تطوير القضاء الفلسطيني يأتي من الداخل أم من الخارج؟

تطوير القضاء الفلسطيني يأتي من الداخل أم من الخارج؟
د. عمار الدويك

لا يختلف اثنان على أن القضاء الفلسطيني بحاجة إلى تطوير وإصلاح. هذه الحاجة باتت ملحة أكثر من أي وقت مضى في ظل  غياب المجلس التشريعي وتآكل الشرعية الدستورية لأغلب المؤسسات، فوجود قضاء حر ونزيه وفاعل يعطي استقرار للنظام السياسي (او ما تبقى من النظام السياسي) ويحافظ على السلم الأهلي، ويقيد السلطة التنفيذية بما يقدم حماية للمواطن في مواجهة أي تعسف.

جرت في السابق عدة محاولات ومبادرات لتطوير القضاء لكنها باءت بالفشل. مؤخرا، تداعت العديد من المؤسسات لمناقشة الموضوع. وتمت صياغة مسودة مبادرة حول تطوير الجهاز القضائي وقد شاركت شخصيا في صياغتها مع نقابة المحامين وممثلين عن المجتمع المدني. المبادرة (والتي ما زالت مسودة قابلة للتعديل والنقاش ولم تتبناها اية جهة رسميا) تحتوي على مجموعة من النقاط أهمها المطالبة بسحب مرسوم تشكيل المحكمة الدستورية، وقف التدخلات في القضاء، توسيع عضوية مجلس القضاء الأعلى ليشمل ممثلين عن المجتمع المدني ونقابة المحامين واكاديمين، وضع اسس حوكمة سليمة لعمل المجلس، تخفيض سن التقاعد في القضاء إلى 65 سنة من أجل ضخ دماء جديدة، وضع أسس ومعايير موضوعية وشفافة فيما يتعلق بالتعيينات والترقيات والنقل والندب في القضاء، تعزيز ومأسسة التفتيش القضائي بحيث تتولى هذه المهمة دائرة يضمن القانون استقلالها، واتخاذ إجراءات بحق من يظهر ضعف أدائه من القضاة ، وتعزيز القضاء الإداري وأن يكون على درجتين.

هذه التوصيات ليست جديدة فقد سبق لجهات عديدة ان تقدمت بمثلها وأكثر منها في مبادرات.  ففي سنة 2005 حيث كانت الارادة السياسية متوفرة بشكل كبير نسبيا لإصلاح القضاء، وكان المجلس التشريعي موجودا في تلك الفترة، قدمت لجنة توجيهية من شخصيات مشهود لها اقتراحات شبيهة بالتوصيات المشار إليها آنفا، وتبناها المجلس التشريعي وأصدرها في قانون السلطة القضائية رقم 5 لسنة 2005، لكن تم إفشال المبادرة حين قررت المحكمة العليا بصفتها الدستورية عدم دستورية هذا القانون واعتبرته كأن لم يكن، وأعادت العمل بقانون السلطة القضائية رقم 1 لسنة 2002، في خطوة اعتبرها المراقبون في حينه محاولة من القضاء منع عمل أي تعديل في شؤونه أو تدخل حتى من قبل المجلس التشريعي صاحب الاختصاص.

الان، وبعد أكثر من 11 سنة على طرح مبادرة 2005 يبدو حال القضاء ليس أفضل مما كان عليه في حينه، وقد ازدادت التدخلات في شؤونه بشكل أضر بسمعة الجهاز وثقة المواطنين به، وبالتالي الحاجة للتطوير أصبحت أكثر الحاحا.  لكن رفض القضاة، من خلال ما عبرت عنه جمعية نادي القضاة، لأي تعديل لقانون السلطة القضائية يعتبر أيضا مشروعا أكثر مما كان عليه في سنة 2005، خاصة ان الإرادة السياسية اليوم لم تعد كما كانت عليه في السابق، وفي ظل البيئة السياسية والتشريعية القائمة وآلية صناعة القرارات بقوانين التي تغيب عنها الشفافية، وبالتالي فإن هناك تخوف مشروع من أن قبول تعديل قانون السلطة القضائية بموجب قرار بقانون، قد يؤدي إلى اضعاف للقضاء وفتح المجال للمزيد من السيطرة عليه بدلا من تطويره.

وعليه وفي ظل معارضة السادة القضاة المساس بقانون السلطة القضائية في الوقت الحالي، وحتى لا يتم حصر موضوع إصلاح أو تطوير القضاء في قانون السلطة القضائية، فلنتجاوز موضوع القانون ونأجل النظر فيه إلى الوقت الذي يعود  فيه المجلس التشريعي إلى العمل، ولندعم موقف جمعية نادي القضاة الرافض لتعديل قانون السلطة القضائية.

لكن إذا كان التطوير من الخارج أمرا غير مقبول من قبل قطاع واسع من السادة القضاة، لاعتبارات نتفهمها، فإن القضاء مطالب بإتخاذ إجراءات داخلية ذاتية لتصحيح المسار وإعادة ثقة المواطنين به وإقفال الطريق على أية محاولات للتدخل بشؤونه تحت غطاء الإصلاح. فلا يكفي أن يعارض القضاة المساس بقانون السلطة القضائية دون أن يقدموا مبادرة لتطوير القضاء، وهناك العديد من المسائل التي يمكن عملها لزيادة ثقة المواطن بالقضاء وتطوير العمل به وتحصين القضاة من أية تدخلات أو انطباعات خاطئة قد تتشكل لدى المواطنين او المحامين، دون الحاجة إلى تعديل قانون السلطة القضائية. وفيما يلي مجموعة من المقترحات التي اقدمها لفتح نقاش هادئ وجاد حول الموضوع، وأدعو السادة في مجلس القضاء الأعلى ونادي القضاة إلى النظر فيها:

1.   زيادة عدد هيئات محكمة العدل العليا، ووضع آلية لتوزيع القضايا بين هذه الهيئات بشكل يضمن عدم المعرفة المسبقة من الهيئة التي ستنظر في الدعوى، وأن لا يتم تغيير هيئة المحكمة بعد مباشرة الدعوى تحت أي ذريعة

2.   تفعيل التفيش القضائي ورفده بمزيد من الكوادر القضائية وتعديل لائحة التفتيش القضائي (وهناك ورقة مفصلة مقدمة للمجلس حول تطوير التفتيش القضائي من برنامج الامم المتحدة الانمائي).

3.   وضع معايير واضحة وآلية تضمن النزاهة في توزيع القضايا على قضاة النقض، بما يضمن عدم تسبيق قضايا على حساب أخرى وعدم فتح مجال للقاضي لاختيار القضايا التي يود النظر فيها، وإنما يكون توزيعها وفق آلية تضمن عدم المعرفة المسبقة بمن سينظر في القضية من هيئات المحكمة.  

4.   أن تقوم دائرة التفتيش القضائي بمتابعة تطبيق مدونة سلوك القضاة، والنظر في الشكاوى المتعلقة بمدونة السلوك والبت في حالات تضارب المصالح المحتملة أو الملتبسة، وتنظيم موضوع تضارب المصالح في العمل القضائي بشكل أكثر تفصيلا من خلال افصاحات واجراءات أكثر متعلقة بهذا الموضوع، خصوصا مع كثرة ما يتناوله المحامون من اقاويل متعلقة بعمل ابناء القضاة في المحاماة ولوقف أية اشاعات او انطباعات خاطئة.

5.   وقف العمل بما يسمى التشكيلة القضائية حيث لا أساس لها في قانون السلطة القضائية، والتي باتت سيفا مسلطا على القضاة وتستخدم كأداة للعقوبة المبطنة لبعض القضاة، فضلا عن اضرارها بانتظام العمل القضائي والتأثير على القرارات.

6.   نشر جدول أعمال وقرارات مجلس القضاء الأعلى، مع الحفاظ  على سرية المداولات.

7.   وضع معايير واضحة لكل ما يتعلق بابتعاث القضاة والمشاركات الخارجية والدورات ولجان العمل الداخلية، وفق آلية شفافة تعزز ثقة القضاة أنفسهم بإجراءات الحوكمة الداخلية.

8.   بذل الجهود لحل المشاكل الداخلية بين السادة القضاة بعيدا عن الإعلام وداخل الجهاز القضائي ذاته دون استدعاء جهات من خارج القضاء، مع التأكيد على حق السادة القضاة في ممارسة حرية الرأي والتعبير.

إضافة إلى العديد من المسائل التي يمكن اجراؤها داخليا من قبل مجلس القضاء الأعلى وتبنيها دون الحاجة إلى تعديل القانون. فلو بادر القضاء إلى مراجعة شؤونه وتطويرها داخليا سوف يحصن نفسه من أية تدخلات، وعندها قد لا تكون هناك حاجة لتعديل قانون السلطة القضائية. وفي تقديري أن النظام السياسي الفلسطيني يسمح بقيام مؤسسات مستقلة، لكن على هذه المؤسسات أن تفرض احترامها واستقلالها على الاخرين وأن لا تسمح لهم بالتدخل بشؤونها أو ان تستدعي هذه التدخل نتيجة لخلافات شخصية داخلية، وهناك أمثلة إيجابية لدينا في فلسطين مثل لجنة الانتخابات المركزية والهيئة المستقلة لحقوق الانسان التي فرضت استقلالها وقبل النظام السياسي بذلك وتعايش معها.