70عاما بلا وطن / الشتات الرابع – أمريكا
قيس مراد قدري
لا يخامرني شك أن الملايين من بني البشر يحلمون بالوصول والعيش في الولايات المتحدة الأمريكية ؛ كيف لا وقد قدمت للانسانية ما لم تقدمه أية دولة أخرى على وجه البسيطة وان كان ذلك على حساب الشعوب الأخرى بالترغيب أحيانا وبالترهيب في أغلب الأحيان .
الشعب الأمريكي في مجمله شعب طيب وبسيط وسواده الأعظم ساذج وضحل المعلومات العامة . العمل هو معياره الأول ولا يعنيه حتى ما يدور في الولايات الأخرى .
أول ما حطت رحالي كانت في ولاية تكساس ؛ واذا ما استثنينا شراء ولاية آلاسكا من روسيا القيصيرية بمبلغ 7.2 مليون دولار العام 1876 فان تكساس هي الأكبر مساحة بين كل الولايات . وفيها أكبر تجمع للأثرياء ؛ أما السكان فيعتبرون محافظين قياسا بالولايات الشمالية ولهم لهجة خاصة في الحديث باللغة الانجليزية يحتاج المرء الى بعض الوقت لتعلمها .
عدد كبير من المكسيكيين يمكن تمييز وجودهم في شوارع تكساس بحكم القرب الجغرافي ؛ وشريحة لا يستهان بها منهم يقيمون بطريقة غير شرعية و يشكلون التحدي الأكبر لسلطات دائرة الهجرة التي تقوم بترحيل اللآف منهم واعادتهم الى موطنهم الأصلي ؛ لكن سرعان ما كانوا يعودون . أهل تكساس يسمونهم (أصحاب الظهر المبلول ) اشارة الى عبورهم المياه للوصول الى أمريكا . أحد هؤلاء كان يقطن بالقرب مني جاءني يوما طالبا استعمال الهاتف ؛ اتصل بدائرة الهجرة وبلغ عن نفسه ؛ قلت له : أنت مجنون ؛ كيف تخبر عن نفسك ؟ رد ضاحكا : أسافر بالطائرة على حسابهم لزيارة أهلي وأعود بعد اسبوعين . وقد فعل .
في أقل من عام واحد على وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية وقع حادثان كبيران هزا المجتمع الأمريكي برمته . ففي مطلع شهر أبريل من العام 1968 وفي مدينة ممفيس في ولاية تنسي ؛ وقعت جريمة اغتيال داعية السلام القس مارتن لوثر كينغ الذي كان يطالب بالمساواة بين البيض والسود ؛ اثر ذلك عمت المظاهرات في العديد من المدن الأمريكية خصوصا في في مدينة شيكاغو والعاصمة واشنطن وانتشرت الحرائق في كل مكان واستدعيت القوات الفدرالية للسيطرة على الموقف وقد اضطر الرئيس ليندون جونسون في حينها للتوقيع على قانون المساواة بين كل مكونات الشعب الأمريكي .
في نفس العام جرى اغتيال مرشح الرئاسة عن الحزب الديمقراطي روبرت كنيدي من قبل شاب فلسطيني يدعى سرحان سرحان لفقت له تهمة القيام بفعلته هذه دفاعا عن القضية الفلسطينية ؛ علما أني لا أذكر أنه تطرق لقضية فلسطين في حملته الانتخابية لكنه كان مدافعا عن حقوق المهمشين في المجتمع الأمريكي وعن العمال ما جعله في مواجهة مع أرباب العمل ومع الكثيرين من الترويقة السياسية وخاصة مع المتنفذ الكبير رئيس مكتب التحقيقات الفدرالي جاي ادغر هوفر الذي كان يناصبه العداء علنا ويتنصت على كل مكالماته الشخصية.
روبرت كنيدي هو الشقيق الأصغر للرئيس جون كنيدي الذي اغتيل أثناء زيارته لمدينة دالاس في ولاية تكساس عام 1963 وقيل وقتها أن المنفذ هو شيوعي يدعى لي هارفي أوزولد والذي اغتيل أيضا قبل الادلاء بشهادته على يد رجل المافيا اليهودي جاك روبي الذي انتحر بعدها فورا . ملابسات اغتيال الرئيس كنيدي رغم مرور كل تلك السنين مازالت مجهولة الدوافع والجهات التي كانت خلفها.
عملت في أماكن كثيرة لتوفير المال من أجل العيش وتسديد أقساط الجامعة . في تكساس كان الحد الأدنى للأجور هو دولار وربع في الساعة ( اليوم حسب آخر ما اطلعت عليه هو 14 دولار) . في احدى العطل الصيفية سافرت وبعض الأصدقاء الى شيكاغو حيث الحد الأدنى كان ثلاثة دولارات وسبعون سنتا ؛ وهناك أقمنا في حي سيسرو الذي ماتزال بصمات آل كابون ( المافيا الايطالية ) ماثلة على الحي . ولا تتم زيارة شيكاغو دون المرور على مقهى أبو عقاب في شارع كاليفورنيا حيث يلتقي كبار السن من الرعيل الأول من الفلسطينيين للعب الورق والطاولة ؛ وبينهم من جاء الى أمريكا عام 1936 وعملوا تجار شنطة وكل ما تغير في مظهرهم الخارجي أنهم استبدلوا الحطة والعقال بشابو (برنيطة الخواجات) ويتكلمون الانجليزية بلهجة فلسطينية توحي أنهم اما مقدسيين أو من البلدات المحيطة بها.
في أواخر الستينات ومطلع السبعينات كانت الولايات المتحدة الأمريكية منهمكة في حربها في فيتنام وبدأت الأصوات الطلابية المناهضة للحرب تتعالى في الجامعات وقد تزامن هذا مع صعود الحركة الهبية التي كان شعارها الأساس هو أن "الانسان خلق حرا وعليه أن يعيش كذلك " . ... لكن الفهم الخاطيء لهذه الحركة أدى الى حرفها عن مسارها وأصبح تناول المخدرات والتعري الأكثر بروزا وهو ما عجل في سرعة انحسارها.
بعد دراسة الكيمياء لأكثر من عامين اقنعني أحد اساتذتي الذي ربطتني به علاقة صداقة خارج الحرم الجامعي بالتحول الى التخصص بالعلاقات الدولية والتسويق اذ قال " أنا لا اتخيلك واقفا في مختبر مرتديا مريولا أبيض لأن لديك مواهب في مجال آخر " هو كان محقا ؛ وأنا انصعت لرؤيته وان كنت في حياتي العملية لم أستفد سوى من شق العلاقات الدولية الذي تعلمته .
مع بداية أحداث ما يسمى أيلول الأسود عام 1970 والصراع بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الأردنية اشتد ضغط جهاز الاتحاد الفيدرالي على الطلبة وأنا واحد منهم ؛ وكثيرا ما كنت أعود الى منزلي لأجد الأثاث مقلوبا رأسا على عقب كمن يبحث عن شيء ما في عجل . هذا الأمر زادت وتيرته خلال السنوات القليلة التي تلت ذلك ؛ ما اضطرني الى مغادرة تكساس قاصدا العاصمة واشنطن.
العاصمة كانت ساحة هامة للعمل من أجل القضية الفلسطينية ولعل وجود شخص مثل الراحل الدكتور حاتم الحسيني ممثل للجامعة العربية ومساعده سعيد حمد الصديق والسفير (لاحقا ) أكبر الأثر في تنظيم الجالية الفلسطينية .
أكثر ما أعتز به هو التعرف على الشاعر الكبير الرا حل راشد حسين صاحب ديوان " الصواريخ " والذي لم أصادف أحدا في حياتي بمثل شراهته في التدخين ؛ وقد أخبرني ذات مرة أن الاسرائليين كانوا يعرفون مدى تعلقه بالتدخين وكلما زجوه في السجن كانوا يعطونه ( خرطوشة سجائر ) ويجردونه من أي شيء قابل للاشتعال ؛ مد قدمه نحوي وقال : تحسس ثنية سروالي !!! كانت الثنية مليئة بأعواد الكبريت . راشد للأسف مات حرقا في شقته في نيويورك .
في أواخر العام 1973 التقيت أول مرة بشاعرنا محمود درويش حيث كان يتردد كثيرا على العاصمة الأمريكية قبيل اقترانه بالسيدة رنا قباني ابنة سفير سوريا وشقيق الشاعر نزار قباني وفي أكثر من مناسبة فاتحته برغبتي في الالتحاق بمنظمة التحرير في بيروت . كان رأيه على الدوام أن بقائي في أمريكا يخدم القضية أكثر منها في لبنان لكني كنت مصرا على عيش التجربة من داخل المنظمة وليس من خارجها وعن بعد .
في عام 1976 سقط مخيم تل الزعتر وهو ما حملني على التصميم على السفر الى لبنان ؛ ووقتها كان هناك خياران : اما السفر عن طريق العراق أو عن طريق ليبيا . اخترت العراق وساعدني في تأمين جواز سفر غير جواز سفري المزور سفير العراق أنذاك السيد محمد الأمين وهو فلسطيني الأصل .
في رحلتي نحو الشتات الخامس لم يكن لدي سوى اسم شخص واحد هو السيد قاسم السماوي ؛ وحتى وصولي الى بغداد كان هذا الانسان مجرد اسم لم أعرف محله من الاعراب سوى أنه الوحيد المخول بايصالي الى لبنان ؛ تبين لي لاحقا أنه من الشخصيات السياسية الهامة والوازنة في العراق وله حكاية خاصة سأرويها فيما بعد .
قبل أن أختم حديثي عن أمريكا لا بد من تذكر بعض الشخصيات التي عرفتها وتأثرت بها ممن لعبوا دورا مؤثرا على الساحة الأمريكية من أجل القضية الفلسطينية:
الدكتور سامي هداوي : (القدس) سياسي وباحث ورئيس مركز الدراسات الفلسطينية . ألف العديد من الكتب وله دراسات قيمة حول الأراضي الفلسطينية ما قبل عام النكبة . عمل مديرا لمكتب الجامعة العربية في مدينة دالاس بولاية تكساس مطلع الستينات . توفي في تورنتو وكانت أمنيته أن يدفن في موطنه الأصلي .
الدكتور ابراهيم أبو لغد : ( يافا ) عميد كلية العلوم السياسية في جامعة نورث وسترن ستيت في شيكاغو وأستاذ زائر في جامعة برنستون ؛ له العديد من المؤلفات باللغتين الانجليزية والعربية . كان عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني. توفي في رام الله عام 2001 .
الدكتور ادوارد سعيد : ( القدس ) استاذ الأدب المقارن في جامعة كولمبيا واستاذ زائر في جامعة هارفرد . له العديد من المؤلفات أبرزها " الاستشراق " ؛ وكان حتى توقيع اتفاق أوسلو الذي عارضه عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني. واضافة الى مكانته الأدبية والسياسية كان عازفا ماهرا على آلة البيانو . توفي عام 2003 .
الدكتور هشام شرابي : ( يافا ) عميد كلية دراسات الشرق الأوسط في جامعة جورج تاون في واشنطن له مؤلفات عدة باللغة الانجليزية . توفي في بيروت عام 2005 .
الدكتور كلوفيس مقصود : (لبناني) دبلوماسي وكاتب وصحفي ومدير مكتب الجامعة العربية في نيويورك واستاذ محاضر في الجامعات الأمريكية له العديد من المؤلفات .
ماما عيشة : صاحبة أول مطعم فلسطيني في العاصمة الأمريكية . كانت تستقبل زوار مطعمها من دبلوماسيين أجانب وسياسيين ومواطنين أمريكيين بثوبها الوطني الفلسطيني . كانت سيدة كريمة ومعطاءه وفلسطين كانت دوما في قلبها .
هناك آخرون كثر عملوا بدأب ونشاط من أجل القضية الفلسطينية لكن الذاكرة لم تسعفني في تذكرهم وليعذروني في ذلك .
غادرت أمريكا عام 1976 دون رجعة ؛ ورغم كل السنين التي مضت لا رغبة عندي حتى في زيارتها.
لاحقا الشتات الخامس بغداد – بيروت
لا يخامرني شك أن الملايين من بني البشر يحلمون بالوصول والعيش في الولايات المتحدة الأمريكية ؛ كيف لا وقد قدمت للانسانية ما لم تقدمه أية دولة أخرى على وجه البسيطة وان كان ذلك على حساب الشعوب الأخرى بالترغيب أحيانا وبالترهيب في أغلب الأحيان .
الشعب الأمريكي في مجمله شعب طيب وبسيط وسواده الأعظم ساذج وضحل المعلومات العامة . العمل هو معياره الأول ولا يعنيه حتى ما يدور في الولايات الأخرى .
أول ما حطت رحالي كانت في ولاية تكساس ؛ واذا ما استثنينا شراء ولاية آلاسكا من روسيا القيصيرية بمبلغ 7.2 مليون دولار العام 1876 فان تكساس هي الأكبر مساحة بين كل الولايات . وفيها أكبر تجمع للأثرياء ؛ أما السكان فيعتبرون محافظين قياسا بالولايات الشمالية ولهم لهجة خاصة في الحديث باللغة الانجليزية يحتاج المرء الى بعض الوقت لتعلمها .
عدد كبير من المكسيكيين يمكن تمييز وجودهم في شوارع تكساس بحكم القرب الجغرافي ؛ وشريحة لا يستهان بها منهم يقيمون بطريقة غير شرعية و يشكلون التحدي الأكبر لسلطات دائرة الهجرة التي تقوم بترحيل اللآف منهم واعادتهم الى موطنهم الأصلي ؛ لكن سرعان ما كانوا يعودون . أهل تكساس يسمونهم (أصحاب الظهر المبلول ) اشارة الى عبورهم المياه للوصول الى أمريكا . أحد هؤلاء كان يقطن بالقرب مني جاءني يوما طالبا استعمال الهاتف ؛ اتصل بدائرة الهجرة وبلغ عن نفسه ؛ قلت له : أنت مجنون ؛ كيف تخبر عن نفسك ؟ رد ضاحكا : أسافر بالطائرة على حسابهم لزيارة أهلي وأعود بعد اسبوعين . وقد فعل .
في أقل من عام واحد على وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية وقع حادثان كبيران هزا المجتمع الأمريكي برمته . ففي مطلع شهر أبريل من العام 1968 وفي مدينة ممفيس في ولاية تنسي ؛ وقعت جريمة اغتيال داعية السلام القس مارتن لوثر كينغ الذي كان يطالب بالمساواة بين البيض والسود ؛ اثر ذلك عمت المظاهرات في العديد من المدن الأمريكية خصوصا في في مدينة شيكاغو والعاصمة واشنطن وانتشرت الحرائق في كل مكان واستدعيت القوات الفدرالية للسيطرة على الموقف وقد اضطر الرئيس ليندون جونسون في حينها للتوقيع على قانون المساواة بين كل مكونات الشعب الأمريكي .
في نفس العام جرى اغتيال مرشح الرئاسة عن الحزب الديمقراطي روبرت كنيدي من قبل شاب فلسطيني يدعى سرحان سرحان لفقت له تهمة القيام بفعلته هذه دفاعا عن القضية الفلسطينية ؛ علما أني لا أذكر أنه تطرق لقضية فلسطين في حملته الانتخابية لكنه كان مدافعا عن حقوق المهمشين في المجتمع الأمريكي وعن العمال ما جعله في مواجهة مع أرباب العمل ومع الكثيرين من الترويقة السياسية وخاصة مع المتنفذ الكبير رئيس مكتب التحقيقات الفدرالي جاي ادغر هوفر الذي كان يناصبه العداء علنا ويتنصت على كل مكالماته الشخصية.
روبرت كنيدي هو الشقيق الأصغر للرئيس جون كنيدي الذي اغتيل أثناء زيارته لمدينة دالاس في ولاية تكساس عام 1963 وقيل وقتها أن المنفذ هو شيوعي يدعى لي هارفي أوزولد والذي اغتيل أيضا قبل الادلاء بشهادته على يد رجل المافيا اليهودي جاك روبي الذي انتحر بعدها فورا . ملابسات اغتيال الرئيس كنيدي رغم مرور كل تلك السنين مازالت مجهولة الدوافع والجهات التي كانت خلفها.
عملت في أماكن كثيرة لتوفير المال من أجل العيش وتسديد أقساط الجامعة . في تكساس كان الحد الأدنى للأجور هو دولار وربع في الساعة ( اليوم حسب آخر ما اطلعت عليه هو 14 دولار) . في احدى العطل الصيفية سافرت وبعض الأصدقاء الى شيكاغو حيث الحد الأدنى كان ثلاثة دولارات وسبعون سنتا ؛ وهناك أقمنا في حي سيسرو الذي ماتزال بصمات آل كابون ( المافيا الايطالية ) ماثلة على الحي . ولا تتم زيارة شيكاغو دون المرور على مقهى أبو عقاب في شارع كاليفورنيا حيث يلتقي كبار السن من الرعيل الأول من الفلسطينيين للعب الورق والطاولة ؛ وبينهم من جاء الى أمريكا عام 1936 وعملوا تجار شنطة وكل ما تغير في مظهرهم الخارجي أنهم استبدلوا الحطة والعقال بشابو (برنيطة الخواجات) ويتكلمون الانجليزية بلهجة فلسطينية توحي أنهم اما مقدسيين أو من البلدات المحيطة بها.
في أواخر الستينات ومطلع السبعينات كانت الولايات المتحدة الأمريكية منهمكة في حربها في فيتنام وبدأت الأصوات الطلابية المناهضة للحرب تتعالى في الجامعات وقد تزامن هذا مع صعود الحركة الهبية التي كان شعارها الأساس هو أن "الانسان خلق حرا وعليه أن يعيش كذلك " . ... لكن الفهم الخاطيء لهذه الحركة أدى الى حرفها عن مسارها وأصبح تناول المخدرات والتعري الأكثر بروزا وهو ما عجل في سرعة انحسارها.
بعد دراسة الكيمياء لأكثر من عامين اقنعني أحد اساتذتي الذي ربطتني به علاقة صداقة خارج الحرم الجامعي بالتحول الى التخصص بالعلاقات الدولية والتسويق اذ قال " أنا لا اتخيلك واقفا في مختبر مرتديا مريولا أبيض لأن لديك مواهب في مجال آخر " هو كان محقا ؛ وأنا انصعت لرؤيته وان كنت في حياتي العملية لم أستفد سوى من شق العلاقات الدولية الذي تعلمته .
مع بداية أحداث ما يسمى أيلول الأسود عام 1970 والصراع بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الأردنية اشتد ضغط جهاز الاتحاد الفيدرالي على الطلبة وأنا واحد منهم ؛ وكثيرا ما كنت أعود الى منزلي لأجد الأثاث مقلوبا رأسا على عقب كمن يبحث عن شيء ما في عجل . هذا الأمر زادت وتيرته خلال السنوات القليلة التي تلت ذلك ؛ ما اضطرني الى مغادرة تكساس قاصدا العاصمة واشنطن.
العاصمة كانت ساحة هامة للعمل من أجل القضية الفلسطينية ولعل وجود شخص مثل الراحل الدكتور حاتم الحسيني ممثل للجامعة العربية ومساعده سعيد حمد الصديق والسفير (لاحقا ) أكبر الأثر في تنظيم الجالية الفلسطينية .
أكثر ما أعتز به هو التعرف على الشاعر الكبير الرا حل راشد حسين صاحب ديوان " الصواريخ " والذي لم أصادف أحدا في حياتي بمثل شراهته في التدخين ؛ وقد أخبرني ذات مرة أن الاسرائليين كانوا يعرفون مدى تعلقه بالتدخين وكلما زجوه في السجن كانوا يعطونه ( خرطوشة سجائر ) ويجردونه من أي شيء قابل للاشتعال ؛ مد قدمه نحوي وقال : تحسس ثنية سروالي !!! كانت الثنية مليئة بأعواد الكبريت . راشد للأسف مات حرقا في شقته في نيويورك .
في أواخر العام 1973 التقيت أول مرة بشاعرنا محمود درويش حيث كان يتردد كثيرا على العاصمة الأمريكية قبيل اقترانه بالسيدة رنا قباني ابنة سفير سوريا وشقيق الشاعر نزار قباني وفي أكثر من مناسبة فاتحته برغبتي في الالتحاق بمنظمة التحرير في بيروت . كان رأيه على الدوام أن بقائي في أمريكا يخدم القضية أكثر منها في لبنان لكني كنت مصرا على عيش التجربة من داخل المنظمة وليس من خارجها وعن بعد .
في عام 1976 سقط مخيم تل الزعتر وهو ما حملني على التصميم على السفر الى لبنان ؛ ووقتها كان هناك خياران : اما السفر عن طريق العراق أو عن طريق ليبيا . اخترت العراق وساعدني في تأمين جواز سفر غير جواز سفري المزور سفير العراق أنذاك السيد محمد الأمين وهو فلسطيني الأصل .
في رحلتي نحو الشتات الخامس لم يكن لدي سوى اسم شخص واحد هو السيد قاسم السماوي ؛ وحتى وصولي الى بغداد كان هذا الانسان مجرد اسم لم أعرف محله من الاعراب سوى أنه الوحيد المخول بايصالي الى لبنان ؛ تبين لي لاحقا أنه من الشخصيات السياسية الهامة والوازنة في العراق وله حكاية خاصة سأرويها فيما بعد .
قبل أن أختم حديثي عن أمريكا لا بد من تذكر بعض الشخصيات التي عرفتها وتأثرت بها ممن لعبوا دورا مؤثرا على الساحة الأمريكية من أجل القضية الفلسطينية:
الدكتور سامي هداوي : (القدس) سياسي وباحث ورئيس مركز الدراسات الفلسطينية . ألف العديد من الكتب وله دراسات قيمة حول الأراضي الفلسطينية ما قبل عام النكبة . عمل مديرا لمكتب الجامعة العربية في مدينة دالاس بولاية تكساس مطلع الستينات . توفي في تورنتو وكانت أمنيته أن يدفن في موطنه الأصلي .
الدكتور ابراهيم أبو لغد : ( يافا ) عميد كلية العلوم السياسية في جامعة نورث وسترن ستيت في شيكاغو وأستاذ زائر في جامعة برنستون ؛ له العديد من المؤلفات باللغتين الانجليزية والعربية . كان عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني. توفي في رام الله عام 2001 .
الدكتور ادوارد سعيد : ( القدس ) استاذ الأدب المقارن في جامعة كولمبيا واستاذ زائر في جامعة هارفرد . له العديد من المؤلفات أبرزها " الاستشراق " ؛ وكان حتى توقيع اتفاق أوسلو الذي عارضه عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني. واضافة الى مكانته الأدبية والسياسية كان عازفا ماهرا على آلة البيانو . توفي عام 2003 .
الدكتور هشام شرابي : ( يافا ) عميد كلية دراسات الشرق الأوسط في جامعة جورج تاون في واشنطن له مؤلفات عدة باللغة الانجليزية . توفي في بيروت عام 2005 .
الدكتور كلوفيس مقصود : (لبناني) دبلوماسي وكاتب وصحفي ومدير مكتب الجامعة العربية في نيويورك واستاذ محاضر في الجامعات الأمريكية له العديد من المؤلفات .
ماما عيشة : صاحبة أول مطعم فلسطيني في العاصمة الأمريكية . كانت تستقبل زوار مطعمها من دبلوماسيين أجانب وسياسيين ومواطنين أمريكيين بثوبها الوطني الفلسطيني . كانت سيدة كريمة ومعطاءه وفلسطين كانت دوما في قلبها .
هناك آخرون كثر عملوا بدأب ونشاط من أجل القضية الفلسطينية لكن الذاكرة لم تسعفني في تذكرهم وليعذروني في ذلك .
غادرت أمريكا عام 1976 دون رجعة ؛ ورغم كل السنين التي مضت لا رغبة عندي حتى في زيارتها.
لاحقا الشتات الخامس بغداد – بيروت
