غزة: قراءة الفنجان.. خزعبلات لها زبائن
خاص دنيا الوطن
في بيت لا يفي بأدنى متطلبات الحياة، وفي غرفة تأكلها الفوضى، جلست قارئة الفنجان سمراء اللون في العقد الثالث من العمر، تنظر طويلاً إلى فنجان القهوة، الذي رشفته للتو إحدى الزبونات التي حضرت لها من مكان بعيد؛ كي تقرأ لها الفنجان الذي قلبته بعد أن حركته يميناً ويسارأً.
"اسمعي" هكذا بدأت القارئة حديثها بعد تنهيدة طويلة قد أقلقت صاحبة الفنجان مسترسلة بقولها: "فنجانك كويس، عندك طرق مفتوحة كتير لكن بختك مايل..مايل..مايل. رح تسمعي كلام يزعلك لأنه في ناس مش راحمينك رغم إنك بعيدة عنهم، في كلام وحكي وفي اجتماع صاير عند أهل زوجك عشان يحرضوا زوجك ع طلاقك، حبيبتي.. في رزقة جايالك ووضعك رح يتحسن، قلبك مليان جدران هموم".
يتغير وجه الزبونة التي لم تأتِ لسماع هذه الأخبار، بعد أن كانت في غاية اللهفة لسماع أخبار جيدة، خاصة فيما يتعلق بضرتها، لكن الرياح لم تأت بما اشتهت به السفن، بل تحولت الجلسة إلى آفاق جديدة من الهموم حين أردفت القارئة بالقول: "في وراكي حية (أنثى الثعبان) وهاي ديري بالك منها لأنها بتقلب الكل ضدك، وهي عالأغلب ضرتك، بتقلب راس زوجك ليطلقك لكن زوجك غلبان وما رح يطلقك".
ما هو سر هذه الطقوس؟ وما علاقة القهوة بالقدر؟ وهل الأمر له جذور نفسية وكيف يري الدين هذا الجانب الروحاني؟ ومن هي الفئة الأكثر توجهاً لهذا العالم؟
تقول القارئة: "موهبتي في قراءة الفنجان هي بركة من الله فأنا أقرأ الفنجان منذ كنت 12 عاماً وهي سلالة لدينا فأمي كانت تقرأ وأخوالي كذلك، لكنني صراحة لا أقرؤه بالعلن بل متخفية فأنا أخشى هذا الأمر أن يضرني".
وفي ردها عما إذا كانت القصة مجرد خزعبلات، تجيب، "الله خلق الجن والإنس، لا هي ليست خزعبلات وما أقوله صادق بنسبة 99% لأنه يحدث، الأمر بالنسبة لي هو باب من الرزق فمنه أصرف على بيتي وعلى ابني المريض ولكن بشكل مخفي للناس المقربة مني وبعض الصديقات".
أسعار وتخفيضات للزبائن
"أنا أقرأ الفنجان مقابل عشرة شواقل، وأحيانا مقابل خمس شواقل يعني على حسب الحالة، فمن يستطيع دفع عشرة شواقل فليكن، ومن لا يستطيع أكتفي منه بالنصف" على حد قولها.
كيف تتم القراءة؟
حول كيفية القراءة وطقوسها، تقول القارئة: "بعد قلب الفنجان أرى كل شيء في حياة صاحبة الفنجان وأرى ما سيحدث والله أعلم فأنا لا أخترق الغيب، أنا أرى القدر مكتوب على حواف الفنجان على شكل رسوم معينة فما أراه أنا لا يراه الإنسان العادي، والنفس الذي يخرج من شارب الفنجان يشبه إلى حد كبير البصمة التي لا يشترك بها اثنان، الكتابات التي أراها في الفنجان هي عبارة عن قدر الشخص وواقعه الذي يعيشه، معي بركة من الله هي التي تقرأ وتخبرني بكل شيء".
وتضيف، "أنا أصلي وما لدي لا يتعارض مع الدين فأنا فقط أقول ما أرى وهي هبة من الله، من لا يحب شرب القهوة أقرأ له الكف، لكن يبقى الفنجان أوضح وأدق لأن معلوماته أكثر، أستطيع قراءة الزواج والعمر والرزق والسعادة وطرق الحياة التي سيسير فيها الشخص".
الزبونة..لها ضرة
أما الزبونة (29 عاماً متزوجة وعلى خلاف مع زوجها كونه متزوجاً من أخرى) التي كانت لا تملك سوى هز رأسها بعد كل كلمة بل "لكمة" من كلام القارئة فتقول: "أنا أعرفها منذ سنة عن طريق صديقة ونحن نساعدها مالياً بأن نحضر لها من تقرأ لهن الفنجان فتحصل على قوت يومها، كلما نويت أمراً ما أتصل عليها للاستشارة وفعلاً تخبرني بما ترآه سواء أكان خيرأً أو شراً وما تقوله لي يحدث بنسبة 99% ولذلك أنا أثق بها وبكلامها".
وتضيف, "هذا علم محض وأنا من واقع تجربتي معها أصدق كل ما تقوله لأنه يحدث معي وما معها هو هبة من الله وفي المغرب يدرسون هذا العلم دراسة".
يذكر، أن القارئة أم لثلاثة أطفال أحدهم يعاني من متلازمة داون، وهي تعيل أسرة فقيرة جداً وتعتاش على معونات الشؤون الاجتماعية، الأمر الذي يلقي بظلاله حول الأمر برمته، فقد لا يكون الأمر أكثر من مهنة ولكن مغلفة بفضول علم المجهول لدى البعض.
أسباب اجتماعية
الأستاذ محمد حلس، أخصائي اجتماعي من المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات، يتحدث عن الأسباب النفسية والاجتماعية التي تدفع الكثير نحو هذا الطريق بقوله: "لجوء الناس إلى مثل هؤلاء العرافين هو بسبب المجهول الذين يسيطر على حياتهم واعتقادهم بأن المنجم شخص يستطيع كشف هذا المجهول، وبالتالي هم يتعلقون ولو بكلمة لتريح أعصابهم وتحدد لهم مستقبل حالهم وإلى أين مصيرهم".
وبحسب رأيه فإن "كثرة تردد المرأة على المشعوذين تعود لأنها الأكثر تصديقاً للشائعات من الرجل، فهي تبحث عن التخلص من مشكلاتها الاجتماعية والنظر للمستقبل المجهول فهي تميل للبوح بما في داخلها أكثر من الرجل ولديها ما يكفي من وقت الفراغ لتشغل تفكيرها بتلك الخرافات التي تعتقد أنها قد تغير مسار حياتها للأفضل، فهي تبحث عن الحلول السريعة للتخفيف من حالة الاحتقان النفسي لديها، فهي تريد أي شيء من أي أحد حتّى ترتاح".
ويضيف، "ما يحصل للسيدات من اللّجوء إلى الغيبيات للمواجهة هو هروب لا إرادي من الواقع لذلك فإننا نصنف هذا النوع بأنهم ذوات سمات شخصية ضعيفة لاتقوى على إيجاد الحلول الواقعية مما يدفعهن لطرق أبواب العرافين".
ماذا يقول الشرع؟
أما الشرع، فلا يرى في الأمر سوى خزعبلات بقوله على لسان الدكتور ماهر السوسي، الأستاذ المشارك بكلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية: "قراءة الفنجان هي نوع من أنواع الشرك بالله عز وجل، وذلك لأن قارئ الفنجان يدعي معرفة الغيب بينما لا يعلم الغيب الا الله سبحانه وتعالى، وهذه القراءة هي نوع من الدجل والاستخفاف بعقول الناس".
"الإسلام يحترم الطاقة العقلية للإنسان ويوجهها، كما أنه يوجه الإنسان لمعالجة واقعه وعدم الهروب منه نحو السحرة والعرافين، فمن صدق هذه الأمور فهو كافر بالله حتى وإن كان الأمر من باب التسالي أو التلاهي فهي معصية ولا يجوز للإنسان أن يسلي نفسه بما حرم الله تعالى" على حد قوله.
ويضيف, "السبب وراء شيوع هذه الأمور هو تراجع الوازع الديني والجهل بالحكم الشرعي لها"، مطالباً الجهات المختصة بالضرب بيد من حديد على هذه الفئة من المجتمع من أجل الحد من نشاطاتهم، معبرأ عن رأيه بالقول: "هناك محاولات ضدهم ولكنها برأيي غير كافية".
وفي النهاية، هل نحن كما يقول نزار قباني: "ﻧﺤﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﻌﺐ ﺍﻟﻤﺜﻘﻒ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﺴﺢ ﺍﻟﺰﺟﺎﺝ ﺑﺎﻟﺠﺮﺍﺋﺪ، ﻭﻳﻘﺮﺃ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻨﺠﺎﻥ؟".
في بيت لا يفي بأدنى متطلبات الحياة، وفي غرفة تأكلها الفوضى، جلست قارئة الفنجان سمراء اللون في العقد الثالث من العمر، تنظر طويلاً إلى فنجان القهوة، الذي رشفته للتو إحدى الزبونات التي حضرت لها من مكان بعيد؛ كي تقرأ لها الفنجان الذي قلبته بعد أن حركته يميناً ويسارأً.
"اسمعي" هكذا بدأت القارئة حديثها بعد تنهيدة طويلة قد أقلقت صاحبة الفنجان مسترسلة بقولها: "فنجانك كويس، عندك طرق مفتوحة كتير لكن بختك مايل..مايل..مايل. رح تسمعي كلام يزعلك لأنه في ناس مش راحمينك رغم إنك بعيدة عنهم، في كلام وحكي وفي اجتماع صاير عند أهل زوجك عشان يحرضوا زوجك ع طلاقك، حبيبتي.. في رزقة جايالك ووضعك رح يتحسن، قلبك مليان جدران هموم".
يتغير وجه الزبونة التي لم تأتِ لسماع هذه الأخبار، بعد أن كانت في غاية اللهفة لسماع أخبار جيدة، خاصة فيما يتعلق بضرتها، لكن الرياح لم تأت بما اشتهت به السفن، بل تحولت الجلسة إلى آفاق جديدة من الهموم حين أردفت القارئة بالقول: "في وراكي حية (أنثى الثعبان) وهاي ديري بالك منها لأنها بتقلب الكل ضدك، وهي عالأغلب ضرتك، بتقلب راس زوجك ليطلقك لكن زوجك غلبان وما رح يطلقك".
ما هو سر هذه الطقوس؟ وما علاقة القهوة بالقدر؟ وهل الأمر له جذور نفسية وكيف يري الدين هذا الجانب الروحاني؟ ومن هي الفئة الأكثر توجهاً لهذا العالم؟
تقول القارئة: "موهبتي في قراءة الفنجان هي بركة من الله فأنا أقرأ الفنجان منذ كنت 12 عاماً وهي سلالة لدينا فأمي كانت تقرأ وأخوالي كذلك، لكنني صراحة لا أقرؤه بالعلن بل متخفية فأنا أخشى هذا الأمر أن يضرني".
وفي ردها عما إذا كانت القصة مجرد خزعبلات، تجيب، "الله خلق الجن والإنس، لا هي ليست خزعبلات وما أقوله صادق بنسبة 99% لأنه يحدث، الأمر بالنسبة لي هو باب من الرزق فمنه أصرف على بيتي وعلى ابني المريض ولكن بشكل مخفي للناس المقربة مني وبعض الصديقات".
أسعار وتخفيضات للزبائن
"أنا أقرأ الفنجان مقابل عشرة شواقل، وأحيانا مقابل خمس شواقل يعني على حسب الحالة، فمن يستطيع دفع عشرة شواقل فليكن، ومن لا يستطيع أكتفي منه بالنصف" على حد قولها.
كيف تتم القراءة؟
حول كيفية القراءة وطقوسها، تقول القارئة: "بعد قلب الفنجان أرى كل شيء في حياة صاحبة الفنجان وأرى ما سيحدث والله أعلم فأنا لا أخترق الغيب، أنا أرى القدر مكتوب على حواف الفنجان على شكل رسوم معينة فما أراه أنا لا يراه الإنسان العادي، والنفس الذي يخرج من شارب الفنجان يشبه إلى حد كبير البصمة التي لا يشترك بها اثنان، الكتابات التي أراها في الفنجان هي عبارة عن قدر الشخص وواقعه الذي يعيشه، معي بركة من الله هي التي تقرأ وتخبرني بكل شيء".
وتضيف، "أنا أصلي وما لدي لا يتعارض مع الدين فأنا فقط أقول ما أرى وهي هبة من الله، من لا يحب شرب القهوة أقرأ له الكف، لكن يبقى الفنجان أوضح وأدق لأن معلوماته أكثر، أستطيع قراءة الزواج والعمر والرزق والسعادة وطرق الحياة التي سيسير فيها الشخص".
الزبونة..لها ضرة
أما الزبونة (29 عاماً متزوجة وعلى خلاف مع زوجها كونه متزوجاً من أخرى) التي كانت لا تملك سوى هز رأسها بعد كل كلمة بل "لكمة" من كلام القارئة فتقول: "أنا أعرفها منذ سنة عن طريق صديقة ونحن نساعدها مالياً بأن نحضر لها من تقرأ لهن الفنجان فتحصل على قوت يومها، كلما نويت أمراً ما أتصل عليها للاستشارة وفعلاً تخبرني بما ترآه سواء أكان خيرأً أو شراً وما تقوله لي يحدث بنسبة 99% ولذلك أنا أثق بها وبكلامها".
وتضيف, "هذا علم محض وأنا من واقع تجربتي معها أصدق كل ما تقوله لأنه يحدث معي وما معها هو هبة من الله وفي المغرب يدرسون هذا العلم دراسة".
يذكر، أن القارئة أم لثلاثة أطفال أحدهم يعاني من متلازمة داون، وهي تعيل أسرة فقيرة جداً وتعتاش على معونات الشؤون الاجتماعية، الأمر الذي يلقي بظلاله حول الأمر برمته، فقد لا يكون الأمر أكثر من مهنة ولكن مغلفة بفضول علم المجهول لدى البعض.
أسباب اجتماعية
الأستاذ محمد حلس، أخصائي اجتماعي من المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات، يتحدث عن الأسباب النفسية والاجتماعية التي تدفع الكثير نحو هذا الطريق بقوله: "لجوء الناس إلى مثل هؤلاء العرافين هو بسبب المجهول الذين يسيطر على حياتهم واعتقادهم بأن المنجم شخص يستطيع كشف هذا المجهول، وبالتالي هم يتعلقون ولو بكلمة لتريح أعصابهم وتحدد لهم مستقبل حالهم وإلى أين مصيرهم".
وبحسب رأيه فإن "كثرة تردد المرأة على المشعوذين تعود لأنها الأكثر تصديقاً للشائعات من الرجل، فهي تبحث عن التخلص من مشكلاتها الاجتماعية والنظر للمستقبل المجهول فهي تميل للبوح بما في داخلها أكثر من الرجل ولديها ما يكفي من وقت الفراغ لتشغل تفكيرها بتلك الخرافات التي تعتقد أنها قد تغير مسار حياتها للأفضل، فهي تبحث عن الحلول السريعة للتخفيف من حالة الاحتقان النفسي لديها، فهي تريد أي شيء من أي أحد حتّى ترتاح".
ويضيف، "ما يحصل للسيدات من اللّجوء إلى الغيبيات للمواجهة هو هروب لا إرادي من الواقع لذلك فإننا نصنف هذا النوع بأنهم ذوات سمات شخصية ضعيفة لاتقوى على إيجاد الحلول الواقعية مما يدفعهن لطرق أبواب العرافين".
ماذا يقول الشرع؟
أما الشرع، فلا يرى في الأمر سوى خزعبلات بقوله على لسان الدكتور ماهر السوسي، الأستاذ المشارك بكلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية: "قراءة الفنجان هي نوع من أنواع الشرك بالله عز وجل، وذلك لأن قارئ الفنجان يدعي معرفة الغيب بينما لا يعلم الغيب الا الله سبحانه وتعالى، وهذه القراءة هي نوع من الدجل والاستخفاف بعقول الناس".
"الإسلام يحترم الطاقة العقلية للإنسان ويوجهها، كما أنه يوجه الإنسان لمعالجة واقعه وعدم الهروب منه نحو السحرة والعرافين، فمن صدق هذه الأمور فهو كافر بالله حتى وإن كان الأمر من باب التسالي أو التلاهي فهي معصية ولا يجوز للإنسان أن يسلي نفسه بما حرم الله تعالى" على حد قوله.
ويضيف, "السبب وراء شيوع هذه الأمور هو تراجع الوازع الديني والجهل بالحكم الشرعي لها"، مطالباً الجهات المختصة بالضرب بيد من حديد على هذه الفئة من المجتمع من أجل الحد من نشاطاتهم، معبرأ عن رأيه بالقول: "هناك محاولات ضدهم ولكنها برأيي غير كافية".
وفي النهاية، هل نحن كما يقول نزار قباني: "ﻧﺤﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﻌﺐ ﺍﻟﻤﺜﻘﻒ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﺴﺢ ﺍﻟﺰﺟﺎﺝ ﺑﺎﻟﺠﺮﺍﺋﺪ، ﻭﻳﻘﺮﺃ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﻨﺠﺎﻥ؟".
