غزة: المسرح الناعم ما بين جهود فرديّة وإقبال متزايد

غزة: المسرح الناعم ما بين جهود فرديّة وإقبال متزايد
المسرح الناعم في قطاع غزة
خاص دنيا الوطن- آلاء البرعي
يجتمعون في قاعة مركز سعيد المسحال الثقافي، وسط مدينة غزة، تحضيراً لعرضٍ جديد، شبابٌ وشابات في عُمر الزهور، يسيرون بخطى واثقة نحو أحلامهم، فلم يمنعهُم انقطاعُ التيارِ الكهربائي من ممارسةِ أدائهُم اليومي من التمارين المسرحيّة بأسلوبٍ يعكس حياتهم اليومية وواقعهم المُعاش، خلال ثلاثٍ ساعاتٍ متواصلة ممزوجة بالمرح والتوجيهات من المُخرج، للوصول لأداءٍ يُرضي الجمهور ويوصل الرسالة.

الشابة ورود النجيلي، إحدى الفتيات المُشاركات في فريق مسرح فلسطين، اكتشفت موهبتها في التمثيل المسرحي منذُ نعومة أظافرها، فكانت بداياتُها عبارة عن أدوارٍ تمثيلية على نطاق مدرستها الابتدائيّة، وضمن مُسابقات محلية على نطاق المُحافظة.

تقول الشابة العشرينيّة النجيلي لـ "دُنيا الوطن": "طورتُ موهبتي عبرَ مجموعة من الدورات التي أشرفَ عليها مسرح فلسطين، بالإضافة لأني درست تخصص الإعلام والاتصال الجماهيري، كوّنه يساهم في إبراز الموهبة وتطويرها في ظل غياب التخصصات المسرحيّة في جامعات قطاع غزة".

تشرح النجيلي، أن المسرح هو "شغف وروح" يُلازمُها في ظل النقد المُجتمعي الذي تتعرض له من بعض المُحيطينَ بها، ودعم الأسرة الذي لم يغِبْ منذ بداياتها الأولى، فكانت معظم أدوارها تتمثل في "شخصيّة نسويّة" تسعى للحصول على ميراثها تارة، وشخصيّة مُكافحة في مُجتمعٍ لم يمنحها كافة حقوقها تارةً أخرى.

تؤمن النجيلي كغيرها من فتيات مسرح فلسطين والبالغ عددهن 8 فتيات، بأهمية العروض المسرحيّة، التي تدور على الخشبة، فهي تقدم دروساً إضافية تسعى لتقديم المنفعة للجمهور، واكتشاف الخلل الإنساني فتشخص انكسـاراته وحرمانه وتمجد انتصـاراته وثوراته، لتبقى زاداً لا بد من تقديمه للجماهير، لما تتمتع به من آفاق رحبة للكشف عن المأساة الإنسانية التي يعيشها المواطن تحديداً في قطاع غزة.

أما الشابة هايدي أحمد (17 عاماً) فبدأت مشوارها عبر حزمة من التدريبات، قبلَ أربعة أشهر، لتتقمصَ بعدها دور "شاب مُتمرد" كأولِ دورٍ تمثيليّ تقوم بأدائه باحتراف عالٍ، جعلَ الجمهور يأخذُ عنها الانطباعَ الأول بصورةٍ إيجابيّة قوّية، لترى نفسها من خلال المسرح كما وصفتْ.

تقول أحمد لـ "دنيا الوطن": "الأدوار التي تقمصتها تعكس بالأساس الأحوال التي يعيشها معظم شباب القطاع، لتُجسد معاناتهم وحالتهم اليوميّة، إلى جانب الانتقادات اللاذعة ممن حولي، يبقى الدعم الأسري المحيط بي، أساسأً لاستكمال المشاركة في أدوار تمثيلية صغيرة، عبر قوالب ساخرة كوميديّة تحظى باهتمامٍ واسع لدى الجمهور وأكثرهُم من الجيل الشاب".

فيما عرفت فلسطين الفن المسرحي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، عبر عدة محاولات لها قيمتها التاريخية برزت وارتقت في مطلع القرن العشرين خصوصاً بعد الحرب العالمية الأولى، وقد استخدمت الفرق المسرحية في تلك الفترة "المقاهي"، والمدارس، وأندية الشباب لتقديم عروضها المسرحية، إلى جانب الفرق التي كانت تتجول في أنحاء فلسطين، وقد جاءت محاولات إنشاء مسرح فلسطيني واضح الرؤية في زمن الانتداب البريطاني في فلسطين وتحديداً عام 1918 واستمرت هذه المحاولات نشطة حتى نكبة 1948.

في ذات السياق، يقول المخرج الفلسطيني ورئيس مجلس إدارة مؤسسة ادريس الشبابي، إدريس طالب: "نحاول من خلال مسرح فلسطين، تجميع الطاقات الشبابيّة في مكان واحد، لتوحيد الجهود المبذولة لتؤتي ثمارها، لكن المسرح في قطاع غزة بشكل خاص يواجه مشكلة التحكُم في فترة التدريب وزمنها للفتيات، نظراً للعادات والتقاليد التي تنتقد بشدّة في بعض الأحيان، ظهور الفتيات في سلك التمثيل الكوميدي".

ونوّه طالب إلى أن الإقبال على المسرح، زادَ بصورةٍ واضحة مُقارنةً بالأعوام السابقة، فخلال سنة 2016 تم إنتاج أربعة عروض مسرحيّة وهي: (الخانكة، حبل غسيل، هولاكو، عريس الغفلة)، وكان آخرُها مسرحية "الصدمة" خلال العام الحالي، ومُجمل العروض تتناول قضايا مُجتمعيّة تتعلق بالمرأة الفلسطينيّة، كقضايا المُطالبة بالحصول على الميراث والحق في التعليم.

من جهته، أكّد المدير العام للفنون والتراث في وزارة الثقافة في غزة عاطف عسقول في تصريحات صحافيّة سابقة، أن السينما تلعب دوراً هاماً من ناحية تخفيف الضغط الّذي يتعرّض له المواطن في غزة، مشيراً إلى إنجازات قامت بها الوزارة لدعم الأفلام السينمائيّة، وإطلاق مهرجان "فلسطين الدوليّ السينمائيّ للأطفال" في عام 2013.

فيما يعاني المسرح الفلسطيني، عن غيره من المسارح العربية من عدم اهتمام المؤرخين والباحثين به، الاهتمام الكافي الذي يسلط عليه الأضواء ويساعد في رقيّه وتطوره، لأسباب قد يكون من أهمها ضعف الحركة المسرحية في فلسطين عموماً، وتعثر معظم التجارب الفردية وعدم تواصل التأليف المسرحي الفلسطيني، وقد ظلت الأحداث والثورات والانتداب ثم الاحتلال من أبرز العوامل التي أدت إلى ذلك، وأضاعت الكثير من الجهود في هذا المجال.