باحث أكاديمي: الحوار مع الغرب من خلال الترجمة لن يكون مجدياً ما لم يرتبط بقيمة التسامح والتعايش المشترك

رام الله - دنيا الوطن
افتتح مركز سلطان بن زايد للثقافة والاعلام موسمه الثقافي الجديد مساء أمس بمحاضرة حول " الترجمة وحوار الثقافات – استرتيجية تفعيل المهمش " ألقاها الدكتور ابراهيم أحمد ملحم الاستاذ بجامعة الامارات العربية لمادة اللغة العربية .

وأكدت المحاضرة التي حضرها سعادة / منصور سعيد عمهي المنصوري النائب الاول لسمو مدير المركز ولفيف من الأدباء والكتاب والطلبة والاعلاميين على أهمية الترجمة ، كونها العصب الحيوي القادر على إحداث التواصل الفعال بين الشعوب،
وإحداث التعارف بين الأمم إذا أحسن توظيفها في المساعدة على فهم الآخر .

وقال المحاضر أن القارئ في كل زمن، يدرك أن ما يُترجم إلى لغته يعد بشيء يضيف إلى السائد أو الراهن، وقد نجحت دور النشر العربية التي نشرت كتبًا مترجمة تخاطب الإنسان بأفكار معاصرة تتغلغل في صميم حياته اليومية، مثل: البرمجة العصبية، وإيقاظ الحواس الداخلية، وفن التعامل مع الناس، والمذاكرة الفعالة.. فحققت مبيعاتٍ كبيرة، اكتسحت غيرها من الكتب التي بقيت كاسدة؛ لأنها بتقصُّدها غير ما يخاطب الإنسان، أرادت أن تكون كاسدة.

وأشار الى ان التقارير الإعلامية التي ترصد انطباعات المثقفين العرب، بعد انعقاد كل معرض من معارض الكتب الدولية في الوطن العربي، تنصب الى شكوى الناشرين من تدني شراء الكتب الأكاديمية، مقارنة مع نسبة مبيعات مرتفعة لقصص الأطفال المقروءة والمحوسبة، وكتب الطبخ، والأبراج.. مما يؤكد أن أن الكتاب يعيش أزمة تدل على جهل القارئ المعاصر، وأن الكتاب الإلكتروني بات منافسًا للكتاب الورقي.

ورأى أن التحول عن الشعر في القديم كان بسبب تحول الثقافة، والتحول عن الكتاب الراهن هو، أيضًا، بسبب تحول الثقافة؛ فالشعر المقترن بالبطولة حينما انهار أمام ذلك التحول، حيث أصبحت معظم الكتب الأكاديمية غير قادرة على ممارسة
جاذبيتها له؛ بسبب دخول "العولمة" إلى حياتنا الأمر الذي أعاد تشكيل ثقافتنا الجماهيرية، فأصبح الكتاب الذي يجتذب القارئ لشرائه ينبغي أن يحظى بمواصفات، أهمها: القدرة على حل مشكلاتِ الإنسان المعاصر الذي يواجه تحديات متسارعة: سواء أكانت صغيرة أم كبيرة، والقدرة على عبور الجسر المشترك بين الذات والآخر: قضايا الإنسان أينما وُجد.

وأضاف أن ما نريده من الكتب المترجمة أن تكون قادرة على مخاطبة الإنسان أكثر مما هي قادرة على تقديم معرفة جزئية تخصصية؛ لأن القارئ العربي يريد التواصل مع الآخر دون إرباك اوتعقيد في هذا التواصل. مؤكدا أن إغراق أسواقنا بالكتب
المترجمة، واكتظاظ دورياتنا بالمقالات المترجمة، ودعواتنا بصوت عالٍ في المؤتمرات للتواصل مع الآخر عبر الترجمة.. ستؤتي أكلها ولكن بصورة سلبية.

وعزا أسباب تلك الصورة السلبية إلى أن تعزيز الحوار من طرف واحد سيبقى عُرضة للتغير؛ لأن مستوى المقارنة بين الترجمة التي تصل إلينا، والترجمة التي تصل إلى الآخر ما زالت هزيلة جدًّا، إضافة إلى أن تفوق الآخر وإنجازاته المادية
والمعنويه والتي باعدت بينه وبين محاوره جعل ، كان دليل على ظهور اتجاهات تنحاز إلى صف التراث وحده، بوصف هذا الانحياز رد فعل على ما يجري. كما أن غياب التنسيق بين المترجمين العرب، بسبب غياب قاعدة ببليوغرافية تتولاها جهة
رسمية تكون متاحة على الإنترنت، سيؤدي إلى جهود تكرر نفسها، بمعنى: وجود كتب مترجمة متعددة لكتاب واحد، وفوضى في المصطلحات.

وأشار الدكتور ملحم إلى ان حركة الترجمة من العربية إلى الإنجليزية نشطت في البداية وانحصرت بالمستشرقين، للتعرفَ على ثقافة الأمة التي جعلت السلطة العثمانية تتهاوى بعد حقبة زمنية لا يُستهان بطولها. وقد اتجهت مقاصدهم في اتجاهات مختلفة، منها: تحقيق المخطوطات، وترجمة معظم ما تم تحقيقه، مؤكدا أن عدم الفصل ما بين الواقعي والمتخيل أورثنا مشكلات ليس من السهل استئصالها من ثقافة الآخر؛ مستدلا على ذلك بترجمة "ألف ليلة وليلة" التي صورت الرجل العربي هائماً على المرأة، سالبًا لحريتها.. لا هم له سوى إشباع نزواته، واستغلال
السلطة الموكولة إليه لسفك الدماء. الأمر ذاته بجعل دواوين شعراء ماجنين بينيدي القارئ الغربي بوصفها نموذجًا للنتاج الإبداعي العربي، كشعر أبي نواس وغيره .

ولفت إلى أن الترجمة إلى العربية ليست الطريق الوحيدة إلى حوار الثقافات مؤكدا على الحاجة الى تحقيق توازن بين ما يُترجم إلى العربية، وما يترجم إلىالإنجليزية.وإحداث تغيير حقيقي في أساليب تدريسنا العام التي تؤدي إلى تأسيس رؤية أحادية غير قادرة على الحوار، وغير قادرة على استيعاب الاختلاف، والتنوع
والتعدد.

وأكد في حوصلةٍ شاملةٍ لمحاضرته على أن إستراتيجية الحوار مع الغرب بالاعتماد على الترجمة لا يمكن أن تكون على قدر كبير من الفعالية، ما لم ترتبط بالايمان بقيمة التسامح في ظل التعايش المشترك، واحترام الآخر حتى نحظى باحترامه، وأن
السبيل إلى حوار الثقافات يكون بالترجمة؛ لمعرفة ما لدينا، وما لدى الآخر.داعيا إلى تطوير أساليب التدريس لتقبل تنوعاتنا واختلافاتنا، فنتقارب، دون إلغاء الآخر المختلف أو المتنوع. والعمل على وضع قواعد بيانات ببليوغرفية عما أُلف باللغة العربية أو ترجم إليها.

في ختام المحاضرة التي ادارتها ريما مروة المترجمة بقسم الشؤون الثقافية بالمركز جرى حوار مع الحضور حول اهمية الترجمة والمشكلات المطروحة في هذه العملية ، وأهمية تكثيفها لتكون جسرا ثقافيا مهما ، وعقب ذلك كرم سعادة /منصور سعيد عمهي المنصوري النائب الاول لسمو مدير المركز، الدكتور ابراهيم أحمد ملحم وقدم له الدرع التذكاري للمركز .