الأخبار
2017/5/29

أحمد السوافيري.. جريحٌ لم تأسر الإعاقة إرادته

أحمد السوافيري.. جريحٌ لم تأسر الإعاقة إرادته
تاريخ النشر : 2017-05-19
رام الله - دنيا الوطن- محمد أبودون
صوتُ التصفيقِ الحارَّ والمتواصل يعلو، حالةٌ من الدهشة والاستغراب اعتلت وجوه الحاضرين، فالمُتوج بالجائزةِ هذا الموسم ليس سفيرًا ولا وزيرًا ولا فنانًا كما جرت العادة، الجريح أحمد السوافيري، يُقدم بين يدي أمير قطر ووزرائه وشخصيات عالمية رفيعة، كشخصية لعام 2016 وفائز بجائزة إنجاز العمر التي تمنح من قِبل مؤسسة "روتا القطرية".

حمدتُ الله على ما يُمن على من نعمٍ في كل يوم، سعادةٌ غامرة لا تعبر عنها الكلمات، فخرٌ وإعتزاز وحالةُ فرحٍ هستيرية، وأنا أرى الجميع فرحين بتتوجي، تحدتث في كلمتي التي رافقت تسلمي للجائزة، عن معاناة غزة وألامها وأهات شعبها، تحقق حُلمى وقابلتُ أمير قطر، ومثلتُ فلسطين وحملتُ صوتها للعالم، هذا ما قاله السوافيري لنا في وصفه للحظات التي رافقت تسلمه للجائزة.
كانت هذه المحطة أخر محطات الإبداع والإنجاز في حياة وتاريخ الجريح الفلسطيني أحمد السوافيري، حتى وقت إعداد هذه القصة، والبداية كانت عام 2008.

بداية الحكاية
كان يومًا عاديًا بحسب ما يعتقد أحمد الطالب في الثانوية العامة، لكنه لم يكن كذلك بحسب القضاء والقدر، في تفاصيل ذلك اليوم الذي وافق تاريخ 20/4/2008.

مع إقتراب عقارب الساعة من الثانية مساءً بدأت استعدادات أحمد للذهاب لمدرسه الخاص، ليتسنى له مراجعة بعض الموضوعات كون الاختبارات النهائية "على الأبواب"، كالعادة بدأ  بالسير في طريقه بصحبةِ عبد المدهون أنيسه في دراسته وحياته.

فجأة توقف السوافيري وهو من مواليد عام 1989 عن السير وهمس لرفيقه "والله إني أشُم رائحة جميلة جدًا تخرج من هذا المكان" أخذ الاثنان ينظران يمينًا ويسارًا باحثين عن مصدر الرائحة التي استوقفت أحمد، لحظاتٌ قليلة مضت حتى باغتهما صاروخ من طائرة إستطلاع إسرائيلية، أرداهما أرضًا مخضبين بدمائهما فاقدين لبعض أعضاء جسديهما، وهنا بدأت رحلته وحياته الجديدة.

يقول السوافيري القاطن في حي الزيتون جنوب مدينة غزة: "شعرت حينها بخَذلانٍ في جميع أنحاء جسدي، ظننت أني عدتُ جنين إلى بطن أمي كوني كنت محاط بالنار من جميع الجهات، لم أتمكن من الحركة بتاتًا على الرغم من أن وعيّ كان حاضرًا بشكل كامل".

دقائق مضت على تجمهر المواطنين حولهما، لم يملك بدايةً الجرأة الكافية للنظر إلى جسده وتفقد ما فيه من إصابات.

وصلت لمكانِ الحدث سيارةٌ مدنية أقلته وصاحبه لمجمع "الشفاء الطبي"، فغزة حينها كانت تعيش أزمة خانقة وإسعافاتها متوقفة عن العمل، لتبدأ بعدها رحلة فقد الوعي والتي استمرت لأكثر من 25 يومًا، أُجري خلالها أكثر من عملية جراحية له وتوقف قلبهُ لمرتين أيضًا، وإستُصئلت أطرافه السفلية إضافة ليدهِ اليسرى وثلاثة من أصابع يده اليمنى.

حياة جديدة
اجتمع الأطباء ونظروا فيما بين يديهم من معطيات، وأقروا بالإجماعٍ أن أحمد أقرب للموت من الحياة، وطلبوا حينها من أهله تجهيز قبرًا له، لكن عناية الله كانت تحفظه وكراماته تزدادُ بزيادة عدد الأيام الأليمة التي يمرُ بها.

خرج السوافيري من غرفة العناية المشددة بحالة صحية جيدة، لكن حالته النفسية كانت صعبة للغاية، فهو أصبح عاجزًا بلغةِ المنطق لكنه لم يصبح كذلك بلغةِ الصمود والقوة، فكانت أولى قراراته بعد استرجاع وعيه، هو الدخول بتحدي مع ذاته ومحيطه، فقرر استكمال دراسة الثانوية العامة، التي لم يتبقى على موعد عقدها إلا شهر واحد.

أسئلةٌ كثيرة جالت في خاطره "كيف سأكمل وأنا بهذه الحالة، لم يتبقى وقت، لم أُنهى فترة علاجي بعد" كل تلك الأشياء كان من المتوقع أن تقتل الأمل في نفسه والحياة في داخله، لكن إصرار أحمد أقوى من كل الصعوبات.

يتحدث "الذكريات الجميلة التي بدأت باستجامعها، ومشهد يدي اليسرى المبتورة التي دفنت وهى ترفع أصبع السبابة، وحديث والدتي لي بأن مكان نومي وجلوسي في البيت دائمُ الريح الطيب والعطر، إلى جانب ثقة الأهل والأصدقاء ودعمهم، كلها أسباب دفعتني لتجاهل ما حل بي والتغلب على أثاره النفسية".

حان وقت الاختبارات والسوافيري لم يزل أسيرًا لفراش سرير المشفى، فطالبه الجميع بالبقاء في مكانه واللجنة ستحظر له كون حالته خاصة، رفض أحمد هذا الخيار وواجه الجميع قائلًا "مثلي مثل كل الطلاب سأتقدم للاختبار برفقة زملائي في المدرسة، أنا لا ناقصني إيد ولا رجل" فتحقق له ما طلب وكان حالة نادرة جذبت كل الأضواءِ لها.

مواجهة ثانية
نجاحه في الثانوية العامة شكل رفعةً لمعوناياته ودفعةً لطموحه المعانق للسماء، فقرر إكمال نصفِ دينه بالزواج رغبةً منه بإيجاد شريكة له في صنع مجده وتحقيق هدفه.

بخطوته هذه، أحمد يدخل بمواجهةٍ ثانية مع محيطه في فترة زمنية محدودة، فهل سينجح فيها ويحقق انتصار ونجاح كما الأولى؟.

يردف السوافيري "قراري واجه رفض واعتراض في البداية من قِبل أفراد العائلة وغيرهم، كوني لم أكمل علاجي بعد وحالتي الصحية لم تستقر، إلا أني استطعت إقناع الجميع برغبتي وتمت خِطَبتي على ابنة عمي التي كنت أريدها زوجة لي منذ الصغر".

بدأت حياته الجديدة في بيتهِ المستقل، برفقة زوجته التي التحقت بالجامعة الإسلامية لتدرس الرياضيات والتحق هو في الكلية الجامعية ليدرس علوم الشريعة الإسلامية والدعوة، أنهى دراسته في عام 2012 وكذلك رفيقته، وخلال تلك الفترة رزق بجنى وسما وتوفى الله سما في ذات العام.

وفاة سما جاءت نتيجة لقصف استهدف مستشفى "الذرة للأطفال" خلال العدوان الصهيوني الثاني على غزة، حيث كانت ترقد برفقة والدتها في المستشفى، بسبب مشاكل صحية عانت منها، وبلغت من العمر حينها ثلاثة شهور، يلخص أحمد حالته في ذلك الوقت "الاحتلال سلبني جزءً من جسدي في عام 2008، وخطف جزءً من قلبي في عام 2012 بوفاة سما".

وفي أحد أيامه، كان السوافيري برفقة صغيرته جنى لوحدهما في المنزل، فجأة رن جرس الباب، فإذا بجنى تضع يديها على قدميها وكأنها تحاول فصلهما عن جسدها، أحمد لصغيرته "شو بتعملي يا بابا"، ردت جنى "بدي أفك رجليّ وأعطيك إياهم يا بابا مشان تقدر تمشى وتروح تفتح الباب".

كلام جنى أخرجه عن سيطرته وأشعره بعجزه الذي لم يشعره به طول السنين وصعابها، فلم يدري كيف انتفض من مكانه مستجمعًا قواه لفتح باب المنزل.

تحدي وإصرار
تأقلمه مع واقعه ومعايشته لكل التفاصيل الصعبة التي مر بها، شَكل موضع استغرابٍ ودهشة لكل من يعرفه، فحياته التي انقسمت بين بيته والمسجد والمؤسسات المحلية والمدرسة التي يعمل بها كمتطوعًا، ومشاركته للجميع في أفراحهم وأحزانهم، وسؤاله الدائم عمن يغيب، كل هذه الأمور مجتمعة جعلت منه نموذجًا حيًا وواقعيًا لصمود الفلسطيني وتحديه.

واستمرار لمسلسل الفرحة الممزوجة بالمعاناة، والأمل المرافق للتحدي، رزق أحمد بنجله الأول "المعتصم بالله" في اليوم السابع من العدوان الأخير على غزة على في العام 2014، ليُوجد هذا الحدث مزيدًا من القوة والعزيمة في نفسه الشغوفة.

ولأن القصد من الوجود الطموح إلى ما وراء الوجود، ورغبةً منه في تحقيق المزيد من الإنجازات وخوض تحديات جديدة، ذهب لاستكمال درجة البكالوريوس في التربية الإسلامية، وفي نهاية تلك المرحلة كان عليه الخوض في غمار التدريب العملي في المدرسة، هذا الأمر شكل هاجسَ خوفٍ وفزع عنده، "كيف سينظر الطلاب لي، هل سأضبط الفصل، كيف سيتعامل معي المدرسين" كل هذه التساؤلات  خطرت في باله، لكنها سرعان ما تحولت لدفعةٍ إيجابية، بعد ما رأى طيب المعاملة وحسن الاستقبال من الجميع في المدرسة.

تعاظم الإنجاز
إنجازات السوافيري لم تبقَ حبيسة داخل جدران بيته، ولم تقتصر معرفتها على المحيط القريب منه، فانتقلت تجربته الملهمة للعالم أجمع، وتُرجم هذا الانتقال والتحول من المحلية إلى العالمية فعليًا من خلال حصوله على عدد من الجوائز والتكريمات الدولية.
"أفضل شخصية مؤثرة حول العالم" هذا هو اللقب الذي منحته إياه وزارة التنمية المجتمعية اللبنانية في عام 2015، ودعيّ أبو المعتصم لتركيا لحضور التكريم هناك، لكن ظروف الحصار والإغلاق سلبته حقه في المشاركة، فكانت له كلمة مؤثرة معبرة عبر الأقمار الصناعية.

قد يتعجب أي شخص في ذات وضع أحمد من حاله في لحظةِ ضعفٍ ويقول في نفسه "لماذا أنا من دون كل الناس" بدافع التذمر والنقمة، لكن الحال كان مختلفًا كثيرًا بالنسبة لبطل قصتنا، فتلك العبارة كانت يرددها من باب شكر النعمة وزواد الفضل، فالكرامات والنعم التي منحت له كثيرة، وأثرت في شخصيته بشكل كبير.

إنجاز العمر
لم يكن يعلم أحمد ما يخبئ له القدر من مفاجئاتٍ بعد، ففي صبيحة أحد أيام عام 2016 تلقى اتصالًا دوليًا عبر هاتفه المحمول، لم يعره اهتمامًا كافيًا كونه لم يكن مستيقظ من نومه بشكلٍ تام، بعد قليل عاد الاتصال مرة أخرى فتنبه له وإذا به ممثل عن مؤسسة روتا القطرية، يخبره بأنه مرشح لجائزة "إنجاز العمر" التي تمنح مرة واحدة كل سنتين للشخصيات المؤثرة حول العالم.

هذا الحدث ربما كان حلمًا فقط، يدور في عقل السوافيري، ولم يخطر بباله أبدًا أن يتحقق، بل فعلًا كان منامًا حين رأى نفسه قبل اسبوع من الاتصال يجلس مع أمير قطر.
تمكن أحمد من مغادرة غزة لقطر قبل شهرين من موعد الإعلان عن الفائز بالجائزة، مستغلًا الفتح الاستثنائي لمعبر رفح،  ليكون له نصيب المشاركة بحفل التتويج.

مكث السوافيري طوال مدة الانتظار في الدوحة بعيدًا عن الصحافة والاعلام بطلبٍ من المؤسسة، لأن الشارع الخليجي ينظر بأهمية بالغة لهذه الجائزة التي تُوج بها سابقًا وزراء وسفراء ورؤساء حول العالم، وينتظر الجمهور على جمرٍ معرفة من سيتوج بها هذا الموسم، فغيابه عن الأضواء كان في إطار التحضير للمفاجأة.

قصة أحمد ليست وحدها، فهناك إلى جانبها ألاف القصص عبر سنين التاريخ القصير، سطرها أبطال فلسطينيون على كافة الأصعدة وفي جميع المجالات، كثيرون من تحدوا الصعاب وهزموا إعاقتهم، وجعلوا منها وقودًا لإشعال نار الأمل والحياة، فحفروا أسمائهم بحروف عز وكبرياء بين ثنايا صفحات التاريخ الفلسطيني.






 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف