العملاء... آفة قاتلة وعلاج هش

العملاء... آفة قاتلة وعلاج هش
صورة تعبيرية
خاص دنيا الوطن ـ محمود الفطافطة
تُعتبر ظاهرة العملاء والجواسيس والمتعاونين مع الأعداء، بمختلف أشكالها ومسمياتها، منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، من الظواهر التي ترافقت مع تطور المجتمعات على مر العصور، خاصة تلك التي وقعت تحت سيطرة الاحتلال الأجنبي. ولم تختلف نظرة الأمم لهذه الظاهرة، حيث رأت فيها عملاً غير وطني إن كان ضدها، على اعتبار أنها حالة مرفوضة، من الناحيتين الوطنية والأخلاقية، ويقوم بها قلة من ضعاف النفوس، الذين يُؤثرون مصالحهم الخاصة، على المصلحة الوطنية الجمعية.

وفي الحالة الفلسطينية، شكلت ظاهرة عملاء الاحتلال وجواسيسه، مشكلة أساسية وعائقاً أمام استعادة الحقوق الوطنية، حيث يُنظر لهم على أنهم حجر عثرة، وعقبة كأداء في طريق هذا المشروع، لما يمثلونه من خطر حقيقي، يهدد نسيج المجتمع الفلسطيني، بجميع أطيافه ومكوناته السياسية.

الاختراق والتصفية

في دراسته التي هي رسالة ماجستير يعالج الباحث أحمد البيتاوي ظاهرة العملاء الفلسطينيين للاحتلال ومدى خطورتها على الشعب والقضية، إذ يبين أن هؤلاء العملاء أسهموا  بشكل فعال وجلي، من خلال أساليبهم ووسائلهم وأدوارهم المتعددة، في تمزيق النسيج السياسي للشعب الفلسطيني، وأعاقوا استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه التاريخية.

ويشير إلى أن اتفاقية أوسلو، بنصوصها المختلفة وملحقاتها المتعددة، تعتبر أحدَ أهم العوامل، التي حمت العملاء والجواسيس من الملاحقة والاعتقال، كما ويُعد التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية ودولة الاحتلال، من الأسباب التي شجّعت على خلق بيئةٍ عامةٍ دافعةٍ لتبرير العمالة والتواصل مع الاحتلال، وكسرت العديد من المحرمات.

وتظهر الدراسة أن العملاء لعبوا وما زالوا بتسهيل عمليات تصفية الاحتلال للمقاومين أو اعتقالهم، واختراق الفصائل الفلسطينية وإحباط برامجهم النضالية، مروراً ببث روح الفرقة والانقسام والإشاعات الكاذبة، إضافة إلى أدوارهم، في نشر أشكال الفساد والرذيلة، والإسقاط الأمني لغيرهم، وتسهيل عمليات بيع الأراضي والعقارات الفلسطينية للطرف الإسرائيلي. غير أن أخطر الأدوار التي يلعبها العملاء اليوم، هي تمرير سياسة الاحتلال الإسرائيلي، وتطبيق خططه المرحلية والاستراتيجية، والتساوق مع أهدافه، خاصة إذا ما كان هذا العميل صاحب موقع قيادي، له تأثيره على المجتمع.

بين الصغار والخلط!!

ويوضح الكاتب أن مهمة التصدي للجاسوسية والعمالة لا يمكن ان تكتمل، ما دامت حالة (القابلية للجاسوسية) مستمرة، فهي تعبر عن الاحساس العميق بالهزيمة النفسية والفكرية، واستشراء داء فقدان الذات. ويبين أنه من الواضح أن حكومة غزة، كانت أشد حزماً وإصراراً في تعاملها مع هذه الظاهرة، وتسعى لمحاربتها بالعديد من الوسائل، وهي مستمرة في ذلك ضمن رؤية واضحة ومحددة وغير مقيدة، وهو ما يعني أن أعداد الجواسيس في غزة في تناقص مستمر، خاصة بعد اكتشاف واعتقال عشرات الجواسيس في القطاع، في المقابل، فإن الحكومة في الضفة الغربية، ولاعتبارات عديدة أهمها اتفاقية أوسلو والتمويل الخارجي، تبدو مرتبكة ومترددة وغير جادة في تعاملها مع ملف الجواسيس، وهي لا تملك أي استراتيجية لمقاومة هذه الظاهرة، وهو ما يعني أن أعداد الجواسيس في الضفة الغربية في تزايد مستمر، في حال لم تُغيّر السلطة من سياستها.

 وتكشف الدراسة عن أن الفلسطينيين ركزوا على ملاحقة الجواسيس الصغار، وغير المدعومين وأهملوا العملاء الكبار، بالرغم من أن هذه الفئة أشد خطراً على القضية الفلسطينية، فإذا كان الجاسوس يساهم في تصفية أو اعتقال أحد المواطنين، فإن العميل قد يساهم في قتل مجتمع بكامله.

وتذكر دراسة البيتاوي أن الفلسطينيين خلطوا خلال مجابهة هذه الظاهرة بين المواطنين الذين توجد عليهم ملاحظات أخلاقية، واعتبروهم في بعض الحالات جواسيس للاحتلال، مع أنه ليس كل مواطن فاسد أخلاقياً من الضروري أن يكون فاسداً أمنياً، منوهة إلى أن المجتمع لم يولِ أهمية خاصة لعوائل الجواسيس، ولم يتعاملوا معهم بحكمة واحتواء، خاصة بعد الانكسار النفسي والاقتصادي الذي أصابهم، فظلت صفة ابن أو والد أو زوجة الجاسوس تلاحقهم، وهو ما أدى إلى حدوث ردات فعل عكسية من قبل ذويهم في كثير من الأحيان.

  أساليب جديدة وحلول معلقة!!

 وتشير الدراسة إلى أن المخابرات الإسرائيلية تسعى باستمرار، لتطوير أساليب إسقاطها للفلسطينيين، ويقف خلف هذا الهدف نخبة من المختصين النفسيين والعسكريين. كما أصبح الاحتلال يبحث اليوم عن جواسيس تخلو سيرهم الذاتية من سوابق جنائية، وسلوكيات أخلاقية مشبوهة، كما أن العائلات والعشائر الفلسطينية، خاصة في منطقة الأرياف، لعبت دوراً مهماً في مكافحة ظاهرة الجاسوسية، من خلال رفع الغطاء والحماية عن بعض أبنائها، الذين ثبت تعاونهم مع الاحتلال، حيث قامت بعض العائلات بإعلان البراءة من أبنائها الجواسيس. وفي المقابل قد تلعب العائلات دوراً سلبياً في التصدي لهذه الظاهرة، من خلال حماية أبنائها الجواسيس، وتحول دون اعتقالهم أو تعرضهم للمساءلة.

وختم الباحث رسالته بجملة من التوصيات، أهمها عدم الاكتفاء بالحلول الأمنية لمقاومة هذه الظاهرة، والتركيز على البعد التوعوي التثقيفي عند معالجتها، والاتفاق على مفهوم محدد للجاسوسية والعمالة، وتحريم وتجريم التعاون مع الاحتلال بكافة أشكاله، بغض النظر عن التسمية والخلفية. كما يجب النظر إلى غالبية الجواسيس على أنهم ضحايا تم خداعهم، وليسوا مجرمين. إضافة لتشكيل مؤسسة فلسطينية خاصة، لتعديل ثقافة الناس ونظرتهم السلبية إلى عوائل الجواسيس، وإعادة تأهيل أقاربهم، ورعايتهم نفسياً ومادياً، من أجل إعادة دمجهم في المجتمع، وكسبهم إلى جانب الشعب الفلسطيني.

وبهذا، فإن ظاهرة جواسيس الاحتلال الإسرائيلي كانت موجودة وستبقى إلى أن ينتهي هذا الصراع، والتحدي الأكبر الذي يواجه القضية الفلسطينية هو هل ينجح الفلسطينيون في محاصرة هذه الظاهرة وتقليلها بحدودها الدنيا؟ أم أنها ستتوسع وتنتشر، وتبقى تمارس دورها الذي يمزق النسيج السياسي للشعب الفلسطيني؟