"مصانع الباطون والكسارات".. بين المنازل.. بلا رادع!

"مصانع الباطون والكسارات".. بين المنازل.. بلا رادع!
ارشيفية
خاص دنيا الوطن- إسلام الخالدي
في غرفهم المغلقة التي لا يمكنهم فتحها جراء الغبار الذي يكسو أرجاء المكان، ناهيك عن صوت الماكينات وما تسببه من ضجيج يتسرب إلى بيوتهم، واقتحم حياتهم التي أصبحت معتادة على تلك المعاناة، الستيني أبو أحمد يعاني من أزمة ربو وحساسية بالصدر، يجاور سكناه مصانع وكسارات الباطون، تحديداً شرقي غزة التي تتميز بوجود الكسارات فيها بكثرة.

وفي الحديث مع أبو أحمد الذي كان يجلس بعيداً عن بيته؛ هرباً مما تسببه تلك الماكينات من إزعاج وتلوث يقول لـ "دنيا الوطن": "أعاني من أزمة ربو حادة، أنقل على إثرها إلى المستشفى بين الفينة والأخرى لعمل التباخير اللازمة، والأمر لم يتوقف علي فقط، بل أغلب السكان يعانون من مشاكل صحية متنوعة هم وأطفالهم، ومما تسببه من أذى نفسي أو عضوي".

ويضيف: "لا نستطيع فتح أي من نوافذ المنزل أو الوقوف على الشرفة، جميع أبنائي مصابون بحساسية مزمنة، حياتنا لا تطاق، ولا أحد يتفقد أحوال هذه الأسر، التي تجاورن المصانع، وعند بث أي شكوى يأتي الرد بأن هذه المصانع تسير حسب اللوائح البيئية، بينما نحن لا نرى ذلك بل المعاناة تجتاح كل منزل هنا".

تنسحب المخاطر على الكثير من المناطق السكنية والزراعية التي تحتوي على مصانع للباطون، حيث تغرق الأحياء المجاورة بالغبار والضوضاء والأمراض، ويرون بأن تلك المصانع تمثل لهم كابوساً يمنعهم من العيش باستقرار، "دنيا الوطن" عرضت الملف على الجهات المختصة لمناقشته، التفاصيل في التقرير التالي.

بدأت "دنيا الوطن" البحث جنوب القطاع، تحديداً منطقة حي السلام بمدينة رفح، لفت انتباهنا أحد المارة يدعى لطفي عرفات، كان يسير بجوار مصنع للباطون وقد توشح بلثام على أنفه ورأسه جراء الغبار الذي يملاً المكان، ليتحدث لـ "دنيا الوطن" عن معاناتهم قائلاً: "الكثير من المشاكل تجتاح حياتنا، ناهيك عن عدم الراحة النفسية التي نعيشها، من ضوضاء وتلوث بيئي غير مسبوق، ونحن من أكثر الفئات التي تعاني الألم؛ لعدم اكتراث الجهة المسؤولة عنا".

غياب العقوبات الرادعة

طبقاً للمادة 11 من قانون الزراعة الصادر في العام 2003م، فإنه يحظر إنشاء أية مبان عامة أو خاصة أو منشآت صناعية أو تجارية في الأراضي العامة أو البور، أو اتخاذ أية إجراءات في شأن تقسيم الأراضي؛ لإقامة مبان عليها إلا بقصد خدمة الإنتاج الزراعي وبمساحة يحددها القانون.

في إطار البحث عن مخاطر الكسارات على المزروعات، المهندس نزار الوحيدي مدير عام الإرشاد والتنمية في وزارة الزراعة يقول: "قضية الكسارات تأتي متداخلة بأبعاد سياسية اقتصادية، ناتج عما يفعله الاحتلال من هدم وتجريف للبيوت، فأصبح ظهورها واضحاً بعد اندلاع الانتفاضة؛ لتحطيم ركام المنازل".

وبحسب م. الوحيدي فإن الخلل ليس في المتابعة من قبل الوزارات ولكن الإهمال الملحوظ من قبل أصحاب الكسارات في ظل غياب قانون العقوبات الرادعة، هو من شجعهم على التقصير في حق الآخرين وإلحاق الأذى بهم، حيث كان من المفروض أن تكون الكسارات داخل المنطقة الصناعية في شرق غزة، لكن جراء تدميرها من قبل الاحتلال، اضطررنا إلى قبول نقلها داخل المناطق الزراعية، لأنها ضرورية جداً، في التخلص من بقايا الركام.

ويشير، إلى أن الغبار الذي يغطي المزروعات الناتج عن هذه المباني التي تحتوي على مادة الكلس وكربونات وكبريتات الكالسيوم، بالإضافة إلى الغبار يعتبر في أقطار أقل من 2 ميكرون قاتل للنباتات ويمنع عملية التمثيل الضوئي، منوهاً إلى أن البيوت التي دمرت أستخدم في قصفها قناديل تحتوي على مواد مشعة ومواد كيميائية لا نعلم مصدرها، إذن هذا خطر آخر.

وينوه م. الوحيدي، إلى أن القضية نوقشت عدة مرات في وزارة الحكم المحلي، وفي كل مرة نقف حائرين أمام معضلة يعصب حلها، أي توقف عمل كسارات هنا تقتل أسر كبيرة تعتمد في اقتصادها على هذه المهنة، مؤكداً بأنها مجموعة مشاكل كبيرة تحتاج إلى حل.

ويؤكد الوحيدي، بأن الزراعة مهمتها تقتصر على رفع تقارير وإعطاء إفادات للمزارعين بحجم الخطر الواقع عليهم.

موضوع الكسارات حاجة اقتصادية

غير أن مدير عام ديوان رئاسة بلدية غزة، المهندس. حاتم الشيخ خليل، يؤكد أن موضوع الكسارات حاجة اقتصادية وطنية، حيث تم مناقشة الملف لتقليص أعدادها عدة مرات، وفي عام 2014 اقتربنا من الحل الجذري بإغلاق بعضاً منهم، لكن بعد الحرب أصبحنا في ضرورة أكبر لهذه الكسارات.

وينوه م. الشيخ خليل، بأن البلدية ملزمة بتطبيق القرارات، لكن ما يقف عائقاً الوضع الذي سيصل إليه المواطنون وأصحاب الكسارات من خسائر مالية فادحة، وسيصل بهم إلى كارثة مادية ليس لها نهاية.

وفي تجربة سابقة يقول: "إن أصحاب الكسارات اشتكوا للمجلس التشريعي والحكم المحلي، لإيقاف الحملة ضدهم، لذلك لا يوجد قرار بإغلاقها رسمياً، رغم أن جميعها غير مرخصة بل فقط إلزامها بالشروط البيئية، والتي تأتي ضمن السلامة العامة للمواطن والمزارعين"، مشيراً إلى أن هناك إخطارات بإغلاق الكسارات إلا أننا لم نستطع إجبارهم على التنفيذ في بعض الأحيان، لكن التي تكون قيد الإنشاء ويأتي عليها شكاوى يتم إغلاقها فوراً.

خطط الوزارة تعرضت لمتغيرات

"دنيا الوطن" توجهت بدورها لوزارة الحكم المحلي لمناقشة الملف ومعرفة دورها في حل القضية، ويقول المهندس غسان الوحيدي نائب مدير عام اللجنة المركزية بالوزارة إن وزارته الجهة التنظيمية العليا في قطاع غزة، والمشرفة على البلديات والمخولة بإصدار أنظمة ولوائح لتنظيم الحرف والمشاريع المختلفة.

ويبين م. الوحيدي، أن جميع العمليات التي خططت لها مستقبلاً، تعرضت لمتغيرات كثيرة، منها مخطط اعتمد المنطقة الشرقية لمدينة غزة كمنطقة صناعية لمختلف البلديات، إلا أن تدمير تلك المناطق من جانب قوات الاحتلال إثر كل حرب يشنها على القطاع، أوصل بهم الحال إلى ما هو أصعب.

ويلفت، إلى أن وزارة الحكم المحلي أصدرت لوائح وشروطاً لمصانع البطون لتوجد داخل المدن كبديل عن المناطق الشرقية، كنوع من تخفيف الأزمة، إلا أن هناك فوضى في الاستعمال من قبل المواطنين، مشيراً إلى أن الحكم المحلي لا يستطيع تنفيذ مهام 25 بلدية، نظراً لمهمة البلديات في الرقابة على الالتزام باللوائح والقوانين والحفاظ على المواطنين، بما لا يوقع عليهم تبعات قانونية.