مهماتنا في العام 2017

مهماتنا في العام 2017
د. محمد المصري                                                              15/12/2016

عُقد المؤتمر السابع لحركة فتح وانتهى الأمر، انتهى الضجيج واللغط والتوقعات والاحتمالات، نجت الحركة ووصلت شاطئ الأمان، ولكن ارتدادات النتائج وبقايا أرض المعركة، بما فيها من صخب وكلام قيل أو لم يُقل وأُناس غضبى أو محتجون، ورغم ذلك كله، إلا أن هذا ما يُميّز المؤتمرات الكبيرة، التي تبدأ مرحلة وتُنهي مرحلة، وإذا كانت حركة فتح قد فعلتها، وجددت شرعيتها وأجابت عن أسئلتها المحرجة والدقيقة والجارحة أيضاً، فإن من الواجب الآن أن تضع لنفسها مهام محددة، لإنجاح برنامجها وتطويره، ولتعميق نهجها وتوسيعه، ولتعظيم جبهة الأصدقاء وتقليل جبهة الأعداء، وأخيراً وليس آخراً, للتقدم نحو الأهداف الكبرى التي ندبت نفسها من أجلها، ألا وهي التحرير وإقامة الدولة، هذه المهام أراها ويراها كل حريص على حركة فتح والقضية على النحو التالي:

أولاً: معالجة ارتدادات النتائج التي تمخض عنها المؤتمر، تلك النتائج التي قد تقود إلى احتقانات مرضية وتوترات داخلية، الحركة في غنى عنها، وفتح كما عودتنا دائماً, حضن دافئ لكل أبناءها, الضالين منهم والمجتهدين، أصحاب الرؤى المختلفة والاتجاهات المتعارضة, هذه هي قوة فتح وسر بقائها، التعددية والتنوع والعفوية والاجتهاد والمغامرة والتكييف والاحتواء واستغلال الظرف, والركض تحت حبات المطر دون البلل, لابد من احتضان كل أولئك الذين لهم آراء أخرى، ومعالجة ملفاتهم بصورة شخصية وجماعية، الحركة الآن بأحوج ما تكون للوحدة الداخلية وتنقية الأجواء التنظيمية، ولا حاجة هناك للاصطفاف الداخلي أو النقاشات العلنية أو فتح جبهات لا داعي لها، فتح مرة أخرى، أم رؤوم، أذرعها مفتوحة دائماً لكل أبنائها، الغائبين، والمُغيّبين والذين فقدوا الاتجاه نحو البيت، فتح قنديلهم وبيتهم وشجرتهم وخيمتهم التي لا غنى لهم عنها ولا غنى لها عنهم.

ثانياً: عقد المجلس الوطني الفلسطيني، باعتبار أن هذه الخطوة الهامة والضرورية, ستجدد الشرعيات الفلسطينية كلها, للنظام والمجتمع والثورة والسلطة, من خلال تحديد الثوابت وترتيب الهيكلية وإعادة البوصلة, وبرأيي أن ذلك سينقذ كثيراً من الاوضاع والازمات الحالية, لكن عقد هذا المؤتمر – وبرأيي - لا بد أن يكون على قاعدة التوافق والمشاركة والندَية, أن لا يتشابه طريقة عرضه وعقده كما في المؤتمر السابع, مؤتمر المجلس الوطني لكل الفلسطينيين ولا بد أن يكون هناك لجان سياسية تحدد بالتفصيل النقاط والمواضيع التي يجب طرحها في المؤتمر, وأن يتم ذلك بالتعاون والشراكة مع الشركاء التاريخيين أولاً, وليس مع التيار الإسلامي في الحركة الوطنية الفلسطينية, ليس من طريق الإقصاء أو الإلغاء, ولكن التوافق ما بين حركة فتح وشركائها التاريخيين سيجعل من التفاوض مع التيار الإسلامي أكثر نجاعة وقوة وجدوى، عقد المؤتمر الوطني الفلسطيني، الذي سيخلق منظمة تحرير فلسطينية جديدة لكل الفلسطينيين ضرورة يجب أن يشارك فيها الكل الفلسطيني على قاعدة من التوافق الحقيقي والشراكة المفيدة المؤسسة على ضريبة الدم واستحقاق الضرورات التاريخية.

ثالثاً: إنهاء الخلاف الفلسطيني الفلسطيني، الذي يعني – باختصار ودقة وصراحة – ضرورة التنازل عن بعض المواقف التي ثبت أنها لن تقدم لعملية المصالحة أي شيء, التنازل بهذا المفهوم من أجل الوطن وليس من أجل حماس أو غيرها، التنازل هنا بمعنى عدم قتل الولد أو تقسيمه أو اختطافه، التنازل يعني عدم اختطاف غزة وعدم تفكك الحركة الوطنية وعدم تفكك النسيج الاجتماعي الفلسطيني وعدم الارتهان للأجندات المتعددة، وحتى تظل فتح تقود المجتمع والسلطة والمشروع، وحتي لا تكون عائقاً أمام المستقبل، بمعنى آخر، فتح هي المعنية بوضع الحلول.

رابعاً: إعادة رونق العلاقة مع الدول العربية المعتدلة في الإقليم، وذلك من منطلق أن هذه الدول هي التي نتشارك معها في كل شيء، الضرر والمصلحة، والمستقبل أيضاً، فلا حلول جزئية أو كلية, مرحلية أو دائمة دون التنسيق مع هذه الدول وخصوصاً الأردن ومصر، وهما شقيقتان دفعتا وعلى مدى أكثر من سبعين عاماً الكثير من الدم والجهد بسبب هذه العلاقة التي نسجتها وشائج الدم والثقافة والدين، إن نسج مثل هذه العلاقة – رغم ما قد يشوبها من غبش أو صعوبة رؤية – سيحد من تغول إسرائيل, وسيجعل التفاوض معها أكثر فائدة, إن علاقة جيدة مع هذه الدول – أقصد مصر والأردن بالذات – يدعونا إلى القول أن على الفصائل الفلسطينية الأخرى أن تتفهم طبيعة المرحلة واشتراطاتها, إذ أن المجتمع الدولي, وعلى ما يبدو, ليس في وارد الدفع باتجاه تسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي, وما تأجيل مؤتمر باريس إلى كانون الثاني/ يناير من العام المقبل إلا إحساس بهذا التراخي أو الكسل, وبما أننا لن ننتظر مؤتمر باريس أو غيره – الذي لن يأتي بالدولة الفلسطينية المستقلة – فإن من الخير لنا جميعاً أن نحاول ترتيب بيتنا الداخلي وتنظيفه وتهويته وتجديد دمائه, ولتكن هذه مهمتنا في العام 2017.