الشباب والفساد.. بيئة جاذبة ومواجهة خجولة

الشباب والفساد.. بيئة جاذبة ومواجهة خجولة
صورة تعبيرية
خاص دنيا الوطن- محمود الفطافطة
مما لا شك فيه أن الفساد يُشكل خطراً على كافة المجتمعات، الفقيرة منها والغنية، إذ إنه في حال انتشار هذا الوباء، فإن تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة الإنسانية تصبحان مطلباً مستحيل التحقيق، وما انتشر الاستبدادُ في العالم إلا نتيجة لشيوع ظاهرة الفساد.

وفي حال الحديث عن الواقع الفلسطيني، فإن المجتمع الفلسطيني يعاني من آفة الفساد كغيره من مجتمعات العالم، فالسلطة الوطنية الفلسطينية تعاني، ومنذ توليها مقاليد الحكم في العام 1994، من صعوبات في الأداء، ومن معيقات مختلفة، تقف في وجه إرساء قواعد الحكم الصالح. ويرتبط بعض هذه الصعوبات والمعيقات بطبيعة البيئة السياسية التي تحيط بعمل السلطة، بينما يرتبط بعضها الآخر بظروف نشأتها التاريخية، وخبراتها المتواضعة في الحكم، ووجود إشكالات تتعلق بالانتقال من الثورة والمنافي إلى الدولة والوطن.

أسباب وتهميش!

ومن الفئات التي عانت، ولا تزال، من الفساد شريحة الشباب، حيث إن حرمانها من المشاركة في صناعة القرار وتهميش دورها في التنمية أديا إلى حرمان المجتمع من قوة  لو وظفت جيداً لاستطاع هذا المجتمع تحقيق حالة معقولة من الاستقلالية الاقتصادية والمنعة الاجتماعية ورشادة الإدارة ونزاهة القضاء وقوة العدالة وحوكمة المؤسسات. تهميش الشباب صورة أخرى للفساد عبر إضعاف الحوافز والمنافسة الشريفة في العمل، حيث إن الفساد بطبيعته القاتلة يثبط عزيمة المنتجين والعاملين الجادين ويضعف أخلاقيات العمل.

يرى محمد أبو خلف، أن سبب الفساد يرجع إلى نزعة شخصية تحركها المصلحة الذاتية، عند توافر بيئة مساعدة، يتم انتهازها من قبل هؤلاء الاشخاص، موضحاً أن عدم الحزم من قبل الحكومة والقضاء، إلى جانب فقر التشريعات وانعدامها أحياناً يمثل عاملاً رئيسياً في انتشار هذا الوباء الفتاك.

وفي حديث مع العديد من الشباب، فقد أجمعوا على أن هنالك جملة أسباب تدفع لظهور وانتشار الفساد في فلسطين، أهمها: غياب سيادة القانون، وضعف الجهاز القضائي، وضعف الإرادة والنية الصادقة لدى القيادة السياسية لمكافحة الفساد، وضعف أجهزة الرقابة في الدولة وعدم استقلاليتها، وعدم الالتزام بمبدأ الفصل المتوازن بين السلطات الثلاث، وضعف وسائل الإعلام، وضعف دور مؤسسات المجتمع المدني، وعدم مبادرة أو جرأة كثير من الناس في إعلام المؤسسات المعنية بمحاربة الفساد بحالاته أو بأسماء الفاسدين.

رؤية وقصص!!

وفي سؤالهم عن طبيعة رؤيتهم أو نظرتهم للفساد في المجتمع، أوضحوا أن الفساد صورة أخرى للهلاك، وبأنه جريمة تتجسد في ازدياد صور الانحراف، وبالتالي يساهم في غياب فرص العمل وانتزاع ثقة الجمهور بمؤسساته الرسمية والأهلية، ويبينون أنه  لا زال هناك ضعف في مستوى العدالة والمساواة والشفافية في التعينات والترقيات، حيث تتم هذه التعينات وفق أسس مستندة إلى الثقة لا الكفاءة، وفق الشخصنة والحزبية والولاءات والمصالح وسواها، بعيداً عن الشفافية والنزاهة.

وفي التطرق إلى بعض القصص يروي الشاب سعيد نعمان: " عندما أنهيت دراستي بدأت بالبحث عن وظيفة فقيل لي إنني بحاجة إلى واسطة وإلا سأمكث في لعنة البطالة سنوات وسنوات". 

أما هند جابر فتذكر:" قرأت أن شخصاً أرسل بالبريد الإلكتروني إلى وزارة التعليم ذكر في رسالته عن مدى البؤس الذي يشعر به، وأنه لا يستطيع الحصول على وظيفة، إذ قيل له: ليس لديك واسطة؟ لا يمكنك حتى أن تحصل على كوب من الماء دون الواسطة! لقد صدمت". 

وبدورها، تشير عبلة خالد، إلى أن "الواسطة توجد في كل بيت، وفي كل سلطة؛ يوجد فساد في الوزارات والأحزاب والمنظمات الأهلية وغيرها. إننا بحاجة إلى سنوات للتغيير، ولا يمكن أن نغير في يوم واحد. أما رأفت نعيم فيرى "أن للواسطة تأثير كبير على حماسنا للعمل. المحسوبية تبطل الأمل في العثور على وظيفة،  أعرف أناساً فشلوا في المدرسة أو حتى لم يتعلموا، ويعملون حالياً.. الناس يوظفون أقاربهم واصدقاءهم".

صور وتأثيرات

وفي السياق ذاته، فإن أبرز صور الفساد برأي الشباب فتتمثل في: تخصيص وظيفة لقريب دون مقابلته، تدخل معلم لقبول ابن صديقه في المدرسة رغم عدم نجاحه في امتحان القبول، قضاء وقت العمل في مكالمات خاصة، زيادة علامات لابن المدير، استخدام سيارة الحكومة في الأعراس، تقديم هدية لموظف مقابل الحصول على مصلحة، قيام المسؤول بتوزيع المساعدات المقدمة للقرية على أقاربه فقط، قيام أحد الموظفين باستخدام ماكينة تصوير في الوزارة ليصور وثائق خاصة لزوجته، إعطاء منحة أكاديمية خارج الوطن لابن مسؤول رغم عدم استحقاقه لها، صرف راتب لشخص دون أن يواظب على رأس عمله.

كل ذلك من شأنه أن يؤثر على واقع ومستقبل وأحلام وآمال شريحة الشباب في فلسطين، ومن أبرز تأثيرات ذلك، وفق الشباب: قتل روح حرية الابداع والتفكير والتعبير والفعل، حرمان كثير من الشباب من المساواة في تكافؤ فرص العمل والصحة وسواها، إجبار كثير من الشباب المبدعين على الهجرة إلى الخارج لعدم حصولهم على حقوقهم، عدم ثقة مؤسسات التمويل في النظام السياسي القائم وقطع جزء من مساعداته، تعرض الشباب الذي لم يحصل على حقه للعزلة والاغتراب الاجتماعي وما إلى ذلك من أمراض نفسية قد يتحول بسببها إلى حاقد على المجتمع ومتمرد على قيمه.  

المواجهة والمطلوب!

الجواب لا يكمن في الشباب بقدر ما يكمن في البيئة التي يعيشون فيها، ففي ظل وجود هؤلاء الشباب في بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية لا تراعي خصوصياتهم أو تتعاطى مع مطالبهم أو تشاركهم في قراراتها فإن مواجهتهم للفساد ومسببيه تكون هشة الى حد الانعدام.. في هذا الإطار يذكر بعض الشباب والمختصين جملة من العوامل المعيقة التي تحول دون تمكن الشباب من محاربة الفساد في فلسطين، أهمها: عوائق تربوية تعليمية، وعوائق اجتماعية ترتبط بالتقاليد والأعراف السائدة، وعوائق سياسية ترتبط بغياب الممارسة الديمقراطية الحقيقية وعدم احترام حرية الرأي، وعوائق قانونية تتمثل في غياب التشريعات التي تضمن وتنظم مشاركةً فعالة للشباب في الحياة العامة.

رغم كل ذلك، ولأن الشباب يشكلون الأكثريةَ والأقدر على تولي مواقع المسؤولية في المستقبل، فيجب أن يقوموا بدورٍ هام في محاربة الفساد، خاصة عندما يتولون المسؤولية، والمشاركة في عملية التحول الديمقراطي، وتمكينهم من تفعيل آليات الحكم الجيد لتساعدهم في القدرة على الاختيار.