أموال "التشغيل المؤقت".. فشل في إدارة الأزمة أم إهدار لأموال المانحين؟

أموال "التشغيل المؤقت".. فشل في إدارة الأزمة أم إهدار لأموال المانحين؟
صورة توضيحية
خاص دنيا الوطن- كمال عليان
منذ بداية انتفاضة الأقصى قبل 16 عاماً، وتردي الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية وقطاع غزة، خصوصا بعد الحصار الإسرائيلي المفروض منذ 9 أعوام، انتشرت برامج تشغيل للعاطلين عن العمل وخريجي الجامعات الفلسطينية أطلق عليها "التشغيل المؤقت" ساهمت بشكل واضح في التخفيف من وطأة البطالة والحصار، غير أن الواقع غير ذلك – بحسب اقتصاديين تحدثت "دنيا الوطن" معهم.

ويؤكد اقتصاديون أن أغلبية هذه المشاريع عادة ما تتعاطى مع مشكلة البطالة بشكل مؤقت، وينتهي تأثيرها بانتهاء المال، وتعود الأزمة لما كانت عليه، مطالبين برؤية مركزية لإدارة هذه المشاريع وتحويلها لمشاريع دائمة تفيد المجتمع والمواطن.

بين الفينة والأخرى تعلن وزارة العمل الفلسطينية وبعض المؤسسات ذات العلاقة عن توفر برامج "تشغيل مؤقت" للعاطلين عن العمل وخريجي الجامعات، غير أنها لا تستوعب في أحسن الأحوال أكثر من ثلث العاطلين، في الوقت الذي وصلت فيه نسب البطالة إلى 40% في قطاع غزة فقط.

مثل الأكمول

وقال الخبير الاقتصادي عمر شعبان: إن البرامج تساعد على تخفيف وطأة الحصار الإسرائيلي والتخفيف من البطالة لدى المجتمع الفلسطيني، إلا أنها غير كافية لمواجهة الوضع الاقتصادي بعد 9 سنوات من الحصار وارتفاع نسب البطالة في غزة، وحالة عدم الاستقرار التي تدفع الدول المانحة لأن تكون مشاريعها مؤقتة وذات تأثير سطحي.

وأضاف شعبان لـ "دنيا الوطن": "لا شك أنها مثل الأكمول تسكن الألم ولا تزيله، وهناك العديد من التساؤلات حول الشفافية وطريقة أداء مثل هذه البرامج، خاصة وأن الآليات والرؤية لدى القائمين على هذه البرامج غير واضحة، ولا تكشف للمجتمع كيفية الاستفادة من هذه البرامج".

وذكر أن مشاريع التشغيل المؤقت من الممكن أن تصبح مفيدة أكثر للشعب الفلسطيني إذا تم إدارتها بشكل مركزي عبر تنسيق لجنة وطنية، تضم الأطراف ذات العلاقة، وتكون لها علاقة بالمجتمع، وبحضور شفافية ورقابة عالية.

ولفت شعبان إلى أن الجميع يسمع عن أموال كثيرة لكن دون أن يتم قياس نتائج أعمالها، نظراً لأن معايير التقييم غير مهنية، وأن الكثير من المؤسسات التي تعمل في هذا المجال تفتقر للرؤية التنموية سواء دولية أو محلية شريكة.

مشاريع فاشلة

بدوره، يؤكد رئيس تحرير صحيفة الاقتصادية محمد أبو جياب، أن هذه المشاريع أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أنها فاشلة، ولا تؤتي أكلها في مجال معالجة الأزمة، خصوصاً أنها  تتعاطى بشكل مؤقت ينتهي بانتهاء المال وتعود الأزمة لما كانت عليه.

وقال أبو جياب لـ"دنيا الوطن": "على من ينفذون هذه البرامج ويتعاطون مع المؤسسات الدولية ذات العلاقة، أن يكونوا حذرين من أن هذا المال يسجل باسم الشعب الفلسطيني تحت مسمى المساعدات الدولية، ولابد على المسؤولين في وزارة العمل والتخطيط والمالية صياغة استراتيجية فلسطينية بتنمية طويلة الأمد من أجل إنهاء أزمة البطالة بما يحقق انتهاء هذه الأزمة أو الحد منها".

وأضاف "لابد من التركيز على المشاريع الإنتاجية من خلال منح هذه الأموال على الطاقات الشابة المنتجة وعلى مختلف المستويات العملية والصناعية والإنتاجية والتجارية وفتح أسواق لهم"، مبيناً أنه في ظل الواقع الحالي المطلوب من الحكومة تأسيس برامج تنموية دائمة وليس برامج ثانوية مثل التشغيل المؤقت.

ولفت إلى أن الكثير من المعيقات ستواجه الحكومة والقائمين بهذه المشاريع، غير أن الفلسطينيين إذا اتخذوا مثل هذا القرار سنحقق نسبة كبيرة في طريق إنهاء البطالة بعيداً عن إهدار المال والسير في حلقة مفرغة لإدارة الأزمة.

وتابع أبو جياب "على الجميع أن يعلم أن المال لا يدفع للفلسطينيين من أجل سواد عيونهم، إنما  لإبقاء وضمان حالة الاستقرار في المنطقة وتحديداً غزة، لذلك على الفلسطينيين عدم القبول بما يطرحه الممولون دون نقاش، لذلك لابد من صياغة رؤية وطنية موحدة وفرضها على الممولين".

من جهته، أعرب استاذ العلوم الاقتصادية في جامعة الأزهر معين رجب عن استغرابه من إصرار الدول المانحة على تمويل المشاريع المؤقتة وليس إنشاء مشاريع بشكل دائم تضمن عدم العودة لمربع البطالة بعد انتهائها.

وقال رجب لـ "دنيا الوطن" إن المشاريع المؤقتة تخفف من أزمة بطالة الخريجين لكنها لا تنهي الأزمة في ظل وصول معدلات البطالة إلى أكثر من 40%" مطالباً الحكومة والعاملين في هذا المجال بإيجاد بدائل للمشاريع المؤقتة عبر التواصل مع الدول العربية لاستيعاب الخريجين وإيجاد بدائل دائمة.

هدر الأموال

وخلصت دراسة بعنوان "دور المؤسسات الأمريكية في تنفيذ السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في فلسطين "للباحث محمد أبو غنيم من أكاديمية الإدارة والسياسة إلى أن الولايات الأمريكية تسعى لتحقيق مصالحها وأهدافها من خلال مؤسساتها العاملة في فلسطين.

وأوضحت الدراسة أن المساعدات الأمريكية لا تهدف إلى إحداث التنمية في المجتمع الفلسطيني، بقدر ما هي إغاثية وقتية وغير مستدامة، وهذا مرهون بمدى الاستجابة لشروط المؤسسات المانحة، خصوصاً مع عدم توفر خطط تنموية وطنية لإدارة المساعدات الدولية سواء عند السلطة الفلسطينية أو مؤسسات المجتمع المدني، ويغلب على المساعدات الطابع الاستهلاكي.

وتؤكد الدراسة أن الاستغناء عن المساعدات الخارجية أمر صعب نتيجة لسياسات التمويل الغربي التي أدت إلى تحويل الاقتصاد الفلسطيني إلى اقتصاد خدمي تابع لاقتصاد الاحتلال والأسواق الخارجية.

ودعت إلى تفعيل دور القطاع الخاص في إطار خطة تنموية شاملة وإشراكه بها من موقع المسؤولية الوطنية لسد احتياجات المجتمع الفلسطيني لأجل الاستغناء عما تقدمه المؤسسات الأمريكية وآثارها  السلبية، داعية إلى التعامل بحذر شديد مع المؤسسات الأمريكية العاملة في فلسطين لأنها تعالج قضايا ثانوية وتبث أفكاراً تتنافى مع قيم المجتمع تحت حجج الإغاثة والإصلاح.

 وذكرت الدراسة، أن الممولين يتفننون في كيفية هدر المال يساعدهم في ذلك بعض المؤسسات الأهلية الفلسطينية، التي تنفذ برامج تحت مسميات عدة ليعود عليها بالنفع.

 وبحسب الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، فإنها تمول برامج لمساعدة سكان الضفة الغربية وقطاع غزة على العيش بصحة أحسن، ومنذ العام 1993 تلقى الفلسطينيون أكثر من مليار وسبعمائة مليون دولار حتى عام 2007 على هيئة مساعدات اقتصادية أمريكية من خلال الوكالة فقط.

وتؤكد الدراسة أن نسب المساعدات التقنية تصل الى 85% الى 90% من قيمة المنح التي توفرها وكالة التنمية الأمريكية، الأمر الذي يمنع فرص تحقيق التنمية الحقيقية.

وتقول إن المؤسسات الأهلية الفلسطينية تعمل وفق معايير وقواعد العمل التي يفرضها الممولون، وبالتالي فهي تنفذ في بعض الأحيان أجندات الممولين دون أن تشعر بذلك، وتروج لعملية اللاتنمية.