسعي وراء ما يكفل لنا حياة كريمة .
بعد عودتي من العراق مجردا من جواز سفري طلبت من المرحوم خالد الجبوري والمعروف ب ( أبو وليد العراقي ) وهو انسان عبقري يجيد تزوير المستندات بحرفية عالية عز مثيله ؛ طلبت منه بحكم صداقتنا عمل جوازي سفر مغربيين لي ولزوجتي وولداي . تمنع في البداية بدعوى أن عمل جوازات السفر أصبح يتطلب موافقة من اثنين من اللجنة التنفيذية بعد فضيحة مؤتمر القمة العربي الثاني عشر في المغرب عام 1981 حيث قامت مصلحة الجوازات المغربية بارسال الجوزات لكل وفد وفق بلده ؛ وتبين أن عددا من أعضاء الوفد الفلسطيني كان يتنقل بجوازات أردنية مزورة وبجودة عالية مما أثار حفيظة الملك حسين وقتها.
أبو وليد تجاوز مسألة الموافقات المطلوبة وسلمني جوازي سفرمغربيين . بعدها حزمنا حقائبنا وتوجهنا الى مطار لارنكا القبرصي ومنه الى موسكو في آخر يوم من العام 1983 ومن هناك الى العاصمة السويدية ستوكهولم التي وصلناها عشية رأس السنة.
في المطار تقدمنا بطلب اللجوء السياسي . لم أخف على السلطات حقيقة أن جوازات سفرنا مزورة ورجوتهم أن لا أسأل عمن قام بالتزوير ولا أين تم ذلك ؟ الحقيقة أني شعرت باحترام شديد لديهم كوني كنت صادقا فيما أفصحت . أتممت اجراءات طلب اللجوء في المطار وبعدها تم نقلنا الى فندق قريب أمضينا فيه أياما قليلة ثم نقلنا الى منتجع يقع في وسط جنوب السويد يدعى ( ميدفي برون ) قريب من مدينة موتالا لحين استكمال باقي التحقيقات .
في هذا المنتجع كان هناك عشرات المهاجرين من طالبي اللجوء من جنسيات مختلفة ؛ أغلبهم من أكراد العراق وبعض الأفراد والأسر من أصول لبنانية وفلسطينية .
هذا المنتجع كان قريبا من قاعدة طيران حربية ؛ وكلما حلقت طائرة في سماء المنطقة كانت ابنتي رشا (4 سنوات) تصاب برعشة لا ارادية بدأت عندها عندما كانت تشاهد الطائرات الاسرائيلية المغيرة على بيروت بداية الغزو الاسرائيلي ومشاهدتها لكرات لهب كبيرة منبعثة من الصواريخ التي كانت تقصف بها أماكن التجمعات الفلسطينية والقريبة من مكان سكنانا .
سلطات الهجرة تعاملت معنا بشكل مختلف عن الآخرين ؛ ففي الوقت الذي كان فيه كل طالبي اللجوء يتقاسمون الحمامات ودورات المياه في مهاجع مشتركة ؛ أعطيت وأسرتي فيلا صغيرة مستقلة وجيء لنا برجل وزوجته تبين أنهما فلسطينيان ويعملان كمترجمين لدى مصلحة الهجرة ليكونا معنا في حال احتجنا الى مترجم للغة السويدية علما أن اللغة الانجليزية التي نتحدثها بطلاقة هي اللغة الأكثر شيوعا وتداولا بجانب اللغة السويدية .
من طريقة تعامل الجهات الرسمية كان واضحا أن اجراءات الاقامة لن تستغرق وقتا طويلا خصوصا بعد اهتمام الصحافة المحلية بنا وظهورنا على صفحاتها ثلاث مرات خلال شهر ونصف . كل ذلك عجل في سرعة اتمام معاملة الاقامة حيث صدر قرار دائرة الهجرة بمنحنا كأسرة حق اللجوء السياسي ؛ وكانت الصحافة المحلية أول من علم بالقرار ؛ ويومها حضروا الينا ليبلغونا بالخبر السعيد وتجديد الترحيب بنا كمواطنين سويديين جدد .
أول شعور بقيمة المواطن والمواطنة كان عندما وصلتني بطاقة للمشاركة في الانتخابات البلدية . تلك كانت المرة الأولى في حياتي التي أشارك فيها بالادلاء بصوتي واختيار من يمثلني في ادارة شؤون البلدية التي أقطن بها. دمعت عيناي وتخيلت كيف يعامل المواطن العربي في بلاد أشقائه ؟ ناهيك عن معاملة الفلسطيني !!!. بل كيف يتم التعامل من مواطن خلق أبا عن جد في وطنه ويعتبر من " البدون " وبلا أية حقوق مدنية ؟ كيف لدولة مثل لبنان أن تمنع بقوة القانون على الفلسطيني الموجود على أرضها منذ عقود طويلة من مزاولة أكثر من 70 مهنة ؛ ابتداءا من العمالة البسيطة وانتهاءا بالهندسة والطب ؟
في العاصمة السويدية بدأت على الفور ممارسة عملي الصحفي ؛ فكتبت في العديد من الصحف لكن أكثر ما كتبته كان في مجلة " اليوم السابع " التي كانت تصدر في باريس وتضم خيرة الأقلام العربية . وفي مجلة " فلسطين الثورة " . اضافة الى قيامي بترجمة العديد من الوثائق ودبلجة الأفلام الوثائقية باللغة العربية .
عام 1984 عقد اجتماع لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين في اليمن ولم أتمكن وقتها من المشاركة فيه لأسباب لوجستية ؛ مع ذلك قامت المخابرات السورية باستدعاء والدتي للتحقيق معها في مدينة حلب واستجوابها فيما اذا كانت على علم بمشاركتي في هذا المؤتمر!!!. مهانة ما بعدها مهانة لسيدة كبيرة في السن ومكرمة قبل 10 سنوات كأم مثالية في سوريا . بالمقابل من يعرف مدى كره النظام السوري والرئيس حافظ الأسد وعدائه الشخصي مع الأخ أبو عمار ووقوفه وراء الانشقاق الذي حصل في حركة فتح يعرف جيدا أن بمقدورهذا النظام فعل ما هو أسوأ من ذلك ؛ وقد فعلوا .
عام 86 وبالتحديد يوم 28 فبراير وقعت جريمة اغتيال رئيس الوزراء السويدي السيد أولف بالمه وكنت من بين القلائل جدا ممن كتبوا سلسلة مقالات بالعربية حول ما جرى ؛ وأجريت عدة مقابلات كان أبرزها مع السيد برونو كرايسكي رئيس وزراء النمسا الذي جاء للمشاركة في الوداع الأخير لصديقه بالمه . كرايسكي ولشدة حزنه كان رافضا لاجراء أية مقابلات صحفية لكنه عندما علم أني فلسطيني أعطاني الكثير من وقته وسمح لي الخوض معه في تفاصيل علاقته بالراحل ياسر عرفات وحدثني عن المعاملة السيئة له من قبل الحكومة الاسرائيلية ومنعه من دخول الأراضي الفلسطينية مع انه يهودي الولادة .
في العام 1987 قام وزير خارجية السويد السيد ستن أندرشون بزيارة للأراضي الفلسطينية المحتلة ؛ وعندما سئل عن وصف حال الفلسطينيين قال كلمته الشهيرة " انهم يعيشون في جهنم الحقيقية " . للعلم فقط أن السيد أندرشون كان من كبار مؤيدي اسرائيل ؛ لكنه بعد تلك الزيارة انقلب 180 درجة وبدأت علاقته بالقضية الفلسطينية تنمو وتكبر حتى صار أحد أكبر المدافعين عنها في الساحة الدولية .
مع بداية انتفاضة الحجارة ذاك العام بدأت أصوات العديد من السياسيين السويديين ومن كل ألوان الطيف السياسي بالارتفاع وتوجيه النقد اللاذع لحكومة اسرائيل . وقد تداعى العديد من البرلمانيين السويديين وفي طليعتهم برلمانيي الحزب الاشتراكي والحزب اليساري وحزب الخضر وكذا بعض البرلمانيين من أحزاب يمين الوسط المعارضة الى تشكيل ما عرف باسم " رابطة الصداقة السويدية – الفلسطينية " وتم تشكيل مجلس ادراة للرابطة من برلمانيين وكان لي شرف العضوية في ذلك المجلس .
في العام الثاني للانتفاضة قام وفد من 27 عضو برلمان من كافة الأحزاب السياسية والمنضوين تحت راية رابطة الصداقة بالسفر الى الأراضي المحتلة ؛ وكانت هذه هي الزيارة الأولى لي الى فلسطين . عندما وصلنا مطار اللد ( بن غوريون حاليا ) خضعت للتحقيق فيما بقي كل البرلمانيين في قاعة الوصول بانتظار نهاية التحقيق معي . قيل للوفد أنهم يستطيعون التوجه الى القدس وأن التحقيق معي سيستغرق وقتا طويلا . رفض الجميع وبدون استثناء الطلب الاسرائيلي وأصروا على الانتظار حتى نهاية التحقيق . أمام هذا الاصرار وبعد قرابة 20 دقيقة افرج عني وغادرنا جميعا باتجاه مدينة القدس . في الفندق الوطني التقينا بكل القيادات الفلسطينية وفي مقدمهم المرحوم الأخ فيصل الحسيني ؛ ود.صائب عريقات وآخرين كثر وتم الاتفاق وقتها على تشكيل رابطة صداقة فلسطينية – سويدية وتم اختيار الصديق د. أنيس القاق رئيسا لها بحيث يكون هناك تكامل وتنسيق بين الرابطتين.
الزيارة رغم أنها كانت لمدة اسبوع واحد الا أنها كانت مكثفة جدا وقد تمكنت أنا وصديقي رشيد الحجة من اغتنام الفرصة لزيارة سريعة الى مدينتي حيفا وهو الى صفد بمساعدة الصديق الأستاذ يعقوب حجازي وزوجته السيدة حنان وبمرافقة بعض البرلمانيين .
أثناء زيارتنا الى مدرسة ابتدائية للبنات في "مخيم بلاطة" تم اطلاق النار على الحافلة التي كانت تقلنا رغم أنها كانت ممهورة بحروف كبيرة تدل على أنها تابعة للأمم المتحدة ؛ كما تم قصف المدرسة بقنابل الغاز المسيل للدموع مما أدى الى اصابة العديد من الطالبات بحالات اختناق . اثر هذا الحادث عقدنا مؤتمرا صحفيا في مقر اقامتنا في الفندق وقام السيد ايفرت سفنسون وهو عضو بارز في الحزب الاشتراكي بتوجيه النقد لتصرفات جيش الاحتلال التي وصفها بالمشينة . وفي نفس السياق قامت دول الشمال الخمس : السويد والدانمارك والنرويج وفلندا وايسلندا باستدعاء سفراء اسرائيل لديها وقدمت لهم احتجاجا شديد اللهجة محملة الحكومة الاسرائيلية المسؤولية الكاملة عما جرى .
في أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات لعبت السويد دورا ايجابيا الى جانب القضية الفلسطينية في عهد رئيس الوزراء السيد انغفار كارلسون وباشراف مباشر من وزير الخارجية السيد ستن أندرشون والسيد بيير شوري والسيدة أنيكا سودر ( وزيرة الشؤون الخارجية الآن ) وكذا السيدين أندش بيور نير وماتياس موسباري .حيث جرت العديد من اللقاءات السرية والعلنية بين شخصيات فلسطينية واسرائيلية بحثا عن حل سلمي للقضية الفلسطينية ؛ لكن كل ذلك توقف وتغيرت المواقف عند استلام السيد يوران بيرشون (الاشتراكي) رئاسة الوزراء خلفا للسيد انغفار كارلسون وهو المعروف بحبه المفرط للكيان الصهيوني بشكل مغاير لما يؤمن به الكثيرون من ترويكا حزبه وفي طليعتهم وزيرة الخارجية السيدة آنا ليند التي جرى اغتيالها عام 2003 وسط العاصمة ستوكهولم .
العام 1999 فزت في انتخابات رئاسة "رابطة الصحفيين الأجانب في السويد" وهي سابقة لم تحدث في أي مكان من العالم ؛ وهذه الرابطة تضم ممثلين عن 55 دولة بما فيهم ممثلين عن الصحف والقنوات التلفزيونية الكبرى ووكالات الأنباء الدولية الأمريكية والغربية وهو ما أثار حفيظة أصدقاء اسرائيل . مع ذلك وبعد عامين فزت مجددا بنفس المنصب وبنسبة أصوات أعلى عن سابقها.
في العام 2000 عملت لمدة 3 أعوام مستشارا لدى الدولة لدمج المهاجرين وكان من الممكن الاستمرار في هذا المنصب لولا مرض الروماتيزم الذي داهمني وحد من حركتي وأجبرني على طلب التقاعد المبكر.
الآن وبعد كل هذه السنين في هذا البلد أستطيع القول أن أهم انجازاتي هو تربية أبنائي الخمسة بطريقة جعلت منهم عناصر فاعلة في المجتمع من حيث التعليم ومن ثم الانخراط في سوق العمل كل حسب اختصاصه والحفاظ على انتمائهم لقضية شعبهم .
أختم بالقول أن هذا البلد السويد قد أعطى لفلسطين وللقضية الفلسطينية ما لم تقدمه حتى الدول التي تعتبر نفسها شقيقة في اللغة والجغرافيا والدين والتاريخ المشترك عبر قرون من الزمن .
أتمنى أن تكون السويد هي آخر محطات شتاتي قبل العودة الى الوطن الأم فلسطين حيا أو محمولا وهو ما سيكون عاجلا أم آجلا . الشكر موصول كذلك لكل من تابعني في كل محطات حياتي .
فلسطين ومنذ النكبة عام 48 من القرن الماضي تحولت من قضية شعب شرد من أرضه بقوة السلاح وارتكبت بحقه أبشع المجازر الى هوية وعنوان لكل عشاق الحرية . لذا أقول بكل أمانة وصدق ورغم سنوات التشرد والضياع والمعاناة أنني لو لم أكن فلسطينيا لأفنيت حياتي كلها كي أكون كذلك.
الشتات الأخير – السويد
بقلم : قيس مراد قدري
عندما تضيق الأوطان بأهلها وتمتهن كرامة الانسان وتغلق كل الأبواب في وجهه عندها يصبح الاغتراب ضرورة حياتية بحثا عن أمان مفتقد .
الغربة في حد ذاتها مغامرة ومقامرة ولا توجد غربة بلا ثمن ؛ وليس كل من اغترب قد أصاب حظا ؛ فالبعض قد فعل ؛ وكثيرون خاب رجاؤهم ولم يحصدوا الا الخيبة والندم.
الفلسطينيون حالة فريدة في التاريخ . شعب كان يعيش آمنا في وطنه وفجأة وجد نفسه موزعا على الكرة الأرضية بفعل مؤامرة دولية للابقاء على الشرق الأوسط كونه أحد أهم مصادر الطاقة مجزأ ومنقسما وتحت سيطرة القوى الاستعمارية وفي طليعتها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة البريطانية وآخرين ممن ساهموا ماديا ولوجستيا في جلب أناس من كل بقاع الأرض ليستوطنوا في فلسطين بدعاوى مثولوجية لا تمت الى الحقيقة بصلة خدمة لمصالحهم وأطماعهم .
أكثر ما يؤلم الفلسطيني هو أن يحرم من جواز سفره كونه الأداة الوحيدة التي تفتح أمامه آفاق حرية التنقل ؛ وهذا ما حدث لي عندما صودر جواز سفري العراقي الخاص الذي منح لي بأمر رئاسي كونه الوثيقة الوحيدة الرسمية التي حملتها لمدة سبعة أعوام وزرت بها الكثير من بلدان العالم وبدونها أصبحت مقيدا وعاجزا عن السفر .
قبرص في تلك الآونة تحولت بفعل الوجود الفلسطيني الكبير بعد الغزو الاسرائيلي للبنان عام 82 الى عاصمة للاعلام الفلسطيني ؛ مع ذلك ورغم كل التسهيلات التي قدمت لنا كان لدينا شعور راسخ أن آفاق مستقبلنا السياسي فيها ضبابي ولا يبشر بطول بقاء ؛ لذا كان لابد من البحث عن مخرج والسعي وراء ما يكفل لنا حياة كريمة .
بعد عودتي من العراق مجردا من جواز سفري طلبت من المرحوم خالد الجبوري والمعروف ب ( أبو وليد العراقي ) وهو انسان عبقري يجيد تزوير المستندات بحرفية عالية عز مثيله ؛ طلبت منه بحكم صداقتنا عمل جوازي سفر مغربيين لي ولزوجتي وولداي . تمنع في البداية بدعوى أن عمل جوازات السفر أصبح يتطلب موافقة من اثنين من اللجنة التنفيذية بعد فضيحة مؤتمر القمة العربي الثاني عشر في المغرب عام 1981 حيث قامت مصلحة الجوازات المغربية بارسال الجوزات لكل وفد وفق بلده ؛ وتبين أن عددا من أعضاء الوفد الفلسطيني كان يتنقل بجوازات أردنية مزورة وبجودة عالية مما أثار حفيظة الملك حسين وقتها.
أبو وليد تجاوز مسألة الموافقات المطلوبة وسلمني جوازي سفرمغربيين . بعدها حزمنا حقائبنا وتوجهنا الى مطار لارنكا القبرصي ومنه الى موسكو في آخر يوم من العام 1983 ومن هناك الى العاصمة السويدية ستوكهولم التي وصلناها عشية رأس السنة.
في المطار تقدمنا بطلب اللجوء السياسي . لم أخف على السلطات حقيقة أن جوازات سفرنا مزورة ورجوتهم أن لا أسأل عمن قام بالتزوير ولا أين تم ذلك ؟ الحقيقة أني شعرت باحترام شديد لديهم كوني كنت صادقا فيما أفصحت . أتممت اجراءات طلب اللجوء في المطار وبعدها تم نقلنا الى فندق قريب أمضينا فيه أياما قليلة ثم نقلنا الى منتجع يقع في وسط جنوب السويد يدعى ( ميدفي برون ) قريب من مدينة موتالا لحين استكمال باقي التحقيقات .
في هذا المنتجع كان هناك عشرات المهاجرين من طالبي اللجوء من جنسيات مختلفة ؛ أغلبهم من أكراد العراق وبعض الأفراد والأسر من أصول لبنانية وفلسطينية .
هذا المنتجع كان قريبا من قاعدة طيران حربية ؛ وكلما حلقت طائرة في سماء المنطقة كانت ابنتي رشا (4 سنوات) تصاب برعشة لا ارادية بدأت عندها عندما كانت تشاهد الطائرات الاسرائيلية المغيرة على بيروت بداية الغزو الاسرائيلي ومشاهدتها لكرات لهب كبيرة منبعثة من الصواريخ التي كانت تقصف بها أماكن التجمعات الفلسطينية والقريبة من مكان سكنانا .
سلطات الهجرة تعاملت معنا بشكل مختلف عن الآخرين ؛ ففي الوقت الذي كان فيه كل طالبي اللجوء يتقاسمون الحمامات ودورات المياه في مهاجع مشتركة ؛ أعطيت وأسرتي فيلا صغيرة مستقلة وجيء لنا برجل وزوجته تبين أنهما فلسطينيان ويعملان كمترجمين لدى مصلحة الهجرة ليكونا معنا في حال احتجنا الى مترجم للغة السويدية علما أن اللغة الانجليزية التي نتحدثها بطلاقة هي اللغة الأكثر شيوعا وتداولا بجانب اللغة السويدية .
من طريقة تعامل الجهات الرسمية كان واضحا أن اجراءات الاقامة لن تستغرق وقتا طويلا خصوصا بعد اهتمام الصحافة المحلية بنا وظهورنا على صفحاتها ثلاث مرات خلال شهر ونصف . كل ذلك عجل في سرعة اتمام معاملة الاقامة حيث صدر قرار دائرة الهجرة بمنحنا كأسرة حق اللجوء السياسي ؛ وكانت الصحافة المحلية أول من علم بالقرار ؛ ويومها حضروا الينا ليبلغونا بالخبر السعيد وتجديد الترحيب بنا كمواطنين سويديين جدد .
أول شعور بقيمة المواطن والمواطنة كان عندما وصلتني بطاقة للمشاركة في الانتخابات البلدية . تلك كانت المرة الأولى في حياتي التي أشارك فيها بالادلاء بصوتي واختيار من يمثلني في ادارة شؤون البلدية التي أقطن بها. دمعت عيناي وتخيلت كيف يعامل المواطن العربي في بلاد أشقائه ؟ ناهيك عن معاملة الفلسطيني !!!. بل كيف يتم التعامل من مواطن خلق أبا عن جد في وطنه ويعتبر من " البدون " وبلا أية حقوق مدنية ؟ كيف لدولة مثل لبنان أن تمنع بقوة القانون على الفلسطيني الموجود على أرضها منذ عقود طويلة من مزاولة أكثر من 70 مهنة ؛ ابتداءا من العمالة البسيطة وانتهاءا بالهندسة والطب ؟
في العاصمة السويدية بدأت على الفور ممارسة عملي الصحفي ؛ فكتبت في العديد من الصحف لكن أكثر ما كتبته كان في مجلة " اليوم السابع " التي كانت تصدر في باريس وتضم خيرة الأقلام العربية . وفي مجلة " فلسطين الثورة " . اضافة الى قيامي بترجمة العديد من الوثائق ودبلجة الأفلام الوثائقية باللغة العربية .
عام 1984 عقد اجتماع لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين في اليمن ولم أتمكن وقتها من المشاركة فيه لأسباب لوجستية ؛ مع ذلك قامت المخابرات السورية باستدعاء والدتي للتحقيق معها في مدينة حلب واستجوابها فيما اذا كانت على علم بمشاركتي في هذا المؤتمر!!!. مهانة ما بعدها مهانة لسيدة كبيرة في السن ومكرمة قبل 10 سنوات كأم مثالية في سوريا . بالمقابل من يعرف مدى كره النظام السوري والرئيس حافظ الأسد وعدائه الشخصي مع الأخ أبو عمار ووقوفه وراء الانشقاق الذي حصل في حركة فتح يعرف جيدا أن بمقدورهذا النظام فعل ما هو أسوأ من ذلك ؛ وقد فعلوا .
عام 86 وبالتحديد يوم 28 فبراير وقعت جريمة اغتيال رئيس الوزراء السويدي السيد أولف بالمه وكنت من بين القلائل جدا ممن كتبوا سلسلة مقالات بالعربية حول ما جرى ؛ وأجريت عدة مقابلات كان أبرزها مع السيد برونو كرايسكي رئيس وزراء النمسا الذي جاء للمشاركة في الوداع الأخير لصديقه بالمه . كرايسكي ولشدة حزنه كان رافضا لاجراء أية مقابلات صحفية لكنه عندما علم أني فلسطيني أعطاني الكثير من وقته وسمح لي الخوض معه في تفاصيل علاقته بالراحل ياسر عرفات وحدثني عن المعاملة السيئة له من قبل الحكومة الاسرائيلية ومنعه من دخول الأراضي الفلسطينية مع انه يهودي الولادة .
في العام 1987 قام وزير خارجية السويد السيد ستن أندرشون بزيارة للأراضي الفلسطينية المحتلة ؛ وعندما سئل عن وصف حال الفلسطينيين قال كلمته الشهيرة " انهم يعيشون في جهنم الحقيقية " . للعلم فقط أن السيد أندرشون كان من كبار مؤيدي اسرائيل ؛ لكنه بعد تلك الزيارة انقلب 180 درجة وبدأت علاقته بالقضية الفلسطينية تنمو وتكبر حتى صار أحد أكبر المدافعين عنها في الساحة الدولية .
مع بداية انتفاضة الحجارة ذاك العام بدأت أصوات العديد من السياسيين السويديين ومن كل ألوان الطيف السياسي بالارتفاع وتوجيه النقد اللاذع لحكومة اسرائيل . وقد تداعى العديد من البرلمانيين السويديين وفي طليعتهم برلمانيي الحزب الاشتراكي والحزب اليساري وحزب الخضر وكذا بعض البرلمانيين من أحزاب يمين الوسط المعارضة الى تشكيل ما عرف باسم " رابطة الصداقة السويدية – الفلسطينية " وتم تشكيل مجلس ادراة للرابطة من برلمانيين وكان لي شرف العضوية في ذلك المجلس .
في العام الثاني للانتفاضة قام وفد من 27 عضو برلمان من كافة الأحزاب السياسية والمنضوين تحت راية رابطة الصداقة بالسفر الى الأراضي المحتلة ؛ وكانت هذه هي الزيارة الأولى لي الى فلسطين . عندما وصلنا مطار اللد ( بن غوريون حاليا ) خضعت للتحقيق فيما بقي كل البرلمانيين في قاعة الوصول بانتظار نهاية التحقيق معي . قيل للوفد أنهم يستطيعون التوجه الى القدس وأن التحقيق معي سيستغرق وقتا طويلا . رفض الجميع وبدون استثناء الطلب الاسرائيلي وأصروا على الانتظار حتى نهاية التحقيق . أمام هذا الاصرار وبعد قرابة 20 دقيقة افرج عني وغادرنا جميعا باتجاه مدينة القدس . في الفندق الوطني التقينا بكل القيادات الفلسطينية وفي مقدمهم المرحوم الأخ فيصل الحسيني ؛ ود.صائب عريقات وآخرين كثر وتم الاتفاق وقتها على تشكيل رابطة صداقة فلسطينية – سويدية وتم اختيار الصديق د. أنيس القاق رئيسا لها بحيث يكون هناك تكامل وتنسيق بين الرابطتين.
الزيارة رغم أنها كانت لمدة اسبوع واحد الا أنها كانت مكثفة جدا وقد تمكنت أنا وصديقي رشيد الحجة من اغتنام الفرصة لزيارة سريعة الى مدينتي حيفا وهو الى صفد بمساعدة الصديق الأستاذ يعقوب حجازي وزوجته السيدة حنان وبمرافقة بعض البرلمانيين .
أثناء زيارتنا الى مدرسة ابتدائية للبنات في "مخيم بلاطة" تم اطلاق النار على الحافلة التي كانت تقلنا رغم أنها كانت ممهورة بحروف كبيرة تدل على أنها تابعة للأمم المتحدة ؛ كما تم قصف المدرسة بقنابل الغاز المسيل للدموع مما أدى الى اصابة العديد من الطالبات بحالات اختناق . اثر هذا الحادث عقدنا مؤتمرا صحفيا في مقر اقامتنا في الفندق وقام السيد ايفرت سفنسون وهو عضو بارز في الحزب الاشتراكي بتوجيه النقد لتصرفات جيش الاحتلال التي وصفها بالمشينة . وفي نفس السياق قامت دول الشمال الخمس : السويد والدانمارك والنرويج وفلندا وايسلندا باستدعاء سفراء اسرائيل لديها وقدمت لهم احتجاجا شديد اللهجة محملة الحكومة الاسرائيلية المسؤولية الكاملة عما جرى .
في أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات لعبت السويد دورا ايجابيا الى جانب القضية الفلسطينية في عهد رئيس الوزراء السيد انغفار كارلسون وباشراف مباشر من وزير الخارجية السيد ستن أندرشون والسيد بيير شوري والسيدة أنيكا سودر ( وزيرة الشؤون الخارجية الآن ) وكذا السيدين أندش بيور نير وماتياس موسباري .حيث جرت العديد من اللقاءات السرية والعلنية بين شخصيات فلسطينية واسرائيلية بحثا عن حل سلمي للقضية الفلسطينية ؛ لكن كل ذلك توقف وتغيرت المواقف عند استلام السيد يوران بيرشون (الاشتراكي) رئاسة الوزراء خلفا للسيد انغفار كارلسون وهو المعروف بحبه المفرط للكيان الصهيوني بشكل مغاير لما يؤمن به الكثيرون من ترويكا حزبه وفي طليعتهم وزيرة الخارجية السيدة آنا ليند التي جرى اغتيالها عام 2003 وسط العاصمة ستوكهولم .
العام 1999 فزت في انتخابات رئاسة "رابطة الصحفيين الأجانب في السويد" وهي سابقة لم تحدث في أي مكان من العالم ؛ وهذه الرابطة تضم ممثلين عن 55 دولة بما فيهم ممثلين عن الصحف والقنوات التلفزيونية الكبرى ووكالات الأنباء الدولية الأمريكية والغربية وهو ما أثار حفيظة أصدقاء اسرائيل . مع ذلك وبعد عامين فزت مجددا بنفس المنصب وبنسبة أصوات أعلى عن سابقها.
في العام 2000 عملت لمدة 3 أعوام مستشارا لدى الدولة لدمج المهاجرين وكان من الممكن الاستمرار في هذا المنصب لولا مرض الروماتيزم الذي داهمني وحد من حركتي وأجبرني على طلب التقاعد المبكر.
الآن وبعد كل هذه السنين في هذا البلد أستطيع القول أن أهم انجازاتي هو تربية أبنائي الخمسة بطريقة جعلت منهم عناصر فاعلة في المجتمع من حيث التعليم ومن ثم الانخراط في سوق العمل كل حسب اختصاصه والحفاظ على انتمائهم لقضية شعبهم .
أختم بالقول أن هذا البلد السويد قد أعطى لفلسطين وللقضية الفلسطينية ما لم تقدمه حتى الدول التي تعتبر نفسها شقيقة في اللغة والجغرافيا والدين والتاريخ المشترك عبر قرون من الزمن .
أتمنى أن تكون السويد هي آخر محطات شتاتي قبل العودة الى الوطن الأم فلسطين حيا أو محمولا وهو ما سيكون عاجلا أم آجلا . الشكر موصول كذلك لكل من تابعني في كل محطات حياتي .
فلسطين ومنذ النكبة عام 48 من القرن الماضي تحولت من قضية شعب شرد من أرضه بقوة السلاح وارتكبت بحقه أبشع المجازر الى هوية وعنوان لكل عشاق الحرية . لذا أقول بكل أمانة وصدق ورغم سنوات التشرد والضياع والمعاناة أنني لو لم أكن فلسطينيا لأفنيت حياتي كلها كي أكون كذلك.

التعليقات