الباحث ابو كريم: ملامح السياسة الخارجية الأمريكية أصبحت واضحة

رام الله - دنيا الوطن - عبد الفتاح الغليظ
أكد الباحث السياسي منصور أبو كريم أن الضربة العسكرية لقاعدة الشعيرات السورية تؤكد علي جدية السلوك الأمريكي في التعامل مع الأزمات الدولية مشيرا ان سياسة الرئيس دونالد ترامب أصبحت تفترق يوماً بعد يوم عن سياسة سلفه الرئيس السابق باراك أوباما، خاصة فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط، والأزمة السورية والقضية الفلسطينية بالتحديد.

وقال ابو كريم في دراسة له بعنوان "دلالات القصف الأمريكي علي سورية والمستفيدون منه" أن فمنذ فوز ترامب بمنصب الرئيس الأمريكي، وطريقة اختيار فريقه المعاون؛ الذي غُلب عليه الطابع العسكري، بدأت مظاهر الاختلاف بالظهور بين الإدارة الأمريكية الجديدة والسابقة، فثمة العديد من الدلالات السياسية والعسكرية التي تؤكد هذه الفرضية، فعلى الرغم أن عملية صنع السياسة الخارجية الأمريكية تقوم على المؤسسات، وليس الأفراد، فإن شخصية الرئيس الأمريكي والفريق الرئاسي المعاون له في الإدارة؛ تؤثر بشكل كبير في تلك السياسة، سواء من حيث التدخل، أو الانعزال، أو من حيث آلياتها، ما بين استخدام الأدوات الصلبة، مثل القوة العسكرية، والعقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية، وبين الآليات الناعمة، مثل المساعدات، والاحتواء، والحوار، والدبلوماسية.

وأوضح أبو كريم أن الضربة العسكرية لقاعدة الشعيرات السورية لها دلالات سياسية وعسكرية كثيرة؛ لأنها من جهة تؤكد على جدية السلوك الأمريكي في التعامل مع الأزمات الدولية، ومن جهة أخرى سعى الرئيس ترامب للتأكيد أن الأقوال تقترن بالأفعال في سياسة إدارته خلافاً لسياسة أوباما التي هددت ولم تفعل شيئاً، فالقصف الأمريكي لقاعدة عسكرية سورية؛ عبر استهداف البحرية الأمريكية بصواريخ "توماهوك" و"كروز" قاعدة "الشعيرات" العسكرية قرب حمص وهي القاعدة التي انطلقت منها الغارة على مدينة خان شيخون قرب إدلب والتي يعتقد أن قوات النظام استخدمت الأسلحة الكيماوية خلالها؛ هو أولاً استعراض للقوة الأمريكية وتأكيد على عودة الدور الأمريكي الفعال والمؤثر في المنطقة، وأيضاً تأكيد على أن الرئيس الأمريكي والإدارة الجديدة لن تسمح لتجاوز الخطوط الحمراء، ومنها استخدام أسلحة الدمار الشامل، فهذا قد يعطي إشارة سلبية للدول المارقة مثل كوريا الشمالية لتجاوز الخطوط الحمراء.

وبين ان هناك دلالات سياسية عسكرية أخرى لا تقل أهمية، فقد حاولت الإدارة الأمريكية وحاول الرئيس ترامب عبر هذا القصف القوى؛ التأكيد على قدرته على التدخل العسكري السريع في الأزمات الدولية إذا تطلب الأمر ذلك، وأن السياسة الأمريكية في عهد ترامب مختلفة تماماً عن سياسة سلفه أوباما؛ فيما يتعلق بأزمات منطقة الشرق الأوسط، وخاصة الأزمة السورية، التي يحاول الرئيس ترامب التدخل فيها بقوة نظراً لتأثيرها على مجمل الأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة والعالم، لان توتر الأوضاع الأمنية في سورية سبب مباشر للهجرة غير الشرعية نحو أوروبا أمريكا. ومن جانب آخر يعتبر هذا القصف إنذار أخير لكل من النظام السوري وإيران بأن الولايات المتحدة جادة في التعامل مع الأزمة السورية، وأنها لن تسمح باستخدام أسلحة الدمار الشامل مرة أخرى.

أما حول الجهات المستفيدة من هذه العملية قال أبو كريم إن أكثر المستفيدين من هذا القصف هي المعارضة السورية بكل أطيافها السياسية والعسكرية؛ بالإضافة لتركيا التي فقدت أي قدرة على تغيير موقف الإدارة الأمريكية تجاه الرئيس السوري، فقد أعلنت أمريكا منذ أيام أن رحيل الأسد لم يعد ضمن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه سورية. وربما هذا الموقف هو من دفع الأسد ونظامه لارتكاب هذه الحماقة، في وقت تشهد فيه الأزمة السورية تطورات سياسية وميدانية، خاصة في جبهة الشمال المشتعلة بين الأكراد والأتراك، حول قلق تركيا من قيام كيان سياسي للأكراد في شمال سورية، يهدد الأمن القومي التركي. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الهجوم الكيميائي المفترض في سوريا، قد غير موقفه حيال الرئيس بشار الأسد، واعداً برد أمريكي على ما اعتبره "إهانة للإنسانية"، وهو ما حصل بالفعل، لذلك فإن الموقف الأمريكي الجديد سوف ينعكس بكل تأكيد على الأوضاع الميدانية على الأرض، وأيضاً سوف ينعكس على مفاوضات جنيف المتعثرة، وسوف يشكل ضغوط سياسية وميدانية على النظام السوري، ويعظم الدور الروسي في الأزمة.

بالإضافة للاستفادة المحدودة للتركيا من القصف الأمريكي للقاعدة العسكرية السورية، التي تأمل أن يكون بداية لتغيير كامل للموقف الأمريكي من الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه الحاكم، تظهر روسيا كمستفيدة من القصف الأمريكي، لأن القصف العسكري الأمريكي لسورية والرغبة الأمريكية على التدخل بهذه القوة وبهذه السرعة للرد على استخدام الأسلحة الكيماوية، يجعل من الدور الروسي كحامي للنظام السوري أكثر أهمية من ذي قبل؛ خاصة أن القصف استهدف قاعدة عسكرية وطائرات سورية، مما يقلل قدرة الجيش السوري على التحرك، ويضع القوات السورية تحت ضغط إضافي من عدة جهات أهمها الجهة الإسرائيلية التي كررت قصف القوات السورية أكثر من مرة، مما يقلل قدرة النظام الجيش السوري على المناورة السياسية والعسكرية، خاصة أن مفاوضات جنيف وصلت لطريق مسدود، مما يرجع فرضية الحل العسكري في هذا الوقت.

وأضاف أبو كريم أن ملامح السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب أصبحت واضحة بشكل جلي، وأن هذه السياسة تفترق يوم بعد يوم من سياسة سلفه أوباما التي انسحبت بشكل جزئي من المنطقة، سامحة للدور الروسي أن لعب دور محوري في كثير من قضايا المنطقة، الأمر الذي جعل القصف الأمريكي للقاعدة العسكرية السورية يحمل أكثر من رسالة لأكثر من طرف في نفس الوقت.